Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإثنين 7 سبتمبر 2009

قصة قصيرة عن نجيب محفوظ

كرامات كاتب من أهل الله*

د. أحمد ابراهيم الفقيه

((إلي عظيم أدباء العصر، الراحل الكبير أستاذي نجيب محفوظ في الذكري الثالثة لميلاده السماوي))

عندما رأيته لأول مرة لم أجرؤ علي الاقتراب منه‏,‏ بقيت أتأمله من بعيد من مكان لا يواجهه ولا يجعلني في مرمي نظره‏,‏ وكان يجلس وحيدا ينشر صحيفة كانت معه‏,‏ في صالون فندق كونتيننتال ليس بعيدا من مكان جلسته في مقهي الاوبرا المقابل للفندق‏,‏ وقد اتضح لي فيما بعد انه جاء لزيارة صديق من نزلاء الفندق‏,‏ سرعان ما جاءه الصديق هابطا عن طريق المصعد وغادرا الفندق‏,‏ وبدا واضحا ان الصديق رجل له علاقة بعالم الانتاج السينمائي حيث كان نجيب محفوظ في تلك الفترة طرفا في صناعة الافلام العربية كواحد من افضل من كتبوا السيناريو لهذه الافلام‏ .

وحدث اثناء جلوسه في فندق الكونتيننتال ان جاء صديق ليبي من ناشئة الادب تعودنا ان نلتقي هناك فأشرت الي حيث يجلس نجيب محفوظ فاندفع متحمسا للسلام عليه‏,‏ ومشيت وراءه في صمت ومددت يدي كما فعل باتجاه الكاتب الكبير الذي نهض يرد التحية ويشكر زميلي علي كلمات الاعجاب التي ذكرها له كما قدم له اسمه واسمي باعتبارنا من ليبيا‏,‏ ولم يفتح الله علي بكلمة واحدة أقولها للكاتب الكبير رغم انني كنت في ذلك الوقت قد قرأت كل ما وقع في يدي من انتاجه‏,‏ بل انني تابعت فصولا من الثلاثية منذ ان بدأت مجلة الرسالة الجديدة تنشرها في اعدادها الاسبوعية وقبل ان تصدر في كتاب عن مكتبة مصر التي يملكها صديقه سعيد السحار‏,‏ وكان لابد ان تمضي اكثر من ثلاثين عاما علي هذا الموقف الذي حدث في مطلع ستينيات القرن الماضي‏,‏ وفي بدايات العقد الاخير من ذلك القرن‏,‏ كنت قد قررت الاقامة في القاهرة مصطحبا معي اسرتي‏,‏ ووجدت في ذلك الوقت الثقة في نفسي لان التحق بالجلسة الاسبوعية التي كان مازال نجيب محفوظ يواظب علي عقدها بعد ان انتقل بها الي كازينو قصر النيل‏.‏

واعتقد ان الكاتب الذي استأنست بالذهاب معه كان كاتبا مواظبا علي حضور جلسات نجيب محفوظ وصديقا له منذ جلسات الاوبرا‏,‏ هو الاستاذ القصاص مصطفي ابو النصر رحمه الله‏,‏ ومنذ هذا اليوم لم أتخلف عن حضور جلساته التي تعددت فيما بعد والتي اخترت منها جلسة يوم الاحد التي تعقد بفندق شبرد‏,‏ اداوم علي حضورها حين وجودي في القاهرة‏,‏ ولا أتخلف عنها الا بسبب السفر‏,‏ وخلال هذه الجلسات تعرفت كثيرا علي بعض اسرار العمل المهني كما يدركها هذا الصانع العظيم من صناع الادب الراقي‏,‏ محاولا ان استفيد من خبرته الطويلة وشخصيته العبقرية في التنظيم والمثابرة علي الانتاج دون ان يكون ذلك علي حساب الحياة‏,‏ فنجيب محفوظ واحد من عظماء الكتاب الذين استطاعوا ضبط هذه المعادلة بين الانتاج والحياة‏ فقد اعطي دائما الاولوية للحياة‏,‏ لا يتنازل ابدا عن نصيبه فيها‏,‏ ولم يرهن حياته للابداع الادبي ليكون راهبا في مجال الادب‏,‏ لتحقيق النجاح في مهنته‏,‏ لقد استطاع ان يحقق هذا النجاح‏,‏ وان يحافظ علي غزارة انتاجه وجودته‏,‏ وان يحصل علي الاعتراف العالمي بعبقريته عند نيله لجائزة نوبل‏,‏ دون ان يتنازل اطلاقا عن أخذ نصيبه من الحياة‏,‏ اوينسي هذا النصيب‏,‏ واحسست بشئ من الدهشة والاستغراب عندما سمعته يسألني‏,‏ بعد اشهر من التحاقي بمجلسه‏,‏ ان كنت أتذكر اي لقاء حصل بيننا في فترة قديمة لانه يشتبه في ان هناك لقاء حصل بيننا‏,‏ مازال يفكر في المكان والزمان الذي حصل فيه‏,‏ حيث ادرك منذ اليوم الاول الذي جئت فيه لجلسات كازينو قصر النيل ان وجهي مألوف لديه وان هناك لقاء حصل قبل هذا اللقاء فابديت دهشتي ان يكون الاستاذ يذكر لي صورة او يستحضر لي لقاء به‏ .

اما بالنسبة لي فطبعا كنت اعرفه وكنت احضر احيانا مع الجمهور حفلات تكريم اقيمت له وأري ما يجري معه من مقابلات علي الشاشة واقرأ ما يكتب عنه من مقالات في الصحف واعرف صورته باعتباره شخصية شهيرة يحتفي به الاعلام من صحافة واذاعة وتلفاز‏,‏ بل ان هناك فيلما عنه كانت تعرضه اندية السينما وغيره اما ان يكون الاستاذ قد رأي لي صورة في صحيفة فلعل ذلك حدث من باب الصدفة علي قلة ما يمكن ان يكون قد نشر لي من صور في الصحف التي تصل اليه وقلة ما اجري لي من مقابلات في التلفاز‏,‏ فاكد لي ان ما علق بذهنه ليس صورة في صحيفة او لقاء في تلفاز‏,‏ وانما لقاء علي الطبيعة يذكر معه انني كنت انفث الدخان بطريقة عصبية‏,‏ وانه شاهد من التجاعيد في وجهي وعلي جبيني ما لا يتفق مع عمري الي حد ان ظل يشفق علي هذا الاديب الليبي الذي انشبت مهنة القلق والاحتراق انيابها في ملامح وجهه وهو مازال في مقتبل العمر وقضت علي نضارة الوجه التي تقترن بهذه الفترة من العمر‏,‏ وتأسف كما قال لي لهذا الاديب الذي جاء من منطقة لم يبرز منها ادباء كبار في ذ لك الوقت‏,‏ ولهذا فقد انتقش هذا اللقاء في ذاكرته لانه لا يذكر انه سمع قبل ذلك اليوم باسم احد من الادباء يقرن ببلد مثل ليبيا‏,‏كانت تلك اول مرة ولهذا فقد بقي الموقف في ذاكرته‏,‏ واضاف شيئا جعلني أتيقن انه فعلا يذكر ذلك الموقف‏,‏ انه التقي بي ولم اكن بمفردي‏,‏ وانما مع شاب آخر‏,‏ فقد انطبع اللقاء في ذهنه باثنين من الشباب الليبيين‏,‏ الا ان وجه الشاب الثاني كان طبيعيا‏,‏ فلم يشد انتباهه ولم يحرك فيه الاسي الذي حركه وجهي لديه‏.‏

لم أعد أستطيع أن أنكر أو أتهرب من الاعتراف بحقيقة ذلك اللقاء‏,‏ فقلت له انني لم اكن احلم بان كاتبا في مثل شهرته ومكانته يلتقي بآلاف الناس في كل فترة من حياته ان يتذكر هذا اللقاء العابر الذي لم يدم اكثر من دقيقة واحدة‏,‏ ولم اكن احلم ان يبقي وجهي منطبعا في ذاكرته وقد مضي علي ذلك اللقاء ما يزيد علي ثلاثة عقود‏,‏ تحولت فيها من الصبا الي الكهولة وتحول الوجه من التجاعيد الطارئة والعارضة علي الجبين الي تجاعيد دائمة ترسم خطوطها علي كل ملامح الوجه وما حوله‏,‏ وذكرت له ان هناك لقاء دام للحظة خاطفة بفندق الكونتينينتال فاذا به يقاطعني‏.‏

ـ نعم استطيع ان اتذكر الان انه فندق الكونتيننتال‏,‏ الذي غالبا ما تتم فيه لقاءات العمل بيني وبين بعض منتجي الافلام خاصة الشوام الذين يأتون ضيوفا للقاهرة‏.‏ وزاد من بقاء هذا اللقاء في ذهني ان الرجل الذي جئت للقائه منتج وموزع مشهور في ذلك الوقت اسمه الجاعوني‏,‏ فلسطيني الاصل‏,‏ لكنه ليبي بالاقامة والعمل‏.‏

لقد توفي الجاعوني الاب منذ اعوام كثيرة مضت‏,‏ ولكن ابنه سمير الذي حقق حلم ابيه في الحصول علي الجنسية الليبية بقي يتابع العمل الذي انكمش كثيرا بعد وفاة ابيه‏,‏ وما حدث من تأميم لدور العرض في ليبيا‏,‏ وكنت أراه عند زياراته للقاهرة فأخبرته بعلاقة ابيه بنجيب محفوظ‏,‏ فقال لي انه يعرف ذلك وانه كان صغيرا في العاشرة من عمره عندما رأي والده يصطحب نجيب محفوظ الي شقة تسكنها العائلة عندما تكون في القاهرة بشارع عرابي وانه مازال يستخدم نفس الشقة‏,‏ الا انه قد يضطر لبيعها لمواجهة ازمة مالية حصلت له بسبب النقود الكثيرة التي دفعها لمكاتب المحاماة لإثبات حقه في دار العرض التي أممتها الحكومة الليبية‏,‏ بعد صدور قرار باعادة بعض الممتلكات المؤممة من الافراد ولكنني أقنعته بتأجيل بيع الشقة حتي نلتقي في جلسة الاحد بنجيب محفوظ‏,‏ قلتها وكأنني ساجد لدي الكاتب الكبير انقاذا لازمته‏,‏ فقال بسخرية حزينة‏:‏

ـ وهل اصبح نجيب محفوظ صاحب مؤسسة مالية خيرية يمكن ان تنقذني من ازمتي وتجعلني احتفظ بالبيت الذي يحمل انفاس المرحومين والدي ووالدتي؟

ـ انه ليس مؤسسة مالية تستفيد بامواله ولكنه عبقري ونابغة سوف تستفيد بافكاره‏,‏ انها مفاجأة سيفرح بها نجيب محفوظ‏,‏ واعدك بانك لن تندم علي هذه الزيارة‏.‏

وهكذا ترك مهمة الطواف علي الوكالات التي ستبيع له البيت‏,‏ وجاء معي لجلسة يوم الاحد بفندق شبرد‏,‏ وفي نيتي ان اختبر مرة أخري هذه الذاكرة السحرية للكاتب الكبير‏,‏ وعندما وصلت ومعي سمير وتقدمنا بالتحية للاستاذ لم أذكر له اسم الضيف‏,‏ ولكنني قلت له انه رجل رآه عندما كان عمره عشر سنوات‏,‏ ولم يسأل نجيب محفوظ غير سؤال واحد من ثلاثة احرف هو‏:‏

- أين؟

واسرع سمير بالاجابة قائلا‏:‏

ـ شارع عرابي

ـ يعني انت عمرك الآن اربعون عاما‏,‏ وانت لن تكون غير سمير الجاعوني ، صحيح؟

رددت انا هذه المرة وانا انفجر عجبا واعجابا بالاستاذ وغضبا من نفسي‏,‏ لانني لا أملك واحدا علي الف من قوة هذه الذاكرة برغم فارق العمر الذي يجعل الاستاذ في سن ابي‏.‏

ـ هل معقول يا أستاذنا الكبير‏,‏ ان تعرفه دون اي سؤال عن التفاصيل وتعرف اسمه ايضا؟ انه امر يكاد ان يكون فوق التصديق؟

قال بتواضعه وتبسيطه للامور‏:‏

ـ كونه ابن المرحوم الجاعوني فانني لم ادخل في حياتي شقة في شارع عرابي بالتوفيقية غير شقتهم‏,‏ وكنت استغرب لوجود شقة مثلها بين شقق كلها مكاتب تتصل أغلبها بصناعة السينما انتاجا وتوزيعا وتوكيلات ومكاتب ريجسير وخلافه وهي شقة ذهبت اليها اكثر من مرة ولأكثر من سبب‏,‏ اما اسمه فقد سعيت لمعرفة احد من عائلة الجاعوني‏,‏ وعرفت ان له ابنا اسمه سمير‏,‏ وذهبت مرة أطرق شقة شارع عرابي‏,‏ فلم يكن هناك احد يرد‏,‏ أولا لأداء واجب العزاء‏,‏ والثاني لأن صديقا مشتركا عمل شريكا معه في احد الافلام جاء يبحث عنه ويستعين بي للاهتداء اليه‏.‏

وذكر لسمير اسم منتج مصري معروف لعله حلمي رفلة‏,‏ كتب له نجيب محفوظ سيناريو احد افلامه‏,‏ وكان فيلما يحتاج الي ميزانية‏,‏ كبيرة‏,‏ رأي أن يستعين بانتاجه علي منتج آخر هو السيد الجاعوني‏,‏ وقد تم الاتفاق بين المنتج المصري والسيد الدجاني الذي دفع الفلوس ووضع توقيعه علي العقد‏,‏ وتم انتاج الفيلم وحقق نجاحا تجاريا كبيرا‏,‏ وعندما حان موعد تقاسم الارباح وارجاع النقود‏.‏ كان الجاعوني قد انتقل الي رحمة الله‏,‏ وكان عنوانه في ليبيا قد تغير بعد ان الت السينما التي يملكها للملكية العامة ففشل المنتج في الحصول علي عنوان اسرته‏ .

وحاول نجيب محفوظ من جانبه ان يساعد اسرة الصديق الراحل‏,‏ وعرف ان له ابنا اسمه سمير‏,‏ لكنه لم يستطع ان يجد وسيلة للاهتداء اليه‏,‏ ورأي ان الله كان كريما معه فمد في عمره حتي يستطيع ان ينقل هذه الوصية الي ابن الجاعوني‏,‏ ويقول له ان يتصل بشركة الانتاج التي لا تزال موجودة وسيجد لديها حصة والده من ريع ذلك الفيلم‏,‏ لان الرجل كان امينا وصادقا في الاحتفاظ بحق هذا الشريك‏,‏ لقد انتقل هو الآخر الي رحمة الله‏,‏ ولكنه كان حريصا علي إثبات هذا الحق‏,‏ وان نجيب محفوظ يعتبر نفسه شاهدا وعارفا بما حدث‏,‏ ومستعدا للادلاء بشهادته اذا كانت هناك اية حاجة اليها‏.‏

ما حدث كان كرامة من كرامات نجيب محفوظ حلت بالصديق الليبي سمير الجاعوني‏,‏ أنقذته من بيع الشقة التي ورثها في القاهرة عن ابيه وحررته من أزمته وربما امدته بمال يستعين به علي انتظار تنفيذ الحكم الذي صدر بحقه في استرداد دار العرض السينمائي التي تأممت في ليبيا‏,‏ ولكن اذن الحكومة طويلة كما يقولون ويومها بسنة فهو لن يستعيد هذه الدار رغم صدور الحكم الا بعد مضي اعوام‏,‏ فهذا المبلغ لم يكن صغيرا ففي اليوم التالي عندما ذهب سمير الي ورثة ذلك المنتج وجد الترحيب‏,‏ ووجد من يقول له ان المبلغ تم ايداعه في حساب ودائع ظل يتزايد من ذلك اليوم حتي وصل الي ما يفوق مليوني جنيه مصري اي مليون دولار حيث ان صرف الدولار كان لايزيد علي جنيهين الا بقروش قليلة‏ واخذ الصك وذهب الي المصرف ليستلم مبلغا جاء من الهواء او من الفضاء‏,‏ ولم يكن يدري عنه او يعمل له حسابا‏,‏ وانما طاقة في السماء انفتحت له في ليلة القدر علي يد كاتب كبير اسمه نجيب محفوظ‏,‏ يعتبره الكثيرون‏,‏ وانا منهم واحدا من اولياء الله الصالحين الذين صح فيهم قوله تعالي‏(‏ ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم‏)(62:64‏ ـ يونس‏)‏ وكان الفوز هذه المرة من نصيب الصديق سمير الجاعوني الذي اسبغ الله عليه نعمة ان يعرف نجيب محفوظ صغيرا‏,‏ وان يحظي باحدي كراماته كبيرا‏,‏ ولله الأمر من قبل ومن بعد وله الحمد أولا وأخيرا‏..‏
________________________________________________

* سبق لي نشر هذه القصة بالملحق الأسبوعي لصحيفة الأهرام ـ الجمعة 4 سبتمبر 2009م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home