Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 8 يوليو 2010

المسرح وتوظيف التراث الشعبي *


د. أحمد ابراهيم الفقيه

اتفادى في مثل هذا المنبر الذي يخاطب ملايين القراء ممن تختلف مشاربهم وتتنوع اهتمامتهم ، ان اخوص في مواضيع ذات طابع تخصصي مثل الادب ، باعتباري ممارسا لمهنة الكتابة الادبية ، واحاول في مقالات الراي التي اكتبها ان انسى التخصص لاكون على تماس مع القضايا العامة التي تهم اكبر قدر من القراء ، واغبط زملاء ينتمون هم ايضا الى هذا المجال يقصرون مقالاتهم على الجوانب الادبية ، ربما لانهم لا يجدون ضيرا في مخاطبة المهتمين بالشأن الادبي فقط ، تاركين المهتمين بالمجالات الاخرى لغيرهم من كتاب ، او ربما لانهم يرون ان الادب ليس تخصصا ، وانما حاجة انسانية ، جدير بكل قاريء ان ينال حظه منه ، ولهذا فمعالجتهم للقضايا الادبية لا يعتبر حديثا تخصصيا مثل الحديث عن الموضة او عن الطبخ او عن السيارات اوغيرها من مواضيع تهم فئة دون اخرى، وانما شأن عام ، وخير مثال على ذلك مقال نشرته الاهرام اخيرا للاستاذ احمد عبد المعطي حجازي يتحدث فيه عن الشعر باعتباره ضرورة لحياة البشر انتاجا واستقبالا بعنوان "ليس ترفا..انه ضرورة" ، وطبعا اشارك الشاعر الكبير هذا الراي ، واتوق مثل بقية الادباء الى ان يصبح استهلاك الادب بكل الوانه والفنون بكل انواعها شأنا عاما لما للاداب والفنون من اهمية في حياة البشر واثراء الوجدان الانساني ، ومع ذلك سابقى في مقالاتي اتعامل مع القضايا العامة التي لها طبيعة تهم كل الناس دون ان اتحرج احيانا من مقاربة الجوانب الادبية كما سافعل في هذه المرة وانا اتناول مؤتمرا دعتني اليه الجزائر بمناسبة المهرجان المسرحي السنوي الذي تشهده العاصمة الجزائرية في مطلع الصيف من كل عام ، وهو مؤتمر ادبي يرافق فعاليات المهرجان حول توظيف الفن الشعبي في المسرح ، وكانت المحاضرة التي ساهمت بتقديمها تتصل بتجربة شخصية عن مسرحيات كتبتها واستقيت احداثها وشخصياتها ومناخاتها من الفلكلور الليبي ، مقتديا بما فعله رواد عرب في هذا المجال مثل استاذ الادب المسرحي ورائده الاكبر توفيق الحكيم عندما استقى احداث احدى مسرحياته المبكرة من اسطورة الف ليلة وليلة هي مسرحية شهرزاد ، واستقى مسرحيات اخرى من التراث العربي والنص القرآني مثل اهل الكهف واستقى احداث السلطان الحائر من التراث التاريخي في عهد المماليك واغترف بعض اعماله من التراث الشعبي مثل ياطالع الشجرة، ولم يكن تلميذه الفريد فرج اقل منه اجتهادا في البحث عن هوية عربية للنص المسرحي عبر مسرحياته الكثيرة التي استوحاها من الف ليلة وليلة ، او يوسف ادريس في مسرحيته الفرافير التي استقاها من السامر المصرى ومثله فعل شوقي عبد الحكيم الذي استقى اغلب مسرحياته من قصص الفلكلور المصري وفعل ذلك نجيب سرور في مسرحيته ياسين وبهية ، وعلى هذا المنوال نسج كتاب اخرون من مختلف الاقطار العربية لا يتسع هذا الحيز لاستعراض تجاربهم ، الا انهم يشتركون جميعا في انهم وجدوا في التراث الشعبي ، والتراث العربي ، باعتبارهما مخزون الخبرة البشرية لشعوبهم ، مصدرا لا ينضب ولا ينفد لالهامهم وتخصيب مواهبهم واعطائهم مادة لابداعهم وفتح افاق رحبة واسعة للاعتماد عليها في اعطاء لون ونكهة شعبية لنصوصهم المسرحية ومنح هوية عربية لهذا الفن ، وباعتباري كاتبا مسرحيا وممارسا للعملية المسرحية اخراجا وتمثيلا وتدريسا، ومسكونا بهاجس التجديد والتجريب والمساهمة في تعميق الهوية العربية لمثل هذه الفنون التي استوردناها من ثقافات اخرى ، فقد تعددت تجاربي في كتابة المسرحيات المستقاة من منابع شعبية ، كانت اخرها ، ثلاث مسرحيات قصيرة اخترتها لتكون موضوعا لهذه المحاضرة ، التي ترصد التطبيق العملي لفكرة توظيف التراث ، أي دراسة حالة لثلاثية مسرحية بعنوان العرس ، استقيتها من تقاليد الاعراس البدوية ، في ليبيا ، واعتقد ان لهذه التقاليد امتدادا في الصحراء الغربية لدى قبائل اولاد علي المصرية ، وهذا التقليد هو ما يسمى "العراسة" وهو الاسم الذي يطلق على جماعة من اصدقاء العريس يلعبون لعبة تستمر لسبعة ايام ، تقوم على تاسيس دولة وهمية لها اركان الدولة التقليدية المعروفة في التراث ، يقوم فيها العريس بدور رئيس هذه الدولة ويسمى السلطان ،ويقوم بتنصيب اعوان له من بين اعضاء المجموعة ، ياتي في مقدمتهم الوزير وهو الرجل الثاني في الدولة ، المسئول عن تنفيذ اوامر السلطان ثم القاضي وصاحب الشرطة ، ويقوم بقية الاعضاء بادوار تكميلية اخرى ، ومن وحي هذه الصيغة الفلكلورية الشعبية للمسرح الارتجالي ،قمت بصياغة ثلاث مسرحيات اسميتها ثلاثية العرس ، تبدأ بمسرحية كبير البصاصين ، عندما يصبح امن الدولة هاجسا يسيطر على سياسة البلاد ونظام الحكم فيها ويتحول من جهاز يعمل في خدمة الدولة الى جهاز يسيطر عليها وبدلا من ان يستلم تعليماته من الحكومة الشرعية للبلاد ويخضع في سياسته للفلسفة او الاستراتيجية العليا التي ترسمها ، يحدث العكس فيكون هو الذي يصدر التعليمات ويرسم السياسيات ويضع نفسه مرجعية عليا لها ، فيحدث عندئد مسخ وتشويه للمفاهيم والنواميس التي تحتكم اليها الدولة مما يؤدي الى خرابها ودمار مؤسسات الحكم فيها ،وعلى هذا المنوال تمضي بقية المسرحيات حيث يتحول اللعب وهو الهدف الذي تتوخاه العراسة الى جد ،ويتحول الهزل الضاحك الى حدث مأساوي ، وتنقلب الحياة الساخرة ، الى ازمة ومحنة ، مستخدما موضوعا تراثيا وظاهرة من الظواهر المسرحية في فننا الشعبي ، سعيت الى توظيفها من خلال قواعد وتقنيات المسرح الحديث والمعاصر بتقاليده واسسه وقواعده وقوانينه الخاصة بنمو الحدث الدرامي وبناء الشخصية وتوفر الصراع وتدرج الحدث وانتقاله بين الاسترخاء والتوتر ،والتوتر والاسترخاء وصولا الى الذروة.

العراسة تراث شعبي مسرحي قائم على الارتجال ، وكما نعلم فقد بدأ المسرح مرتجلا ، وعرف في تراثه محليا وعالميا انواعا شهيرة من المسرح المرتجل كما في الكوميديا دي لارتي ، وبعضهم يعتبر مقامات الحريري ومقامات بديع الزمان الهمداني في التراث العربي نوعا من الظواهرالمسرحية التراثية التي تنتمي للمسرح المرتجل وقد اعتني المسرح الحديث بتطوير تقنيا ت الارتجال واعتمد عليها في خلق حالات مسرحية خاصة فيما يتصل باسقاط الحائط الرابع واشراك الجمهور في العرض المسرحي كما اعتمد في تعزيز موارده من خصوبة وثراء التراث الشعبي منذ البدايات الاولى مع المسرح الاغريقي الى هذا اليوم .

وهذه الثلاثية المستوحاة من تقاليد العرس في ليبيا ليست الا صورة لما اردت ان افعله مع جوانب اخرى من التراث حاولت توظيفها في مسرحيات درامية واخرى استعراضية غنائية ، توخيت ان تسهم في اثراء واغناء التجربة المسرحية العربية واضافة شيء من ذاتنا وثقافتنا عليها والباسها لباسا له طابعنا وخصوصيتنا الحضارية . ‏ ‏

fagih@hotmail.com
_________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة الاهرام ، يوم الاربعاء 7 يوليو 2010م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home