Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي أحمد ابراهيم الفقيه


أحمد ابراهيم الفقـيه

Saturday, 7 June, 2008

قصة قصيرة

الراحل كاظم نديم
باق يعـزف عـوده في طرابلس
(*)

أحمد ابراهيم الفقيه

كثيرون يقولون انهم شاهدوا الفنان كاظم نديم ، في الاشهر التي اعقبت وفاته ، يتجول في شوارع طرابلس، وبين مصدق ومكذب تواصل النقاش حول هذا الموضوع يهمن على احاديث المجالس والنوادي والمقاهي في المدينة البيضاء ، التي كان الفنان الراحل ملمحا ثابتا واساسيا من ملا مح حياتها الفنية والاجتماعية اثناء حياته ، الى حد ان الامر استثار مجلة الفنون التي ارسلت مندوبا لها ليقوم بتحقيق صحفي يبحث في حقيقة هذه الاقاويل ويلتقى باصحابها لينقل شهاداتهم الى القراء، وباعتبارالفنان كاظم نديم ، شخصية شهيرة ، يعرف الناس شكله من خلاله برامجه التلفزية والمقابلات التي كانت تجرى معه ، وظهوره المتكرر على الشاشة الصغيرة اثناء تغطية المناشط الفنية التي يشارك فيها، فقد كان سهلا على كل من يراه ان يعرف انه الفنان الكبير ولا احد غيره ، وكان عدد كبير من الناس ، شاهدوه يمشى في شوارع حي الزهور حيث مسكنه ، او بجوار الاذاعة التي قضى فيها اعواما من عمره رئيسا لقسم الموسيقى ، اويتمشى بمفرده على شاطيء البحر ، وبعضهم ممن يعرفه في سنوات عمله مدرسا للموسيقى بمدارس طرابلس شاهده كما كان يشاهده ذلك الوقت ، يركب دراجته ويضع الة الاكورديون على ظهره ، واخرون يعرفونه عندما كان يملك سيارة ام جي مكشوفة في الخمسينيات ، رأوه بعد وفاته يقودها و يركنها في موقف للسيارات امام المقر القديم للاذاعة في شارع الزاوية وهو المقر الذي هجرته الاذاعة منذ اربعين عاما ، وبعضهم راه يطوف بمناطق المدينة القديمة ، بحي كوشة الصفار ، قريبا من البيت الذي شهد مولده وقضى فيه طفولته وبداية شبابه قبل ان تنتقل الاسرة الى طرابلس الحديثه ، او راوه بعد مرور اشهر علي رحيله بصورة اقل وضوحا وهو يجلس في الشرفة الصغيرة لذلك البيت القديم يعزف العود ساعة الغروب ملفوفا بعتمة المكان، وكان بعضهم ممن شاهدوه لم يكونوا قد سمعوا بخبر موته ، حيث كان اندهاشهم كبيرا عندما اخبرهم الصحفي بحقيقة موت كاظم نديم ، اشهرا قبل رؤيتهم له في ذلك اللقاء العابر ، ويشترك الجميع في انهم ليسوا اصدقاء لكاظم نديم بحيث يمكنهم الاقبال عليه وتبادل الحديث معه فاقصى ما حصل لبعضهم هو تبادل التحية معه عن بعد ، دون حدوث اتصال جسمي او قيام حوار بينه وبينهم ، وقد تواترت هذه الاقاويل وتواصلت رغم مرور ما يقرب من عام على وفاته ، الى حد يصعب حتى لاكثر الناس تشكيكا في مثل هذه الظواهر تكذيب كل هؤلاء الناس الذين يدعون رؤيته ، ولابد من القول ان الفنان كاظم نديم ، كان يمثل ظاهرة يصعب تكرارها ، في حياته قبل مماته ، فقد بدا صغيرا مدرسا للموسيقى في مدارس طرابلس الاربعينيات ، وقبل انتهاء ذلك العقد كان اسمه قد اصبح على كل لسان كانه واحد من افراد كل اسرة في طرابلس ، بسبب قيامه بتلحين اناشيد وطنية قبيل حصول البلاد على استقلالها ، تشيد بالوطن وتعبر عن اماني الشعب في الحرية ، وهي الاناشيد التي كانت تذيعها الاذاعة ، وترددها جماهير المنتديات والمحافل السياسية ، ويقوم هو بتعليمها لاطفال المدارس ، مثل اناشيد هيا ارفعوا علم البلاد ، فوق الكواهل والنجاد ، وافديك يا وطني ومثلك يفتدي ، وغيرها من الحان كانت في تلك المرحلة وقبل ظهور المحطات الاذاعية الكثيرة ، وانتشار وسائل التسجيل وعرض الاسطوانات ، هي الوسيلة التي يتواصل بها الناس مع الفن الذي يعبر عن احاسيسهم ومشاعرهم ، خاصة ان المرحلة كانت مرحلة مخاض سياسي وحراك وطني ، تتطلع فيها القلوب الى تحقيق حلم اجيال من الليبيين بالحياة الحرة والوطن المستقل ، وصار الفنان كاظم نديم وهو في العشرينات من عمره رائدا من رواد الفن الحديث وشخصية لا يستطيع أي قادم جديد للفن الا ان يقدم له اوراقه ليحصل منه على الاعتراف والاعتماد ، فكان وراء تقديم طليعة المطربين الذين عرفتهم البلاد في بداية الاستقلال ، يغنون الحانه ويعترفون باستاذيته عليهم ، ويدينون له بالولاء الفني والاعتراف بالجميل ، وكرت الايام ليصبح كاظم نديم صاحب اكبر رصيد من الالحان بين الملحنين ومؤلفي الموسيقى ، ويكاد مجموع ما احتوته المكتبة الليبية الموسيقية منذ اختراع التسجيل ، ان يكون كله في السنوات الاولى للخمسينيات من تأليف كاظم نديم ، وعندما توافد الملحنون ، عائدين في اغلبهم من ارض المهجر، بعد تاسيس الدولة الليبية ، مستفيدين من المنجزات الحديثة في التسجيل ، لم يستطع ما انتجوه من الحان خلال عقدين من الزمان بعد عودتهم ، ان يغطي سوى تلثي ما احتوته المكتبة ، بينما ظل انتاج كاظم نديم بمفرده ، ولاخر يوم في حياته يشكل الثلث ، وسيمضى زمن طويل ، قبل ان يتراكم انتاج الاجيال الجديدة من الملحنين حتى يبطل هذه النسبة ، فانتاج كاظم نديم ، ظل بعد وفاته ، يتواتر ويتواصل ، لانه قبل مرضه الاخير ، كان قد اعطى الحانا كثيرة لعدد من المطربين، متفقا معهم على تسجيلها بعد ان يشفى من مرضه ، وعندما مات، تولى هؤلاء المطربون بانفسهم تسجيل هذه الالحان التي تحمل اسم كاظم نديم ، وتقديمها للاذاعة ، وهناك من بينهم من لا يزال في حوزته الحانا اخرى ، سيسعى لتسجيلها في مراحل قادمة ، ليرى الجمهور ان فنانه العظيم كاظم نديم يقدم لهم الحانه الجديدة سنوات بعد غيابه خلف حجب الموت، كانه عائش معهم ، والظاهرة الغريبة لم تكن هذه الغزارة في انتاجه الفني ، وجودة هذا الانتاج ، وانما تلك التي تجسدت في حياته وهي شبابه الدائم الذي لم يكن يلحقه التبدل والتغيير حتى وهو يصل الى سن الثمانين ، الى حد ان التلاميذ الصغار الذين عرفوه استاذا لهم اثناء طفولتهم وكانوا يلتقون به بعد ذلك بخمسين او ستين عاما وقد ظهرت عليهم مظاهر الشيخوخة ، فلا يصدقون عندما يرونه بهذا الالق وهذا الشباب ، انه حقا استاذهم كاظم نديم ، ويظنونه ابنا لذلك الاستاذ تجسدت فيه هيئة وملامح والده ، ويسالونه لتأكيد ذلك الظن ، فيداعبهم مؤكدا لهم انه فعلا ابن ذلك الاستاذ ، ويترحم عليه فيشاركونه الدعاء بالرحمة على روح ابيه وطلب الغفران له ، وكنت شخصيا امازحه ، بعد ان توثقت الصداقة بيني وبينه ، قائلا بانه يشبه بطل رواية اوسكار وايلد ، دوريان جراي ، الذي وصل الى سر يجعله يحتفظ بشبابه دون ان يؤثر فيه الزمن ، وينتقل هذا التأثير الى صورة يحتفظ بها في بيته هي التي تظهر عليها هذه التحولات التي يتركها الزمان على شكل الانسان وملامح وجهه ، واساله مداعبا ان يفصح لنا عن هذا السر او يرينا هذه الصورة لكي نتعرف على ملامحه الحقيقية ، فيضحك قائلا بانه شرب من نبع الشباب ، وانه سيظل هكذا شابا وخالدا ابد الدهر باقيا في طرابلس، التي ارتبطت به وارتبط بها وصار تعبيرا عنها ، ما بقيت طرابلس في الوجود ، فوجوده كما كان يقول مرتبط بهذه المدينة متوحد بها ، وكنا نضحك باعتبار ان ما يقوله مجرد مزاح وهزار، الا انه يبدو واضحا الان وقد تواترت الاقوال وتكاثرت عن الناس الذي رأوه بعد الموت يتجول في مختلف نواحي مدينة طرابلس ، انه لم يكن يمزح ، وانه استطاع حقا وبصورة من الصور ، ان ينفذ من قانون الفناء الذي يطول البشر ، وانه حتى وان عانى مثلهم حشرجات الموت ، وبقى جسده مسجى في كفنه، نائما في التابوت، في مصلى سيدي منيدر ، والناس يؤدون صلاة الجنازة عليه ، ثم يحملونه على اكتافهم الى القبر ويضعونه هناك ويهيلون عليه التراب، فانه مع كل هذه الطقوس التي تؤكد للناس انه مات، كان قدماء جيرانه بمنطقة كوشة الصفار، قد شاهدوه ، اثناء وقت الصلاة على جنازته ودفنه في المقبرة ، يخرج من باب بيت العائلة القديم يحمل عوده معه ، ويحييهم ويمضى حتى يغيب خلف المنعطف، الى حد ان بعض من سمع خبر موته في الاذاعة ، ظن انه خبر كاذب كما حدث قبل ذلك مع احد ابناء كوشة الصفار، الشاعر على صدقي عبدالقادر الذي ذكرت الاذاعة خبر وفاته، ثم اذاعت تكذيبا له بعد ذلك بايام ، فكيف يصدق الخبر وقد شاهد الفنان الكبير ، يعود الى البيت المهجور، الذي تستخدمه العائلة كمستودع للاثاث القديم والاشياء الزائدة عن حاجتها .
كنت التقي مع الاستاذ كاظم في اماكن كثيرة ، احيانا في مقاهي فنادق الدرجة الاولى مثل المهاري والكبير ، واحيانا في المقاهي المحاذية لشاطيء البحرخاصة في فصل الصيف، وفي ايام الجمعة كنت التقي به في مقهى الفجر ، لكي نصلي في الجامع المقابل للمقهي في ميدان الجزائر المسمي جامع جمال عبد الناصر ، وظللت محافظا على هذه العادة ، حيث اقضى ساعات ما قبل صلاة الجمعة في مقهى الفجر ، لانتقل عند اوان الصلاة الى الجامع ، وكان ياتي لملاقاتي هناك عدد من الاصدقاء ، الذين وجدوه ملائما ان ننتقل بعد ذلك لاداء الصلاة في المسجد القريب ، وكنت في ذلك اليوم من ايام الجمعة وبعد اكثر من عام من وفاة كاظم نديم ،جالسا مع اصدقاء لي ، هم في ذات الوقت اصدقاء للفنان الراحل ، بينهم زميله في الاذاعة الكاتب الذي كان كبيرا للمذيعين كامل عراب ، والكاتب الموسيقي الذي كتب كتابا عن حياة كاظم نديم مفتاح سويسي واخرون ، نتحدث عن هذه الظاهرة الغريبة التي يؤكدها اناس كثيرون شاهدوا صديقنا الفنان يمشي في الشوارع والتقوا به في اماكن كثيرة يلقى عليهم التحية ويمضي ، مؤكدا لهم ايماني بصدق هذه الروايات ومعرفتي بما كان يقوله الفنان كاظم نديم بانه سيبقى مقيما في طرابلس ، يطوف في شوارعها ويعزف عوده لاهلها الى ابد الدهر ، وكانوا كلهم ، يسخرون من مثل هذه الاعتقاد ، غير مصدقين هذه الروايات ، يرجعونها الى ان كاظم نديم كان فنانا له صيت كبيرة وحضور جعل له حجما في اذهان الناس اكبر من حجم الانسان الطبيعي في الحياة وان هذا الحضور الطاغي المهيمن هو الذي جعل عقول الناس لا تستطيع بسهولة ان تتعود على غيابه ، فصارت تخترع له هذه الحكايات وترى له هذه الاخيلة والاطياف التي هي ليست الا نتاج الخيال ، كان قد حمى وطيس النقاش بيني وبينهم ، عندما قطع النقاش احد الحاضرين ، قائلا انظروا اليس هذا الحاج كاظم نديم ، قادما نحونا ، كان هو كما تعودنا ان نراه في لباسه الوطني الذي لا يرتديه الا يوم الجمعة بالكاط والفرملة وفوقهما الهركة الليبية الناصعة البياض والطاقية الحمراء والسباط الطرابلسي المزركش ، والمسبحة في يده ، فنظرنا جميعنا نحوه وهو يصل بمحاذاتنا ، قائلا وابتسامته العريضة البهية تسبق حديثه صباح الخير ، محركا يده بالتحية وقد رفعها مبسوطة قريبا من جبينه ، ثم تجاوزنا باتجاه الجامع ، فانتفضنا جميعا ونهضنا نمشي وراءه بخطى سريعة لكن خطاه ايضا ازدادت سرعة بحيث حافظ على المسافة بيننا وبينه دون ان نستطيع اللحاق به حتى دخل المسجد فدخلنا وراءه وقد تاه عنا ولم نعد نستطيع ان نجده ، خرجنا لنقف امام المسجد نتأمل الموقف ، مندهشين ، منبهرين بما رايناه، وكنت اكثرهم زهوا بما رايته، واثقا من انه جاء خصيصا ليؤكد موقفي ويريهم البرهان الساطع على صدق ما يقوله الناس .
ــ هل مازلتهم ترفضون تصديق الروايات التي يقولها الناس؟
ــ كيف نرفض تصديقها وقد اصبحنا نحن ايضا من رواتها.
قال احدهم ، وثنى زميل آخر على كلامه قائلا
ــ لا نقول الا لا اله الا الله ، قادر سبحانه على كل شيء.
ولم يجد الاخرون ما يقولونه سوى التأمين على كلام الاثنين .
_________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة في مجلة "الدوحة".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home