Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 5 مايو 2009

رحيل الكاتب صاحب الريشة الساحرة
محمد احمد الزوي

د. أحمد ابراهيم الفقيه

كيف لي حقا ان اصدق انك رحلت وانت الذي كنت صنو روحي ورفيق دربي وقرين رحلتي الادبية ، ولدنا في عام واحد ، وبدانا الكتابة معا وجمعتنا ذات الهوايات والميول ، وتنافسنا في صبانا على كتابة المقالات الفنية وتغطية الاخبار الدائرة في مجال الادب والفن واشتركنا في الكتابة في صحف الستينيات ننتقل معا من صحيفة الى اخرى ، كتبنا في مجلة الاذاعة وليبيا الحديثة والرائد والميدان وطرابلس الغرب والرواد ثم انتقلنا سوية للكتابة في الحقيقة تلبية لنداء صديقنا المشترك رشاد الهوني نتناوب على تحرير صفحة اسبوعية وكتابة اليوميات واضفت انا كتابة باب يومي هو قف دقيقة وتناوبنا في الاذاعة على تقديم كتاب اسميته انت كتاب وكاتب ثم حررت انا ثلاثين حلقة منه في رمضان باسم كتاب اليوم ، وجئتني في بيتي ذات يوم لتقول بانهم عرضوا عليك استلام منصب رئيس تحرير مجلة الاذاعة وان قبولك لهذا المنصب يتوقف على شيء واحد هو وعدي لك بان اساهم في كل عدد من اعداد المجلة عند توليك لها وفرحت لك بهذا المنصب الذي ياتي اليك في مطلع الشباب وابلغ سنوات الطموح والنشاط فانتقلت بتلك المجلة نقلة جديدة في عالم الصحافة الفنية والادبية .
وجعلتني اكتب في تلك الفترة من منتصف الستينيات اجمل كتاباتي التي احتوتها مجلة الاذاعة قصة ومقالة وخاطرة شعرية ثم كنا نستقبل معا الاحداث بضمير واحد ونفس واحد واذكر كيف كان وقع النكسة التي صدمت العالم العربي عام 1967 واتخذنا قرارا مشتركا بان نبحث عن مكان نهرب اليه من الشعور بالصدمة والاحساس بالمرارة والاحباط والحزن واستطعنا بجهد مشترك ان نؤمن لنفسنا بعثة الى لندن في العام التالي للنكسة وتركت انا مسئولياتي الصحفية الكثيرة في الصحف الحكومية والصحف الاهلية واوقفت ابوابا يومية احررها في الصحف والاذاعة وتركت انت منصب رئيس التحرير وركبنا طائرة واحدة حطت بنا في لندن مطار جاتويك لنستقل القطار الى محطة فيكتوريا وهناك نجد مندوب المجلس الثقافي البريطاني ياخذنا الى فندق طلابي نشترك في النوم مع موفدين اخرين من اسيا وافريقيا قبل ان ينتقل بنا الى مدينة برايتون حيث حجز لنا مكانا في مدرسة ديفز لتعليم اللغة ورغم ان المجلس قام بتفريقنا في السكن حرصا على ان نتحدث اللغة مع اهل البلاد بدل ان ننشغل بالحديث مع بعضنا البعض بلغتنا العربية فقد قررنا الاقامة في بيت واحد مع المسز بوش وابنها السيد ستيفن وكلبهما لولي بوب ثم قررنا معا الانتقال الى لندن بعد ان قضينا نصف العام في برايتون ، لنواصل الدراسة هناك في فرع لنفس المدرسة ونسكن متجاورين في عمارة واحدة وتنتهي فترة اللغة فتنتسب انت الى اذاعة البي بي سي لتدرس الاخراج واذهب انا الى اكاديمية العهد الجديد ادرس المسرح ، لتتكون لدينا من خلال هذه الرفقة الطويلة في لندن ذكريات مشتركة ومفاهيم مشتركة للحياة ونرتوي من معين واحد في مجالات الادب والفن ، بداناها معا على اقلام كتاب من مصر كنا نشترك في حبهم ونتبادل اقتناء الكتب التي يصدرونها من تاليفهم والاخرى التي تصلنا مترجمة ومنشورة في دور نشرهم وتتواصل رحلتنا بعد ذلك في الصحافة بعد ان عدنا الى البلاد، بل ننتسب في فترة من فترات السبعينات الى الاعلام الخارجي فتذهب انت مديرا للمركز الثقافي الليبي في بونس ايرس في الارجنتين واذهب انا رئيسا للمكتب الصحفي الليبي في السفارة الليبية في لندن ورغم بعد المسافة كنا نتواصل بالهاتف او نلتقى في العطلات في طرابلس ويجمعنا هوى مشترك للقاهرة فنلتقي عشرات المرات في منتدياتها ونعقد صداقات مشتركة مع ادبائها ونتصعلك مع صعاليك الادب فيها مثل احمد فؤاد نجم الذي رافقنا في زياراتنا المشتركة الى يوسف ادريس وهو يعالج في مستشفى بهمن للامراض العقلية رغم انه لم يكن مريضا عقليا وانما يعالج من حالة عصبية المت به ، وكنت انت تتالق في الجلسات بحسن احاديثك وجمال شخصيتك واتقانك للدعابة المصرية التي جعلت منك محط احتفاء اينما حللت بما في ذلك الجلسات التي جمعتنا بالراحل نجيب محفوظ في ملتقى يوم الاحد في فندق شبرد ، ثم تشاء الاقدار ان تكون رقدتك الاخيرة في القاهرة التي عشقت ولم تتوقف عن التواصل معها والرحيل اليها كلما اردت فسحة للراحة والاستجمام ، حتى جاءت الراحة الابدية التي ليس بعدها تعب ولا ارهاق ولا حزن ولا الم . جمعنا بعد ذلك اكثر من عمل فقد حضرنا سويا الملتقى الاول للكتاب والادباء في بنغازي مطلع السبعينيات الذي حدث فيه تكليفي باللجنة التاسيسية للاتحاد مع اخرين لم يكن يدع لهم الوقت فرصة للتعاون في تاسيس الاتحاد فتوليت تاسيسه وحضرت لحظة اشهاره عام 1975 قبل ايام قليلة من سفري في مهمتي الاعلامية اللندنية ، وعندما عدت انت من الارجنتين وعدت انا من لندن اجتمعنا في الرابطة قبل ان تتفرغ انت لبعض المشاريع الاعلامية في الشركة التي انشاتها مع الصديق المشترك مسعود القبلاوي وذهبت انا الى اسكتلندا لاواصل دراسة الدكتوراه ومع ذلك كنا نلتقي في رحلات كنت تقوم بها من اجل العمل الى لندن ، وانتهت سريعا رحلة العمل الخاص الذي اخذك قليلا من عالم الكتابة لنلتقي مرة اخرى في رحاب اتحاد الادباء الذي صار اسمه رابطة الادباء والفنانين واجمع الادباء والفنانون على اختيارك امينا للرابطة ورغم استمراري ذلك الوقت في الدراسة بالخارج فقد تم اختياري معك في لجنة الادارة لاكون امينا مساعدا لك ، وبعد اعوام من العمل المشترك ، واثناء دورة جديدة انتقلت انت امينا للشركة العامة للنشر والتوزيع والاعلان وتم تكليفي بامانة الرابطة وكنا خلال تلك الفترة نواصل التعاون بيننا وتحقيق تلك العلاقة العضوية بين الرابطة والشركة التي انعكست خيرا وبركة على النشر وانعاش الحركة الادبية والفنية , ولا اعتقد ان الشركة التي تحولت الى دار الجماهيرية شهدت نشاطا وزخما وحركة والتفافا حولها من المبدعين كما شهدت في تلك الفترة الا ان العمل الاداري رغم ما انتجه من ثمار للحركة الادبية لم يكن يتفق وطبيعتك التي تحب الحرية في الحركة والتنقل فعدت لسياحاتك الكثيرة التي عبرت عنها في كتابك الجميل هوامش على تذكرة سفر وعدت الى ريشتك الساحرة الجميلة تسكب منها الاخيلة والاطياف والرؤى الجميلة التي تتكون منها المقالات الكثيرة التي تكتبها بشكل اسبوعي واحيانا بشكل يومي كما فعلت في صحيفة الجماهيرية وصحيفة اويا في الاعوام الاخيرة وقبلها شهريا وفصليا في المجلة التي رأست تحريرها لعدة اعوام الفصول الاربعة والاخرى التي شهدت قفزة حقيقية في التعبير الحر الصريح وكانت منبرا جريئا وهو تصدر عن رابطة الادباء مجلة لا كان حضورك في الاعوام الاخيرة قويا الى حد انني افتح صحفا جديدة ومجلات متخصصة في المجتمع او الفن مثل البيت او تلك التي تصدر عن جمعية واعتصموا او صحيفة الشط التي تصدر عن امانة اعلام طرابلس الا واجد لك مقالة يسطع فيها اسلوبك الجميل وتشرق من خلالها روحك المحبة لتراب هذا الوطن دفاعا عن قيمه ومثله وسعيا وراء تحقيق انبعاثه الحضاري وتظهر فها شخصيتك المشاغبة المتمردة ولكنه شغب وتمرد مضمخ بالحب الذي يجعل الخلاف مهما كان قويا لا يجرح ولا يدمي ولكنه ذلك الخلاف الذي لا يفسد للود قضية، ويقرأ الناس مقالاتك التي تشبه وجبات يعدها طباخ ماهر وخبير في خلط البهارات التي تعطي للطعام نكهة محببة شهية ، فيعرف القاري المدمن على قراءة ما تكتبه ان كاتب هذه المقالة هو محمد احمد الزوي ولا احد غيره ، حتى لو لم تمهرها بامضائك، لانك احد الكتاب القلائل الذين تميزوا بشخصيتهم الادبية وقاموسهم الذي ابتكروه لانفسهم وتعبيراتهم التي تحمل طابعا خاصا بهم مثل الماركة المسجلة التي تتميز بها بعض الصناعات وشركات الانتاج السلعي ، رغم ان مهنتك مهنة غير قابلة للتسليع لانها مهنة القلب والوجدان ومدادها مصبوغ بالدماء التي تجري في عروق الكاتب .
نعم كانت تفرق بيننا الامكنة والازمنة ولكن خط التواصل الوجداني بيني وبنك لم ينقطع في يوم من الايام احملك في قلبي اينما حللت واعرف على وجه اليقين انني احتل مكانا في قلبك مهما باعدت بيننا المسافات ولعل هذا الحب هو الاحتياطي الاستراتيجي الذي يمدني بالامل والتفاؤل والثقة في البشر عندما تختلط الرؤى وتتلبد الاجواء بسحب الضيق والهموم ، نعم كنت اعرف ان هناك صديقا يصدقني واصدقه الود موجود في مكان ما من هذا العالم استطيع دائما ان اعتمد عليه واثق في مودته وصدق عواطفه وامانته في حمل هذه الصداقة ، وساقف هنا عند اخر اسبوع لك في هذه الحياة عندما سافرنا معا الى بنغازي لحضور الحفل الذي اقامته المكتبة الوطنية هناك لاحياء زميلنا صادق النيهوم ، حيت اقمنا معا في فندق تيبستي ، نجتمع كل يوم بعد العودة مساء من المكتبة للسهر في مقهى الفندق ، وكان بي نهم لرفقتك ، فلم اتركك تغادر المقهى ، بل يذكر الزملاء انه عندما جاء من يريد ان ياخذك الى مجلس اخر او حديث خاص كنت امنعه من احتكارك فادعوه لان يتفضل بالجلوس معنا ولكن لا حق له في سحبك بعيدا عن هذه الجلسة ، وكنت انت تفيض بالحديث العذب الجميل الذي يجعل الجميع يتحولون الى منصتين في انبهار اليك ، بحب يتركونك تنفرد بالحديث بل لعلهم يتعاملون بشراسة مع اي انسان في الجلسة يريد ان يشاركك الحديث لانه بالتاكيد سيسقط في المنافسة ولن يستطيع استقطاب مستمع واحد من مستمعيك.
نقطتان كنت الح عليه فيهما ، وهو الحاح استمر منذ سنوات عديدة ، احداهما ان قلمه الرشيق الجميل وريشته الساحرة تستحق الا تكون احتكارا لمنابر صحفية محلية وانني استطيع تامين مكان له في احدى المنابر ذات الاشعاع القومي العربي ليطل منها على القراء ولو مرة كل شهر ، لانه مثال رائع للكاتب الليبي الذي يستطيع ان يقدم صورة مشرقة ومشرفة عن الادباء الليبيين المعاصرين عندما ينتقل لمخاطبة القراء على مستوى العالم العربي ، دون ان يكون ذلك على حساب مخاطبته للكاتب الليبي في الصحف الوطنية لانه رجول مسكون ببلاده وهموم بلاده وقضايا بلاده ومشاكل بلاده التي لا مجال لمعالجتها الا فوق صفحات الصحف الليبية ولكن تبقى في قلبه مساحة لهموم انسانية واخرى ذات طابع عربي قومي وكان يعدني بان يفعل ذلك حال الالتقاء في المرة القادمة ، الى ان جاء هذا الوقت الذي لم يعد فيه مرة قادمة .
الامر الثاني الذي كنت بالغ الالحاح عليه في كل لقاء يجمعني به هو الاهتمام بالابداع الادبي ، نعم هو كاتب مقالة فنية صحفية من الطراز الممتاز ، لكننا نعرف جميعا ان المقالة مهما كان مستواها راقيا ليست بديلا للابداع الادبي الذي يصمد لعاتيات الزمان ويعبر الامكنة والازمنة ويعيش بعد ان تذوى الكتابات الاخرى ، واعرف انه لم يختبر مهاراته في القصة او الشعر او الرواية ، بحيث اطلب منه ان يمضى في هذا الاتجاه ، ولكنني اعرف على وجه اليقين انه كتب تمثيليات للاذاعتين المسموعة والمرئية وانه قدم من خلال ذلك نموذجا راقيا في التعامل مع الحوار على السنة الشخصيات وقدم نموذجا راقيا للبناء الدرامي للاحدات ونفخ الحياة في شخصيات التمثيلية فجسدها بقلمه تجسيدا مليئا بالحوية ليعطي الفرصة بعد ذلك للممثل كي يتقمصها ويؤديها بمهارة واتقان وكلها مؤهلات ترشحه لكتابة المسرحية التي يفتقر اليها الادب الليبي ، او فنقل ان الحصيلة فيها قليلة جدا لا تفي بحاجة الفرق الكثيرة الى مثل هذا النص الوطني ، وكان ايضا يعد ولا يفي بالوعد ، ولكنني في هذا الاسبوع الاخير ، اي في لقاء بنغازي تكلمت معه بغضب وغيرة حقيقية على موهبته انبهه الى العمر الذي وصل الى مراحل متقدمة بالنسبة له ولي ، لا يملك ترف اهدار ما تبقى منه ، وسيكون النفع عميما له وللادب لو استثمر هذا الوقت بجوار كتابة المقالة التي صارت بالنسبة له تمثل شهيقا وزفيرا لا يعيش بدونه ، ان يكتب ايضا هذا النوع الادبي الذي اثق تمام الثقة انه يملك الموهبة لكتابته وانه سيفاجيء بهذا الابداع من لا يعرفون قوة وحجم الموهبة التي يملكها في هذا المجال ، ولم اتركه في تلك الجلسة الا بعد ان اخذت منه عهدا انه سيباشر فور انتها ء المؤتمر في حشد نفسه واستنفار مواهبه للشروع في كتابة عمله المسرحي الجديد .
لم اكن اعرف ولا كان محمد الزوي يعرف ان وقت الرحيل قد ازف وان الموت لن يترك له فرصة لتنفيذ وعده لي بكتابة النصوص المسرحية التي اعرف انه يجيد كتابتها وان المسرح الليبي سيضيع عليه الموت فرصة ان يستفيد بهذه الكاتب وريشته الساحرة في كتابة ابنية درامية وشخصيات درامية وحوار درامي يبقى غذاء للاجيال.
نعم ، يموت اباء وامهات لصيقون بنا فنشعر بلوعة الفراق والفقدان ، ويموت اصدقاء واحباء اكبر او اصغر سنا فنحزن عظيم الحزن لفراقهم ولكننا لا نشعر برهبة الموت ، ورعب براثنه وهي تهوى على الانسان تنتشله من عالم الاحياء الى غياهبه الموحشة، ونحس به قريبا نكاد نلمسه باصابعنا الا عندما تكون ضحيته رفيقا بدانا الرحلة معا وترافقنا في الصبا والشباب معا وسرنا معا خطوة بخطوة في طريق واحد وجمعنا مسير واحد وتشابهت على مدى العمر اقدارنا وتمازجت افكارنا واشتبكت مشاغلنا ورؤانا ببعضها البعض حتى صار هذا الرفيق جزءا منا ونحن صرنا جزءا منه يصبح حقا لوقع الموت ذلك الاحساس الحارق الموجع المؤلم باعتبان ان الذي سقط في الطريق جزء منا ، جزء من جسمنا او بعض اطرافنا ، هكذا هو احساس انسان مثلي يفقد صديقا بقوة وعمق الصداقة التي جمعت بيني وبين الزميل والرفيق والصديق وشقيق الروح محمد احمد الزوي ، زد على ذلك انه لم يكن رفيقا وصديقا وزميلا عاديا ولكنه كان شخصا استثناءيا بكل المقاييس ، في خفة ظله وجمال دعابته وطلاوة حديثه وحلاوة حكاياته ومافيها من تشويق وجاذبية وحرارة وصدق عواطفه ونبل وكرم خصاله ورقة ورهافة .
اسلوبه في تعامله مع الناس صغيرا وكبيرا ، من يعرف ومن لا يعرف ، وفوق هذا وذاك موهبته ككاتب كبير باسلوبه وافكاره وجمال تصويره ورشاقة عبارته وشاعرية جمله وتراكيبه اللغوية التي ضمنت له مكانا فريدا ومتميزا بين ابناء جيله من الادباء . لننصت سوية الى صوته الذي ياتي هامسا عبر الاسطر كانه محب يناجي بهمس صوته وجميل عواطفه الشخص الذي يحبه .
(الكلمة التي لا تأخذنا من مقاعدنا الوثيرة لتقذف بنا داخل ألسنة الحرائق، ليست كلمة.‏
الكلمة التي لا تنقلنا من لحظة الاسترخاء إلى لحظة مُعانقة الحقيقة بكل ألمها وعذابها وقسوتها، ليست كلمة..‏
الكلمة التي لا تمزِّق البَراقع التي تُخفى وجوهنا وراءها حتى تتكشَّف لنا حقيقتها بكل مافيها من بشاعة وجمال، ليست كلمة‏
الكلمة التي لا تُخرجنا من الشَرْنَقة التي تلتَف حولنا لنواجه الشمس، تقتلنا وتُطهرِّنا وتُحرقنا، ليست كلمة.‏
الكلمة التي لا تُنزلنا من بُروجنا العاجية لنعرف الواقع ونعيشه ونتعذّب به ونستطعم مرارته، ليست كلمة‏
الكلمة التي لا تُنبت لنا أجنحةً نطير بها من جذورنا المُنعزلة حتى نتعرَّف على الآفاق الأخرى، ليست كلمة‏
الكلمة التي لا تُذيب الجليد المتراكم داخل قلوبنا حتى نُحسِّ بالدفءِ والاحتراق، ليست كلمة‏
الكلمة التي لا تقتلع النباتات الشيطانية التي تَنفَذُ داخل نفوسنا وتبذُرُ زهور الحب والجمال، ليست كلمة‏
الكلمة التي لا تقتل الوحش الكامن داخلنا لتُعيد لنا الإحساس بإنسانيتنا، ليست كلمة.‏
الكلمة التي لا تُعذِّب وتُحرق وتُطهِّر وتقتلع وتبذرُ، ليست كلمة.‏
الكلمة هي ثورتنا الداخلية، وهي نبوءتنا، وهي بَشارتنا، وهي تَوْقُنا إلى الغد الآتي بكل ما يَعِدُ به من حُبٌّ وجمالٍ وسلامٍ وتقدُّم( .
هكذا كتب محمد احمد الزوي في كتابه خطوط على الهواء معبرا عن ايمانه بقيمة الكلمة في مجال الحديث عن رفيقه الذي سبقه في الرحيل الاستاذ عبد الله القويري ، وهاهو ايضا يغادر وفي نفسه شيئ من ذلك الحلم الكبير الذي كتب عنه وجعله اسما لواحد من مخطوطاته تم لا يراه يتحقق قبل رحيله ، فقد التحق كما التحق ابناء جيله من الطلائع المستنيرة بذلك المشروع العربي النهضوي الذي يتطلع ليوم تخفق فيه راية النصر والوحدة والنهضة والحرية فوق كل ربوع الوطن الكبير ، ورغم ايمانه المتجذر بوطنه الصغير ليبيا واعتزازه بشخصية هذا الوطن التي عبر عن اعتزازه بها عندما اثيرت هذه القضية في الستينيات وعمق ولائه لمدينته طرابلس ووطنه ليبيا فان هذا الحب وهذا الولاء وهذا الانتماء لم يكن ابدا حائلا دون ان ينظر الى الافق الاوسع الذي يرى فيه بلاده جزءا من وطن عربي اكبر قويا ومنيعا وعزيزا ، وكان ولاءه الدائم لبسطاء هذه الوطن معبرا عن مكابدات شعبه يستخدم قلمه سيفا يحارب به الفساد والمفسدين والاجتراء على ابناء الوطن الفقراء وسرقة ترواتهم بمثل ما كان يكتب في اويا وغيرها من الصحف (فإذا صحّت هذه المعلومات وتأكدت فلا أقول إنني ذهلت ولكني ارتعبت بكل ما تعنيه كلمة الرعب.
ليس الرعب لأن ملايين الدينارات تم التلاعب بها واختلاسها.
ليس الرعب لأن نصف السيارات التي تخنق شوارع الوطن تم استيرادها "والبزنسة" في أثمانها وفي مواصفاتها الفنية.
ليس الرعب لأن آلاف آلاف الدينارات توزع على الحبايب والقرايب إضافة إلى السيارات
رعبي ليس ناتجاً عن هذا كله فمنذ أن سرقت سلطة الشعب من الشعب ومنذ أن ضيعوا صوت الشعب ومنذ أن أسدلوا ستاراً أسود على الشفافية ضاعت ملايين ملايين ملايين الدينارات ضيعها المرابي واللص ولاعب الثلاث ورقات والنصاب وزناة الليل والنهار وأبطال المرابيع والشلل "وقبضايات" القبائل والعشائر والذين قادوا المداهمات.
ضاعت وكلنا نعرف أنها ضاعت ونعرف أنها لن تعود إلا إذا عادت أمي من قبرها.
ضاعت ولم نذرف عليها دمعة واحدة لأن الدموع صودرت منذ القفز على سلطة الشعب وسجنها تحت سابع أرض.
ضاعت وأفرخت عند لصوصها القصور والمزارع والشركات القابضة وغير القابضة والعمارات الشاهقة والفنادق اللامعة واستراحات الزناة وبيوت ومكاتب الدعارة.ضاعت ولن تعود ومن يقدر على الدخول إلى بطن الحوت المتوحش ليعيدها؟)
وبمثل هذا الاسلوب الحارق الموجع يهاجم الفساد والفاسدين ويدافع عن حق المجتمع في ترواثه ضد اللصوص، منحازا كعادته للوطن والصدق والحقيقة والثورة في وجهها الصادق الحقيقي الذي استهدف وجه الوطن واهله الكادحين فهو كاتب نشا كادحا وتربي كادحا في الحي الذي ولد فيه وهو حي ابي الخير بطرابلس متدثرا بعطف ودفء العلاقات الانسانية في ذلك الحي الطرابلسي العريق وحنان امه التي استقلت ببيتها عندما تزوج والده بامراة اخرى ، ولم يكن والده ايضا بعيدا عن النضال والكفاح ، فقد كان وجها من وجوه فزان يمثل اهلها لدى المنتديات والتجمعات السياسية التي تسعى لتحرير ليبيا في الاربعينات مثل حزب المؤتمر الذي كان من اعضائه الفاعلين بشهادة الاستاذ على مصطفى المصراتي ، وتذكر الوثائق التاريخية انه كان وجها من وجوه فزان في الملتقيات السياسية وصوت تلك المنطقة فيها قبل ان يتفرغ للاشتغال بالطب الشعبي والعلاج بالقران في دكانة صغيرة بمنطقة ابي الخير ، ولم يكن قادرا ان يضمن لابنه تعليما نظاميا فاكتفي الابن بالدراسة المتوسطة التي انغمر بعدها في العمل الصحفي والتقيت معه في اواخر الخمسينيات وهو صبي دون العشرين يحاول ان يتسقط اخبار اهل الفن وينشرها في الصحف ، قبل ان يواصل تحصيله عبر القراءة الحرة والاشتراك في بعض الدورات كتلك التي ذهب مبتعتا فيها من الدولة الى لندن .
لا ادري ماذا افعل بدونه ، فقد كنت في مناسبات كثيرة سافرنا فيها سويا الى الخارج اتخذه دليلي وقائد رحلتي لان له خبرة بالناس والاماكن اكثر مني ، وله ذاكرة قوية قادرة على استحضار الامكنة والوجوه والاسماء ، وله ما يسمي بحس الاتجاهات فيذكر المكان الذي ذهب اليه مرة واحدة ويعود اليه في حين كنت احتاج لان اتردد على المكان عشرات المرات قبل ان استدل عليه مرة اخرى ، فكنت اعتمد على ذكائه وعلى حسه الاجتماعي وعلى جاذبية حديثه وشخصيته والاستفادة من علاقاته في توسيع دائرة اتصالاتي وسياحاتي وعلاقاتي الاجتماعية .
سيفتقده الاهل لانه كان ابا حانيا رحيما لابنه خالد وبناته الرسامة خلود واختها سمية وامهم وبقية اخواتهم ، وسيفتقده اصدقاؤه الذين لن يجدوا صديقا يعوض الفراغ الذي سيتركه في حياتهم وتكون له طلاوة حديثه وغزارة معارفه وعمق تجاربه الحياتية التي تنعكس في احاديثه وشخصيته .
وستفتقده الحياة الادبية والثقافية كواحد من نشطائها والمسئولين على ما فيها من حراك وزخم وستفتقده الصحافة التي عمل بها رئيس تحرير لكثير من مطبوعاتها مثل الاذاعة والفصول الاربعة وغيرها واستطاع ان يضيف رصيدا الى رصيدها .
وسيفتقده القراء قلما ساحرا رشيقا جميلا قادرا على ارضاء عقل القاريء وشد انتباهه وامتاعه بما يقرأ .
وستفتقده حركة الاصلاح كواحد من الاقلام التي تنتصر للغد الافضل الذي تنتظره البلاد .
وسيفتقده الوطن كواحد من كتيبة الادباء والكتاب الذين اثروا الحياة واشعلوا قناديل الفرح واضاءوا بمشاعل الابداع اركانه الاربعة.
وستفتقده الحياة كواحد من محبيها ، العاشقين لما فيها من الوان وتنوع وفرح ، الكارهين لما فيها من مساوىء واحزان وكدر .
واذا كان الموت قد جاء ليطويه تحت جناحيه الاسودين فان ما خطه من حروف مضيئة ستظل نبراسا يهتدي به القراء بعد رحيله عبر ازمنة قادمة باذن الله .
رحم الله الكاتب الكبير الراحل محمد احمد الزوي وجعل الجنة مثواه وعوض فيه الوطن خيرا وانا لله وانا اليه راجعون .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home