Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإثنين 5 اكتوبر 2009

في هجاء البشر ومديح الصراصير

عرّافة تحت الصدفة

د. أحمد ابراهيم الفقيه

هل حقا ما تقوله الكتب عن عمر السلحفاة التي‮ ‬تعيش أكثر من قرن من الزمان،‮ ‬وهل هذا‮ ‬يتفق مع واقع حال السلاحف باعتبارها‮ ‬كائنات هشة وديعة مسالمة،‮ ‬لا تملك براثن ولا أنياب ولا أبر تمتلئ سما تدافع بها عن نفسها كبعض الكائنات الأخرى،‮ ‬ولا شيء من وسائل الدفاع‮ ‬غير هذه الصدفة التي‮ ‬تغطي‮ ‬جسمها،‮ ‬فهل السر في‮ ‬هذه الصدفة ذات القوة والصلابة التي‮ ‬تشبه صلابة الصخور تحتمي‮ ‬بها وتشكل بالنسبة لها ذرعا‮ ‬يحميها من عوادي‮ ‬الزمن،‮ ‬ثم لماذا تصمد‮ ‬خلاياها وأنسجتها‮ ‬أمام نواميس العالم الذي‮ ‬تنتمي‮ ‬إليه وتقاوم دبيب الشيخوخة فلا‮ ‬يصيبها الوهن‮ ‬والعجز أسوة بخلايا وأنسجة الحيوانات الأخرى وتتوى بعد عقد وعقدين من الزمان‮ ‬،‮ ‬فالأسد نفسه وهو ملك الغابة وسيد كائناتها وأكثرها جبروتا وقوة‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يعيش أكثر من عشرين عاما‮ ‬،‮ ‬فهل‮ ‬يكمن سر لياقتها البدنية وصحة أعضائها ونجاتها من علل الشيخوخة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬حقيقة إنها لا تصرف أية طاقة‮ ‬،‮ ‬بسبب سكونها وبطء حركتها حتى صارت مضرب المثل في‮ ‬الحركة البطيئة،‮ ‬أم ترى السر‮ ‬يكمن في‮ ‬طبيعة الطعام الذي‮ ‬يقتصر في‮ ‬معظم الوقت على الأعشاب فلا بروتينات ولا دهنيات تصيبها بالترهل وتصيب شرايينها بالانسداد‮ ‬،‮ ‬أسئلة كثيرة تتصل بالسلاحف وعمرها الطويل المديد‮ ‬،‮ ‬لم أكن محتاجا لأشغل نفسي‮ ‬بها أو أصل إلى إجابات حولها‮ ‬،‮ ‬إلا بعد أن فوجئت بابني‮ ‬هشام،‮ ‬ذي‮ ‬العشرة أعوام‮ ‬،‮ ‬يعود إلى البيت‮ ‬،‮ ‬بعد نزهة في‮ ‬مزرعة جده‮ ‬،‮ ‬حاملاً‮ ‬بين‮ ‬يديه سلحفاة كبيرة الحجم تنكمش تحت صدفتها‮ ‬،‮ ‬وقد بدأ مفتوناً‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬سعيداً‮ ‬بالحصول عليها،‮ ‬مصراً‮ ‬على اقتنائها وإبقائها لتعيش معه في‮ ‬البيت،‮ ‬مستثاراً‮ ‬بعثوره على سلحفاة حقيقية بعد أن عاش جزءاً‮ ‬من‮ ‬طفولته‮ ‬يتابع السلاحف في‮ ‬مسلسل الكرتون الشهير عن سلاحف النينجا‮ ‬،وأبطالها وحروبها،‮ ‬فكان لقاءه بأول سلحفاة تتنفس وتتحرك وتسير على أقدامها وتحت صدفتها‮ ‬،‮ ‬مفاجأة سعيدة‮ ‬،‮ ‬وصار أكثر سعادة أنه‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يكون مالكا لهذه السلحفاة،‮ ‬ولم أقم بأي‮ ‬اعتراض‮ ‬،‮ ‬كما حدث من قبل عندما اعترضت على أخ أكبر منه‮ ‬،‮ ‬أراد مرة اقتناء قطة ومرة اقتناء كلب ومرة جحشا‮ ‬،‮ ‬لأنها حيوانات تحتاج لبرنامج لتغذيتها وجلب الماء لها وتنظيف إفرازاتها وآثار ما‮ ‬يفضل من طعام تأكل بعضه وتلفظ بعضه علاوة على ما‮ ‬يمكن أن تجلبه من حشرات وأمراض‮ ‬،‮ ‬وكان أول ما فكرت فيه وأنا أجيبه إلى رغبته‮ ‬،‮ ‬هو كيفية المحافظة على حياة هذه السلحفاة‮ ‬،‮ ‬لأن هناك قططاً‮ ‬متشردة تتسلل ليلاً‮ ‬إلى حديقة البيت تبحث فيها عن‮ ‬غذاء ومأوى،‮ ‬ولا ضمان أن تفعل هذه القطط ما فعلته مع أسرة من الضباب‮ ‬،‮ ‬وجدتها وأنا أقود سيارتي‮ ‬خارج المدينة تعبر الطريق‮ ‬،‮ ‬فألهمني‮ ‬الله أن أسرع وأدوس على كوابح السيارة بقوة قبل أن تصل العجلات إلى هذه الأسرة من الضباب المكونة من أب وأم وثلاثة أطفال‮ ‬،وهي‮ ‬تعبر ببطء طريق الإسفلت‮ ‬،‮ ‬فتسحقها،‮ ‬وإشفاقاً‮ ‬عليها وضعتها في‮ ‬علبة داخل بوت السيارة‮ ‬،‮ ‬وعدت بها أهيأ مكاناً‮ ‬لإقامتها في‮ ‬حديقة البيت،‮ ‬تعيش على ما فيها من أعشاب‮ ‬،‮ ‬ولم تمض سوى بضعة أيام حتى اكتشفت مذبحة مريعة ارتكبتها قطط الطريق التي‮ ‬تتسلل ليلاً‮ ‬إلى حديقة البيت‮ ‬،‮ ‬ضد هذه الأسرة الصغيرة المسالمة الجميلة من الضباب‮ ‬،‮ ‬بحيث تركت أفرادها جميعا مزقا وأشلاء‮ ‬،‮ ‬فكان المشهد صدمة لي‮ ‬وتأسفت كثيراً‮ ‬لأنني‮ ‬انتزعت أسرة الضباب من بيئتها الطبيعية‮ ‬،‮ ‬حاسبا أنني‮ ‬أقدم لها مأوى آمنا هانئا‮ ‬،‮ ‬بينما كنت أقودها إلى مصير مأساوي‮ ‬،‮ ‬ولذلك حرصت على جلب نجار‮ ‬يبني‮ ‬بيتا من خشب للسلحفاة في‮ ‬غرفة هشام‮ ‬،‮ ‬حيث لا سبيل لأن تدخل أية قطة إليها‮ ‬،‮ ‬باعتبار أن هذه الغرفة تقع في‮ ‬عمق البيت بالطابق الثاني‮ ‬،‮ ‬وحرصت على أن‮ ‬يكون هذا البيت واسعا بحجم الطاولة‮ ‬،‮ ‬يضم بجوار مكان المبيت لها‮ ‬،‮ ‬مكانا لوضع الأعشاب التي‮ ‬تكون مصدرا لغذائها،‮ ‬وحوضا صغيرا للماء،‮ ‬ومساحة أشبه بالشرفة للراحة والحركة‮ ‬،‮ ‬تتيح لهشام أن‮ ‬يداعبها ويلاعبها وربما‮ ‬يتبادل معها الحديث على عادة الأطفال مع الدمى التي‮ ‬يقتنونها‮ ‬،‮ ‬وبدأنا نعينه في‮ ‬كيف‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يعتني‮ ‬بتوفير ما تحتاجه من طعام وشراب‮ ‬،‮ ‬وكيف‮ ‬يلعب معها لعبا لا‮ ‬يؤذيها ولا‮ ‬يشكل عبئا عليها‮ ‬،‮ ‬ومضى الأمر على هذا الحال دون متاعب،‮ ‬ونشأت علاقة حميمة‮ ‬بين هشام وصديقته السلحفاة العتيقة،‮ ‬كما أسميناها لما بدأ من خشونة في‮ ‬جلدها الظاهر من تحت الصدفة كلحاء شجرة عجوز‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬غرابة أن‮ ‬يكون عمرها أكثر من مائة عام‮ ‬،‮ ‬وصار هشام‮ ‬يلازم البيت لا‮ ‬يفارق سلحفاته إلا عند ذهابه إلى المدرسة في‮ ‬الساعات الأولى من الصباح ليعود إليها مشتاقا للقائها ومعاودة اللعب معها وبها‮ ‬،‮ ‬وأحدثت هذه العلاقة تغييرا كبيرا في‮ ‬سلوكه وتصرفاته‮ ‬،‮ ‬فقد كان طفلا‮ ‬شديد الدلال كثير الحساسية‮ ‬،‮ ‬سلاحه البكاء لتحقيق طلباته دون تأخير‮ ‬،‮ ‬كارها البقاء في‮ ‬البيت‮ ‬،‮ ‬يريد مني‮ ‬ومن أمه أن نأخذه للنزهة خارجه‮ ‬،‮ ‬حتى لو اقتصر الأمر على الوصول إلى دكاكين البقاله في‮ ‬الشارع الرئيسي‮ ‬لشراء أصابع الشيكولاته وأكياس شرائح البطاطس المقلي‮ ‬،‮ ‬فصار بعد دخول السلحفاة إلى البيت مكتفيا بها عن الخروج إلى الشارع‮ ‬،‮ ‬هادئ الطبع،‮ ‬فارقته تلك العصبية الزائدة عن الحد‮ ‬،‮ ‬يجلس ليلعب مع السلحفاة فرحا راضيا وقد نسى البكاء‮ ‬،‮ ‬لاهيا حتى عن طلب الحلوى وشرائح البطاطس التي‮ ‬يستهلكها بكميات كبيرة،‮ ‬مستغرقا في‮ ‬اختراع أساليب لعب مع السلحفاة‮ ‬،‮ ‬يشاركها في‮ ‬أكل الخس والخيار والجزر،‮ ‬ويضيء لها شموعا صغيرا‮ ‬يعلمها كيف تقوم بإطفائها تدريبا لها على المشاركة في‮ ‬عيد ميلاده‮ ‬،‮ ‬وأكثر عجبا من هذا اللعب كان جلوسه بالساعات للحديث معها‮ ‬،‮ ‬يضعها أمامه في‮ ‬شرفة بيتها الخشبي‮ ‬يحدثها وينصت إلى حديثها،‮ ‬وكنا نستطيع أن نفهم ما‮ ‬يقوله لها‮ ‬،‮ ‬ولكننا نعجز عن فهم الكلام الذي‮ ‬تقوله له‮ ‬،‮ ‬لأنها كانت فعلا تفتح فمها وتقفله وتصدر صوتا لا نستطيع حل شفرته،‮ ‬ثم نراها تنصت بإمعان له وهي‮ ‬تهز رأسها كأنها تتابع بفهم واستيعاب ما‮ ‬يقوله لها‮ ‬،‮ ‬وهو بالمثل‮ ‬يبدو قادراً‮ ‬على فهم كلامها والانفعال به سروراً‮ ‬وحزناً‮ ‬وضحكا وابتساماً،‮ ‬ونراه أنا وأمه فنتركه‮ ‬يمضى في‮ ‬هذه الرفقة الجميلة‮ ‬،وهذه الصداقة المبهرة التي‮ ‬نشأت بينه وبين السلحفاة العجوز‮ ‬،‮ ‬سعداء لسعادته وما طرأ من تغيير إيجابي‮ ‬على شخصيته‮ ‬،‮ ‬وتطور الموقف بينه وبين السلحفاة إلى حد بدأ‮ ‬غريبا بقدر ما،‮ ‬فقد رأيناه‮ ‬يأتي‮ ‬ليعيد علينا طرفا مما سمعه من السلحفاة من حكايات الماضي،‮ ‬ورأيناه في‮ ‬البداية أمراً‮ ‬طبيعياً‮ ‬أن تلجأ ذاكرة طفل مثله إلى اختراع حكايات‮ ‬يستنبطها من أصداء ما سمع وما قرأ من قصص الأطفال وما شاهد من أفلام الرسوم المتحركة ويتهيأ له أنه سمعها من صديقته السلحفاة‮ ‬،‮ ‬إلى أن صرنا نتبين في‮ ‬هذه الحكايات ملامح لتاريخ حصل في‮ ‬ليبيا مما لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون اختراعا من أصداء ما سمع وشاهد وقرأ‮ ‬،‮ ‬إذ كيف ومتى وأين‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون قد سمع بما حدث في‮ ‬ليبيا خلال عام الثلج‮ ‬،‮ ‬حيث كان هذا العام ظاهرة‮ ‬غريبة في‮ ‬المناخ الليبي‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف الثلوج إلا بشكل ضئيل نادر،‮ ‬فتهطل ثلوج تردم أجزاء من ليبيا تحت أكوامها وتهب عواصف ثلجية تحدث انجرا فات وانهيارات ويسقط‮ ‬عشرات الضحايا نتيجة لذلك،‮ ‬وهو ما حدث قبل خمسين عاما أي‮ ‬قبل ميلاد هشام بأربعين عاما وقبل ميلادي‮ ‬وميلاد أمه‮ ‬،‮ ‬ويرويها على لسان السلحفاة التي‮ ‬كانت شاهدة لأحداث العاصفة‮ ‬،‮ ‬بل ووقعت هي‮ ‬نفسها ضحية لتراكمات الثلوج‮ ‬،‮ ‬مدفونة تحت أكوامها،‮ ‬لا تجد منفذا للخروج منها‮ ‬،‮ ‬فتستسلم لمصيرها‮ ‬،‮ ‬تنتظر أن‮ ‬ينتهي‮ ‬أجلها وهي‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬،‮ ‬إلا أن شمس ليبيا ذات المهابة والجلال التي‮ ‬غيبتها العاصفة ليوم أو‮ ‬يمين تعود بقوتها وسطوعها وإشراقها وحرارة أشعتها لتذيب بسرعة قياسية تلك الأكوام من الثلوج وتصحو السلحفاة من جمودها وغيبوبتها‮ ‬،‮ ‬لتجد أن الحياة قد بدأت تدب في‮ ‬أطرافها‮ ‬،‮ ‬والعالم من حولها‮ ‬يعود لروتيينه متحرراً‮ ‬من أغلال الثلج،‮ ‬نعم بدأت مثل هذه القصة تثير انتباهنا إلى أن ما‮ ‬يقوله هشام من قصص لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون صادرا عن ذاكرة طفل‮ ‬،‮ ‬وإن للسلحفاة دخلا في‮ ‬وضع هذه القصص في‮ ‬ذهنه مما‮ ‬يستوجب الاستقصاء والتحري‮.


‬وتأكد الأمر من خلال قصة أخرى‮ ‬،‮ ‬جاء‮ ‬ينقلها عن صديقته السلحفاة‮ ‬،‮ ‬مستقاة هذه المرة من حدث أكثر قدماً‮ ‬لأنه مجلوب من عالم الثلاثينيات‮ ‬،‮ ‬وعام الهزة بالذات،‮ ‬أي‮ ‬العام الذي‮ ‬ضرب فيه الزلزال الجزء الغربي‮ ‬من ليبيا‮ ‬،‮ ‬حيث وجدت السلحفاة نفسها تنهار مع انهيار ركن من الجبل أقامت فيه مسكنها‮ ‬،‮ ‬مردومة تحت الصخور في‮ ‬سفح الجبل،‮ ‬واقتضاها الأمر أياما حتى استطاعت أن تجد لنفسها طريقا تتسلل منه خارج الأنقاض وتكتب لها النجاة بينما كانت القرى جميعها التي‮ ‬يعيش فيها البشر مجرد أكوام من الحجارة وقد ارتفعت المناحات تبكي‮ ‬الموتى في‮ ‬كل مكان،‮ ‬ثم كيف‮ ‬يمكن لطفل في‮ ‬سن هشام‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يخترع معركة حدثت في‮ ‬منطقة ما من الجبل الغربي‮ ‬،‮ ‬وجدت السلحفاة نفسها في‮ ‬خط تبادل إطلاق النار بين الطرفين المتحاربين هناك،‮ ‬ورصاص البنادق‮ ‬يأز من فوقها وأمامها وخلفها فاحتمت بتجويف في‮ ‬شجرة برية‮ ‬لم تستطع أن تغادرها لمدة أسبوعين كاملين‮ ‬،‮ ‬صائمة عن الآكل والشراب‮ ‬،‮ ‬لأن الحرب كانت تستمر ليلاً‮ ‬ونهاراً‮ ‬دون هوادة أو انقطاع،‮ ‬وطبعاً‮ ‬كان هذا تسجيلا آمينا لإحدى المعارك الكبرى التي‮ ‬عرفها الجبل الغربي‮ ‬في‮ ‬بداية الغزو الإيطالي‮ ‬أكثر من تسعين عاما،‮ ‬لأنه لم‮ ‬يحدث بعدها معركة استمرت مثل هذه الأيام وبهذه الكثافة والغزارة في‮ ‬قوة النيران المتبادلة بين المجاهدين بقيادة سليمان الباروني‮ ‬وجيش الغزو الإيطالي‮ ‬الذي‮ ‬قاده في‮ ‬مطلع الغزو الجنرال كانيفا،‮ ‬كل هذه قصص عجيبة ندرك أن هشام لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يملك ذاكرة تستطيع اختراعها‮ ‬،‮ ‬ولا أحد من أفراد الأسرة‮ ‬يذكر أنه أخبره بها‮ ‬،‮ ‬ونبدي‮ ‬استغرابنا ونحن نرى أن التواصل بينه وبين السلحفاة العتيقة بلغ‮ ‬هذا الحد الذي‮ ‬يستطيع معه أن‮ ‬يستوعب منطقها وأن‮ ‬يعرف بهذا الوضوح وهذه التفاصيل ما تقوله عن مكابدات عمرها وما صادفته من أحداث كادت تفقدها حياتها مرت عليها هذه الدهور التي‮ ‬تقارب مائة عام،‮ ‬ورغم ما آثاره الموضوع من قلق وفضول لم نجد أنه وصل حد الخطر إلا عندما أتخذ منعرجا جديدا‮ ‬يستحق أن نستنفر من أجله كل أجهزة التحذير وندق من أجله نواقيس الإنذار،‮ ‬وذلك عندما جاء الولد‮ ‬يسأل إن كنا سنذهب لحضور المأتم الذي‮ ‬سيقام الأسبوع القادم لجارتنا الحاجة خديجة‮ ‬،‮ ‬فنسأل بعضنا بعضا إن كان قد تسرب إليه من خلال أحاديثنا أن المرأة المتقدمة في‮ ‬السن مريضة منذ عدة أيام‮ ‬،‮ ‬لأنها حقا مريضة‮ ‬،‮ ‬ولكن كيف تحول هذا المرض في‮ ‬ذهن الصغير إلى موت سيحدث الأسبوع القادم‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬الحمد لله لا زالت على قيد الحياة‮ ‬،‮ ‬ينتظر أهلها ابلالها من هذه الوعكة‮ ‬،‮ ‬وعودتها الى كامل عافيتها وصحتها‮ ‬،‮ ‬فنظنه خطأ وقع فيه الولد‮ ‬،‮ ‬وننسى الحكاية إلى أن نسمع بعد أسبوع بالتمام والكمال النواح‮ ‬يتصاعد من بيت الحاجة خديجة لأنها فعلا لاقت وجه ربها في‮ ‬الموعد الذي‮ ‬حدده هشام‮ ‬،‮ ‬فيما بدأ واضحا إنها إيحاءات ونبوءات استقاها من العرافة التي‮ ‬اتخذت شكل سلحفاة تعيش في‮ ‬غرفته،‮ ‬تنوء تحت تقل الصدفة التي‮ ‬تحملها فوق ظهرها‮ ‬،‮ ‬وإذا اعتبرناه حادثا عرضيا‮ ‬يحتاج إلى تأكيد قبل أن نتهمه ونتهم السلحفاة باستحداث هذا الفأل السيئ‮ ‬،‮ ‬فقد وصل هذا التأكيد في‮ ‬نبوءة أخرى جاءت بعد أيام من النبوءة الأولى عندما حمل هشام لنا سؤالا عن الشيخ صالح شيخ الجامع في‮ ‬منطقتنا،‮ ‬الذي‮ ‬نذهب إليه بما استشكل‮ ‬علينا من أمور الدين فيشرحها لنا‮ ‬،‮ ‬ونرسل له أطفالنا ممن هم في‮ ‬سن هشام في‮ ‬أيام الجمعة فيلقنهم بعض علوم الدين وسور القرآن،‮ ‬وكان فحوى السؤال هو متى سنزور الشيخ صالح في‮ ‬ضريحه،‮ ‬لأنه‮ ‬يحب أن‮ ‬يأتي‮ ‬معنا ويقرأ عليه الفاتحة طالبا منه أن‮ ‬يساعده في‮ ‬اجتياز امتحان آخر العام‮ ‬،‮ ‬بينما كنا نعرف جميعا أن الشيخ صالح كان سليما معافى‮ ‬يؤم الناس بالصلاة ويتولى رفع الآذان الذي‮ ‬نسمعه خمس مرات في‮ ‬اليوم عن طريق مكبر الصوت‮ ‬،‮ ‬حيث كان آخر آذان رفعه هو آذان الظهر منذ أقل من ساعة مضت‮ ‬،‮ ‬فمتى مات الرجل وصار له ضريح وموعد للزيارات‮ ‬،‮ ‬وفسرنا الأمر بأن هشام كان‮ ‬يعبر عن رغبة دفينة‮ ‬يحملها أطفال الشارع للشيخ صالح بسبب شدته وهو‮ ‬يعلمهم القرآن مستخدما العصا والفلقة وغيرها من وسائل التأديب ومعاقبة الخاملين،‮ ‬ونهمل ما قاله إلى أن نسمع بعد‮ ‬يومين أو ثلاثة أيام أن الشيخ صالح قد سقط من كرسيه أثناء تقديمه لدرس المساء ومات بسبب سكتة قلبية مفاجئة‮ ‬،‮ ‬وأقاموا له ضريحا مهيبا في‮ ‬نفس الجامع‮ ‬،‮ ‬وصار أهل الحي‮ ‬يتوافدون عليه،‮ ‬يقرؤون على روحه الفاتحة‮ ‬،‮ ‬ويوقدون له الشموع‮ ‬،‮ ‬ويتوسلون بجاهه عند الله أن‮ ‬يقضي‮ ‬لهم مصالحهم ويحفظهم من شر ما خلق‮ ‬،‮ ‬ولم تكن أسرتنا استثناء من ذلك‮ ‬،‮ ‬حيث ذهبنا نطلب منه البركة ومعنا هشام‮ ‬يستنجد به لمساعدته في‮ ‬اجتياز الامتحان من السنة الرابعة إلى الخامسة الابتدائية‮ ‬،‮ ‬وأصبح هذا الأمر بعد تكراره مصدر قلق لي‮ ‬،‮ ‬ومصدر رعب لأمه‮ ‬،‮ ‬خوف أن‮ ‬يدخل الولد في‮ ‬متاهة تصل به إلى الجنون بسبب تأثير هذه السلحفاة التي‮ ‬بدأ واضحا أنها مسكونة بروح عفريت من الجن‮ ‬،‮ ‬وحملت حيرة الموقف أحاول أن أهتدي‮ ‬إلى حل لا‮ ‬يحدث شرخا في‮ ‬نفسية هشام‮ ‬،‮ ‬إذ أنني‮ ‬أفهم ما تقوله أمه من أن الحل هو إبعاد تلك السلحفاة عنه،‮ ‬ولكن إبعادها لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحدث بموافقته لأنه متشبث بها لا‮ ‬يرضى لها فراقا‮ ‬،‮ ‬وانتزاعها منه بالقوة قد‮ ‬يحدث له صدمة لن نأمن عواقبها وهداني‮ ‬تفكيري‮ ‬إلى أن أبحث عن طبيب بيطري‮ ‬،‮ ‬طلبت منه أن‮ ‬يساعدني‮ ‬على التخلص من السلحفاة التي‮ ‬سأحضرها إليه باعتبارها تريد تطعيما من مرض ما‮ ‬،‮ ‬وخلال علاجه لها نقدم لهشام سلحفاة أخرى‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يحس بما حدث من تبديل‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يصدم لأن أحدا انتزع منه صديقته السلحفاة‮ ‬،‮ ‬وتركت له تدبير سلحفاة بديلة تكون قريبة في‮ ‬شكلها من سلحفاة ابني‮ ‬ولن تكون هناك مشكلة كما قال لي‮ ‬الطبيب فالسلاحف في‮ ‬بلادنا تشبه بعضها بعضا‮ ‬،‮ ‬وزيادة في‮ ‬الاحتياط‮ ‬،‮ ‬أعطيته صورة تم التقاطها للسلحفاة وتكبيرها بحيث تظهر بالحجم الطبيعي‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬اليوم المتفق عليه‮ ‬،‮ ‬عاد هشام من المدرسة‮ ‬،‮ ‬وأعطيناه فرصة لكي‮ ‬يرتاح ويغير ملابسة ويطمئن على صديقته السلحفاة ويتناول‮ ‬غذاءه‮ ‬،‮ ‬قبل أن نأخذها في‮ ‬رحلة التطعيم،‮ ‬لكنه ما أن دخل‮ ‬غرفة نومه حتى خرج منها باكيا قبل‮ ‬أن‮ ‬يقوم بتغيير ملابسه أو‮ ‬يهتم بأكل‮ ‬غذائه‮ ‬،‮ ‬يطلب أن نذهب بسرعة إلى جده في‮ ‬المزرعة‮ ‬،‮ ‬دون إن‮ ‬يقدم تفسيرا أو إجابة لسؤالنا عن لماذا‮ ‬يجب أن نذهب الآن وما الحاجة التي‮ ‬تستدعي‮ ‬الذهاب في‮ ‬هذا الوقت الذي‮ ‬نستعد فيه لأخذ السلحفاة إلى طبيب بيطري‮ ‬لحقنها ضد مرض‮ ‬يجتاح الحيوانات ويصيبها بقصور في‮ ‬التنفس‮ ‬يؤدي‮ ‬أحيانا إلى الوفاة،‮ ‬إلا أنه رغم حبه للسلحفاة وحماسه في‮ ‬اليوم السابق لأن نأخذها للطبيب،‮ ‬أصرّ‮ ‬إصرارا قويا على أن نمضى إلى مزرعة جده‮ ‬،‮ ‬وقد لجأ إلى عادته في‮ ‬البكاء الهستيري‮ ‬وضرب الأرض بقدميه‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬العادة التي‮ ‬نسيها منذ أن التقى بالسلحفاة ولم‮ ‬يعد لها إلا اليوم‮ ‬،‮ ‬قائلا أن الجد‮ ‬ينادينا طالبا أن نحضر إليه،‮ ‬ومن خلال تجاربنا السابقة‮ ‬،‮ ‬بدأ لنا أن هشام سمع شيئا من السلحفاة،‮ ‬يخبره بنداء الجد،‮ ‬الذي‮ ‬لابد أن نلبيه لقطع الشك باليقين‮ ‬،سائلين الله أن‮ ‬يكون الأمر كله مجرد حالة عصبية اعترت هشام بسبب عراك نشب بينه وبين زميل له في‮ ‬الفصل،‮ ‬إذ سبق أكثر من مرة أن وجدناه‮ ‬يطلب حماية جده عندما‮ ‬يتعرض لظلم ما‮ ‬،‮ ‬وإلا‮ ‬يكون لهذا الإلحاح على الذهاب علاقة بحوادث الشؤم والفأل السيئ التي‮ ‬سمعناها منه سابقا،‮ ‬يراودنا بعض أحساس بالطمأنينة بسبب أنه لم‮ ‬يذكر شيئا عن وفاة جده أو الصلاة عليه صلاة الجنازة أو زيارة قبره كما حدث في‮ ‬المرات السابقة‮.


‬أركبته هو وأمه معي‮ ‬في‮ ‬السيارة التي‮ ‬قدتها بسرعة أكثر مما أفعل عادة،‮ ‬متجها نحو مزرعة الوالد،‮ ‬وعرفت منذ دخولي‮ ‬عبر بوابة المزرعة التي‮ ‬كانت مفتوحة على‮ ‬غير العادة،‮ ‬أن هناك وضعا‮ ‬غير مألوف هناك،‮ ‬وأن عددا من السيارات تتجمع أمام البيت،‮ ‬جاء‮ ‬يقودها بعض أصحاب المزارع المجاورة،‮ ‬بينهم طبيب وجدناه،‮ ‬واقفا عند سرير الوالد،‮ ‬النائم في‮ ‬فراشه،‮ ‬في‮ ‬حالة تعب وإنهاك،‮ ‬حيث كان موجودا في‮ ‬جامع قريب كما اخبرونا‮ ‬،‮ ‬وتعرض لحالة إغماء احضروه بسببها إلى البيت،‮ ‬يقول الطبيب الذي‮ ‬قام بفحصه إنها ناتجة عن ارتفاع مفاجئ في‮ ‬السكر وضغط الدم متلازمين،‮ ‬فعمل على تخفيضهما ونجح في‮ ‬مساعدته على الإفاقة‮ ‬من الإغماءة‮ ‬،‮ ‬وأن أول شيء طلبه عندما عاد له وعيه منذ قليل‮ ‬هو أن‮ ‬يذهب أحد لإحضاري‮ ‬باعتباري‮ ‬أكبر أبنائه‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬يبحث عن أقرب هاتف‮ ‬يجده لأن المنطقة لم تصلها هذه الخدمة بعد،‮ ‬وإبلاغي‮ ‬بأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يراني‮ ‬قبل أن‮ ‬يموت،‮ ‬فكانت مفاجأة له أن‮ ‬يجدني‮ ‬قد وصلت قبل أن‮ ‬يتحرك الرجل الذي‮ ‬أراد أن‮ ‬يرسله لي،‮ ‬كما كانت مفاجأة للآخرين الذين ظنوا أن صدفة‮ ‬غريبة هي‮ ‬التي‮ ‬جاءت بي‮ ‬في‮ ‬هذه اللحظات الحاسمة‮ ‬،‮ ‬وأفسحوا لي‮ ‬مكانا لأقترب من فراشه وأقف بجوار رأسه أقبل جبينه وأضع‮ ‬يدي‮ ‬في‮ ‬يده والصق آذني‮ ‬بفمه وأنا أرى شفتيه‮ ‬يتحركان،‮ ‬متحدثا بصوت واهن خافت لا‮ ‬يسمعه‮ ‬غيري‮ ‬،‮ ‬يوصيني‮ ‬خيرا بالمزرعة التي‮ ‬هي‮ ‬ميراث الأجداد‮ ‬،‮ ‬ويسألني‮ ‬ألا أستجيب لأخي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يقترح عليه بيعها،‮ ‬وأسلم الروح وأنا أردد معه الشهادتين:ــ اشهد ان لا اله الا الله‮ ‬،‮ ‬واشهد ان محمدا رسول الله‮.


‬انتهت فترة المأتم التي‮ ‬قضيناها في‮ ‬المزرعة نستقبل المعزين‮ ‬،‮ ‬وكان هشام قد احضر السلحفاة معه إلى المزرعة‮ ‬،‮ ‬وجاءت أمه تذكرني‮ ‬بموضوع الاتفاق مع الطبيب البيطري‮ ‬الذي‮ ‬حالت وفاة الوالد دون إتمامه‮ ‬،‮ ‬فذكرتها بأنني‮ ‬لولا السلحفاة ما استطعت أن الحق بوالدي‮ ‬قبل وفاته‮ ‬،‮ ‬وأسمع وصيته التي‮ ‬لم‮ ‬يكن ليجد أحداً‮ ‬حوله‮ ‬يعتني‮ ‬بتنفيذها‮ ‬غيري،‮ ‬ولذلك فقد عدلت عن التضحية بالسلحفاة والرمي‮ ‬بها إلى المجهول،‮ ‬مقترحا حلا بديلا،‮ ‬طلبت منها أن تعينني‮ ‬في‮ ‬إقناع ابننا به،‮ ‬وهو أن تعود السلحفاة إلى المزرعة حيث كانت تعيش‮ ‬،‮ ‬ويمكن في‮ ‬هذه المرة‮ ‬،‮ ‬إقامة بيت خاص بها‮ ‬،‮ ‬له براح كبير وأرض‮ ‬غزيرة الأعشاب تضمن لها حرية الحركة والانطلاق،‮ ‬وسور‮ ‬يحميها من هجوم حيوانات مثل الكلاب والقطط‮ ‬،‮ ‬مع تكليف عامل من عمال المزرعة بمهمة الاعتناء بطعامها وشرابها وصحتها‮ ‬،‮ ‬وسنحرص جميعا على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في‮ ‬المزرعة لنتيح لهشام معاودة التواصل واللعب معها،‮ ‬ودون مناقشة أو معارضة أو احتجاج استجاب ابننا للفكرة‮ ‬،‮ ‬وقد أشرقت عيناه بابتسامة رضا وسعاد‮ ‬،‮ ‬مما بدأ واضحا إن السلحفاة صارت برغم افتتانه بها‮ ‬،‮ ‬تشكل بنبوءاتها المشئومة عبئا على وجدانه‮ ‬،‮ ‬ولعله انتبه إلى ثقل هذا العبء بدرجة أكثر قوة عندما رأى فاجعة موت جده الذي‮ ‬كان‮ ‬يحبه كثيرا وتأثر بموته وأرسل العبرات‮ ‬غزيرة حزنا عليه،‮ ‬وقد كان شيئا ثقيلا على قلبه أن‮ ‬يتلقى من السلحفاة ندر هذه الفاجعة ويستقبلها وحده وقبل أي‮ ‬أحد آخر من أهله ممن‮ ‬يملكون القدرة على الجلد والمواجه وتحمل جسامة هذا الحمل أكثر منه‮ ‬،‮ ‬فجاء الاقتراح بإبقاء السلحفاة في‮ ‬المزرعة وقضاء‮ ‬يومي‮ ‬العطلة الأسبوعية معها‮ ‬،‮ ‬يقدم حلا مريحا‮ ‬ليس فيه اجتراء على السلحفاة أو إيذاء لها‮ ‬،‮ ‬ودون أن‮ ‬يتم حرمانه من مرافقتها واستمرار الصداقة معها‮ ‬،‮ ‬ويكون قد ابتعد مسافة صغيرة تحرره من عبء أن‮ ‬يكون على اتصال‮ ‬يومي‮ ‬مع هذه النبوءات الصادمة التي‮ ‬تنقلها السلحفاة،‮ ‬وفي‮ ‬ذات الوقت فإن هذا الانفصال بين هشام وبين السلحفاة الذي‮ ‬يتجدد خلاله اللقاء كل أسبوع‮ ‬،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يمهد الطريق لي‮ ‬ولأمه لإنجاح خطة بعيدة المدى تقضي‮ ‬بفك الارتباط بينهما ذات‮ ‬يوم‮ ‬،‮ ‬فكا نهائيا‮ ‬لا تواصل بعده بإذن الله‮.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home