Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الجمعة 4 ديسمبر 2009

الشيخان صبحي والمصراتي

وشخصيات اخرى


د. أحمد ابراهيم الفقيه

(تناولت في الباب الثابت الذي احرره في صحيفة القاهرة الاسبوعية الصادرة عن وزارة القاهرة المصرية احداثا واصدارات ليبية وغير ليبية ونوهـت بشخصيات ادبية وغـير ادبية رايت ان اطـلع عليها القاريء الليبي الذي قد يفوته مطالعة هذه الصحيفة والشكر مبذول وموصول لهذا الموقع وصاحبه الذي يحظى بثقة الجمهور المتابع لمواقع هذه الشبكة خاصة من ابناء الوطن )  

حول تكريم الشيخ محمود صبحي

بمناسبة الاحتفالات الدينية التي اقامتها جمعية واعتصموا الخيرية خلال شهر رمضان الكريم ، والتي حضرها جمع من علماء العالم الاسلامي ، تم اختيار فضيلة الشيخ الاستاذ محمود صبحي ليكون الشخصية الاسلامية العالمية لهذا العام ، وفضيلة الشيخ صبحي  وجه من الوجوه الوطنية في ليبيا عرفته الحياة السياسية الليبية مناضلا جسورا منذ الاربعينيات اثناء النضال من اجل مولد الدولة الليبية حيث اسهم في هذا النضال وكان بقوم بدورة التوعية والتوجيه ويحضر المؤتمرات السياسية ينافح ويدافع عن حق بلاده في الحرية والاستقلال ، خاصة بعد عودته من دراسته في الازهر الشريف ، واعتلائه المنانر إماما وخطيبا واستاذا للشريعة ، وبعد مؤامرة تاجير الارض الليبية لتكون ساحة للنشاط العسكري الامريكي والبريطاني ، في شكل قواعد للتدريب في كل من طرابلس وبنغازي ، تصدى بقوة للمؤامرة وتفرغ تفرغا كاملا للعمل السياسي وقاد المعارضة البرلمانية ضد هذه القواعد وضد الحكومات العميلة التي وافقت ودعمت وواصلت العمل مع هذه القواعد واستطاع اثناء عقدي الخمسينيات والستينيات تاليب الراي العام للمطالبة بجلاء المستعمرين وقواعدهم وقاد المسيرات والمظاهرات وتعرض وهو النائب البرلماني للسجن والملاحقة والمطاردة وتم في احدى الدورات البرلمانية تزييف الانتخابات ضده  مما دعا جماهير الشعب للخروج الى الشارع تندد بهذا التزوير وتطالب بحل البرلمان المزيف واعادة الشيخ المناضل الاستاذ محمود صبحي ليكون ممثلها في البرلمان ، وظل يقود هذا الصراع السياسي ببسالة وشجاعة نادرة المثال حتى قامت الثورة في الاول من سبتمبر عام 1969 وتحقق اجلاء القوات الاجنبية الامريكية والانجليزية وتولى الاستاذ محمود صبحي مسئوليته كعضو في محكمة الشعب لمحاكمة المسئولين في العهد الملكي الذين اسهموا في التمكين لقوى الهيمنة الاجنبية من اقامة تلك القواعد وتجديدها ومقاومة المد الشعبي الذي كان يطالب بتحرير التراب الوطني منها ، ثم باشر خوض مسيرة علمية دينية مظفرة هي تاسيس جمعية الدعوة الاسلامية ذات الاشعاع العلمي العالمي حيث كان اول امين لها وانشأ لها فروعا في قارات العالم الخمس كمؤسسة خيرية تنشيء المدارس القرآنية وتقيم المساجد وترعى الفقراء والايتام المسلمين في كل بقاع العالم ، وتنشر فكر الاعتدال والوسطية البعيد عن التطرف والتعصب لدين دون دون اخر ، وكانت احدى اولى المؤسسات في العالم الاسلامي التي امنت بمبدأ الحوار مع الاديان الاخرى واقامت مؤتمرا كبيرا اشرف عليه الاستاذ محمود صبحي عام 1977 في طرابلس هو مؤتمر الحوار الاسلامي المسيحي وحضره العلماء والخبراء المتخصصين في الدراسات الدينية الاسلامية من مختلف بقاع العالم ، وهي المؤسسة التي تولاها من بعده واحد من انجب تلاميذ الشيخ محمود صبحي وهو الدكتور محمد احمد الشريف الذي قاد مسيرة الجمعية من بعده لتزداد قوة وانتشارا ونجاحا، ولا زال هذا الشيخ الجليل رغم عمره الذي تجاوز الثمانين مفعما بالنشاط والحركة يقصده الناس في جامع ميزران يستفيدون من علمه ويستشيرونه في امورهم الدينية ويقصده بسطاء الناس للمساهمة في حل مشاكلهم حيث يتولى بنفسه رفعها الى مؤسسات الدولة ومتابعتها ومراجعتها حتي يقضي مصالح الناس الذين يقصدونه كرجل سخر حياته لعمل الخير وخدمة المواطنين واعلاء شأن الدين ، ولهذا فقد لقي هذا الاختيار للشيخ صبحي باجماع علماء المسلمين  كشخصية العام الدينية العالمية ارتياحا لدى كل الاوساط الشعبية التي عرفت هذا الرجل واحبته واسلمت له قيادها في مراحل عصيبة من تاريخ النضال الوطني فكان امينا نزيها شريفا في حمل مسئولية القيادة وادى واجب النضال من اجل بلاده مضحيا بوقته وجهده وراحته ومازال يواصل رسالته ويؤدي امانة التوجيه والافتاء وخدمة الرسالة المحمدية بدأب ونشاط دون كلل او ضجر رغم سنوات العمر المتقدم، فشكرا لجمعية واعتصموا على هذا الاختيار والتحية كل التحية لهذا الشيخ الجليل الذي يواصل نضالا علميا وسياسيا بدأه منذ اكثر من ستين عاما .   

والحضور الابداعي لشيخ الادباء

على مصطفي المصراتي

أقرأ هذا الأسبوع كتابا جديدا من إبداع كاتبنا الكبير الأستاذ على مصطفى المصراتي.

وعلى مدى أكثر من أربعين عاما ، ظل الاستاذ المصراتي يواصل مسيرة عامرة بالعطاء والإبداع ، وينتقل بيسر وسهولة من البحث الأدبي والتاريخي، غلى كتابة القصة والمقالة الساخرة التي تعكس شيئا من روحه المرحة المحبة للناس والحياة وعمق ارتباطه بأرض وطنه وتراث شعبه.

وكتابه الأخير، هو مجموعة قصصية بعنوان "صائد الفراشات" سيكون لنا وقفة معه في مرة قادمة، وسنكتفي هذه المرة بذكر انطباع أولى عن إبداع هذا الكاتب القصصي أن القصة التي يكتبها على مصطفى المصراتي، قصة لا تشبه القصص التي يكتبها الآخرون ، ولعل هذا هو سبب الالتباس الذي يقع فيه عدد كبير من نقاد أدبه القصصى، أنهم يقيسونها بمسطرة تقتبس معاييرها ومواصفاتها من تلك القصص التي أصبحت نموذجا يحتذيه كتاب القصة، ويعتمده النقاد وينسون ان القصة نص مفتوح على كل الاحتمالات والاجتهادات.

لا يرهن نفسه لقوالب ومقاييس محددة حتى وإن التقى كتابها حول حد أدنى من هذه المقاييس فإن حق الاختلاف يبقى حقا مشروعا لكل كاتب لأن هناك قبل هذه المقاييس وبعد هذه المقاييس شيئا آخر ، لا علاقة له بالمساطر والجدوال والأسطرلابات الأدبية، هو تلك الروح ، التي لا أحد يستطيع أن يقيسها أو يقبض عليها، أو يكشف لنا مدى سمكها أو عرضها أو طولها ، وما أكثر الذين يكتبون قصة تتفق اتفاقا صارما جازما مع المقاييس والنواميس, قصة اتقن الكاتب حبكتها وأجاد صياغة أحداثها وجعل لها بداية ووسطا ونهاية عملا بتعاليم ارسطو، ومع ذلك تبقى هذه القصة قصة باهتة بلا طعم ولا لون ولا رائحة بلا نبض ولا حياة لأنها قصة بلا روح.

ولكن اقرأ قصة من إبداع على مصطفى المصراتي ، عن نموذج شعبي من المدينة القديمة ولتكن قصة عامرة بالاستطرادات التي يكرهها النقاد ، لا تخلو من تدخلات الكاتب وملاحظاته الجانبية التي يعتبرها النقاد من المحرمات ، قد لا تنتهي حيث يجب أن تنتهي القصة وقد لا تبدأ حيث يجب أن تبدا القصة، ومع كل هذه المخالفات التي يراها نقادنا الأفاضل من الكبائر، سوف نلتقي بنموذج إنساني لمواطن ليبي من عمق البيئة الشعبية، زاخراً بالحيوية والحركة والمرح، ينبض بالدفء الانساني بحيث نتفاعل معه، ونفرح لفرحه ونحزن لحزنه ونجد فيه صورة صادقة لأهل بيئتنا ومجتمعنا.

هذه هي خصائص النماذج والشخصيات التي يقدمها لنا الأستاذ المصراتي ، مضافا اليها خاصية أخرى هي قدرته على الدعابة، والاهتداء إلى المفارقة الساخرة التي لا يهتدي إليها إلا صاحب بصيرة تنفذ الى قلب الأشياء مثل بصيرة هذا الكاتب الليبي الكبير. 

الاحتفال

باحمد عبد المعطي حجازي

تحتفل الاوساط الادبية العربية بمرور خمسين عاما على صدور الديوان الرائد في مسيرة القصيدة الحديثة "مدينة بلا قلب " للشاعرالنابغة احمد عبد المعطي حجازي ، وهي فترة زمنية طويلة ، لا اكاد شخصيا ، وقد عاصرت صدور الديوان ، اصدق ان كل هذه الاعوام قد مرت منذ ذلك الوقت الذي احتفينا فيه بصدوره ، واذكر انني انتهزت فرصة وجودي في القاهرة بعد صدوره باعوام قليلة لاقوم باجراء حوارصحفي مع الشاعر تركز حول التجربة التي عبر ت عنها القصائد المنشورة في تلك المجموعة الشعرية ، ولعلي في بعض الجوانب تاثرت بلهجة الشاعر المعادية للمدينة كما يستطيع ان يلاحظ ذلك من يقرأ كتابي البحر لا ماء فيه ، الذي صدر بعد اربعة او خمسة اعوام من صدور الديوان ، ومن يرى ويلتقي بالشاعر احمد عبد المحطي حجازي في مرحلته العمرية الحالية، وهو يمتليء نشاطا وحيوية ورغبة في الجدل والنقاش والسفر للمشاركة في منتديات عربية وعالمية يدعى اليها كانت اخرها مؤتمر في هونج كونج ، لا يصدق ان بداياته الادبية تمتد الى نصف قرن من الزمان ، اعطاه الله الصحة وحماه من اعين الحاسدين ، نعم هي مسيرة طويلة في عمر الافراد ، ولكنها قصيرة في عمر الظواهر الادبية والمدارس والتيارات الجديدة التي يحتاج ترسيخها لاجيال وتراكم ودهور ، ويبدو انجازا كبيرا ان تحقق القصيدة الحديثة هذا الاكتساح المذهل في نطاق خمسة عقود ، وان تنتقل من قصيدة مطاردة محاصرة تحتل هامش الاحداث في وقت كانت السيطرة فيه لعماليق شعراء القافية امثال العقاد وعزيز اباظة ومحمود حسن اسماعيل والشاعر البدوي والجواهري وامين نخلة وعمر ابو ريشة اوبو سلمي وغيرهم وغيرهم الى ان تصبح هي القصيدة التي تحتل قلب الساحة الادبية وان يصبح فرسانها الذين بدأوا صغارا هم من يسيطرون على الحياة الشعرية ويتولون القيادة فيها ويصنعون تراثا يحتفي به العالم كما صنع شعراء رحلوا من رواد القصيدة الحديثة امثال السياب والبياتي ودرويش ونزار وخليل حاوي وعبد الصبورومعين بسيسو ونازك الملائكة وفدوى طوقان  وشعراء لا زالوا ،اطال الله اعمارهم ، يواصلون رحلة العطاء والابداع وفي مقدمتهم احمد عبد المعطي حجازي والفيتوري وادونيس ومحمد الفقيه صالح وحسن طلب وحلمي سالم ومحمد علي شمس الدين وشوقي بزيع والمقالح وبنيس وانسي الحاج والمناصرة وشوقي بغدادي وغيرهم كثر والحمد لله ولابد من استحضار مقطع صغير من القصيدة التي اعطت لديوان مدينة بلا قلب اسمه مثل هذا المقطع :

وسرْتُ يا ليلَ المدينة
أرقرق الآه الحزينة
أجرُّ ساقي المجهدة
للسيدة
بلا نقود, جائعٌ حتى العياءْ
بلا رفيق
كأنني طفل رمته خاطئة
فلم يُعِره العابرون في الطريقْ
حتى الرثاء

ولابد من القول ان شعر حجازي حقق نقلات نوعية قوية منذ تلك البدايات والقصيدة ذات الكلمات البسيطة واللغة المباشرة تحولت الى قصيدة اكثر تكثيفا وتعقيدا واللغة تحولت الى لغة تعتني بالصورة والتركيب واللغة المشهدية والاحالات والدلالات التي تعطي القصيدة معنى اكثر عمقا من المعنى الظاهر وللشاعر قصيدة صغيرة او مقطع يكتفي بذاته ليكون اصغر قصيدة في الشعر العربي الحديث تحمل معنى من معاني الدراما وتحكي في ثناياها قصة شديدة العمق والقوة بينما القصيدة لا تزيد عن اربعة شطرات صغيرة قصيرة وهي تقول :

بالله يا من ستلقى

في ذات يوم حبيبي

اخبره اني انتظرت

الى الصباح ومت

واعتقد انها تحكي قصة كل عشاق الحرية والنهضة والتقدم الذين يموتون قبل ان تتحقق لاوطانهم هذه الاحلام الكبيرة . وعيد ميلاد سعيد للقصيدة الحديثة وتهنئة لشعرائها وقرائها بما حققته من ازدهار . 

مذكرات الشاعر خالد زغبية 

ينتمي الشاعر الليبي خالد زغبية الى جيل الرواد المؤسسين للقصيدة الجديدة في الشعر العربي التي تخلت عن القافية واكتفت بالتفعيلة والموسيقى الداخلية ، فقد التحق في عقد الخمسينيات بشعراء الحداثة ، بعد ان استهل حياته بكتابة الشعر التقليدي الموزون المقفى الملتزم باوزان الخليل ، ولم يكن الاستاذ خالد زغبية يكتفي بالابداع الشعري ، ولكنه كان يواكب ذلك بكتابة المقالات النقدية التي تؤسس ذائقة للشعر الحديث ، وتسعى لتعميق الوعي بجمالياته لدى اجيال من القراء تربوا على جماليات القصيدة التقليدية ، واذكر انه اثار معركة كبيرة في الوسط الادبي  اواخر الخمسينيات عندما نشر قصيدة ثورية ذات منحى حداثي ، جلبت له عداء المؤسستين السياسية والدينية ، اذ رآها اهل الحكم هجوما على اسس الدولة الوطنية الوليدة ، واعتبر شيوخ الدين تلك القصيدة زندقة وتجديفا لمجرد انها اشارت بشيء من النقد الى ما يشوب سلوكيات بعض رجال الدين من نفاق وممالأة للحاكمين وانحراف على صحيح الدين حيث يقول فيها : 

بلادنا عريقة
تاريخها مسطور

في الصدور
وفي جماجم المخضرمين
ذوي العمائم البيضاء واللحى المرسله
أولئك الذين يهرفون

 بما لا يعرفون
وينفقون

 أعمارهم هباء في الصلاة
لكي تقيهم

 جهنم الحمراء
ويقطنون

صوامع علياء
وفيها يحلمون

 بالجنة الفيحاء 

وكانت الصحيفة التي تجرأت على نشر القصيدة صحيفة حكومية جهوية تنتمي لمنطقة فزان الصحراوية بسبب ان الحاكم الفعلي فيها كان شابا ينتمي الى الرؤى الحديثة هو سيف النصر عبد الجليل يعاونه صحفيان هما محمد الطشاني وفاضل المسعودي ، حيث دافعت الصحيفة عن الشاعر ونشرت رده الشعري على المقالات التي كانت تهاجمه ، وكان الرد بقصيدة عمودية تشبه القصائد العمودية التي هاجمته يقول فيها : 

واستطاع خالد زغبية ومناصريه الصمود في هذه المعركة التي كانت تدشينا لبعض الافكار الجديدة ، وواصل الشاعر رحلته الشعرية ببطء وخطوات متمهلة ، فاصدر مجموعة من الدواوين بينها السور الكبير واغنية لعيد الميلاد ، الا ان الوسط الثقافي الليبي، بمحدودية الافاق في عقدي الخمسينيات والستينيات لم يكن في زخم وقوة الحواضر العربية الاخرى ولم يكن هناك ما يكفي من النقاد الذين يتابعون بالنقد رحلة هؤلاء الشعراء ، فظل الشاعر منعزلا لفترة من الوقت لم تساعده على تطوير ادواته واستكمال مشروعه الذي كان يجب ان يواكب شعراء من ابناء جيله مثل الفيتوري وحجازي وعبدالصبور وغيرهم، وخرج اخيرا من عزلته ليكتب كتابا يسرد فيه تجربته ومعاناته مع المؤسسات المتخلفة التي حاربت المبدعين الرواد امثاله  متوقفا عند تجارب شعراء من ابناء جيله قضوا في اوقات مبكرة مثل الشاعر النابغة على الرقيعي الذي توفي وهو في منتصف العقد الرابع من عمره ورفيقه حسن صالح صاحب ديوان بعد الحرب الذي توفى دون الخمسين والشاعر الاكبر سنا الذي توفي في مطلع هذا العام الاستاذ على صدقي عبد القادر  وقد ترافق الشعراء الاربعة في خلق مشهد شعري حداثي واكب حركة الحداثة في الاقطارالعربية الاخرى خلال عقدي الخمسينيات والستينيات . رحم الله الشعراء الراحلين واطال عمر الشاعر الرائد الاستاذ خالد زغبية الذي بلغ الان الخامسة والسبعين من عمره  متعه الله بالصحة والعافية .   

مكتبة عدلي رزق الله 

عدلي رزق الله ، نابغة من نوابغ الرسم في مصر، له حضور فاعل ومؤثر في الوسط الثقافي العربي وله علاقات وثيقة بالادباء والمبدعين في المجالات الادبية والفنية  على اختلاف اشكالها ،  ويمكن القول بان سلوكه وفنه يؤكدان وحدة الفنون ، في عالم عربي ، يخلو من التقاليد التي تؤكد هذه الوحدة بل تعمل على انفصامها وزرع المسافات والحدود والسدود بينها ، فالمبدع في مجال ما يعيش في عزلة عن مبدعي المجال الاخر المختلف عن مجاله ، بمعنى ان الرسامين يعتنون  بالرسم والشعراء بالشعر واهل المسرح بالمسرح واهل السينما بالسينما واهل الرقص او الموسيقى والغناء بالمجال الذي يخصهم ،  ويشكل عدد من المبدعين استثناء لهذه القاعدة ياتي على راسهم الفنان المصور عدلي رزق الله  ومن قبله ياتي استاذنا العظيم توفيق الحكيم  الكاتب الراحل كامل زهيري ، ونستطيع ان نضيف الروائي ادوار الخراط فهم في طليعة هذه الثلة القليلة التي امنت بعمق الوشائج التي تربط بين فنون الخلق والابداع ادبا وفنا وعملت على توثيق وتمثين هذه الوشائج ، وقد اهتممت شخصيا بالدعوة لرفع هذه العزلة واسهمت في اقامة ندوة شهدتها مدينة اغادير بالمغرب ضمت مبدعين من مختلف المجالات ومن كل اقطار الوطن العربي لمحاربة هذه العزلة وتعميق التواصل بين المبدعين  ايمانا مني بان حالة اخصاب سوف تحدث بين هذه الحقول الابداعية مجتمعة وتفاعل خلاق بينها وتاثير وتاثر يسهم في خلق حالة ازدهار ونهوض في مجمل المناحي الفنية والادبية وتظهر لها اصداء وتجليات على حركة المجتمع باجمعه باتجاه مزيد من الوعي والمعرفة والتحضر والتقدم. 

وربما حدث هذه الوعي لدى الفنان عدلي رزق الله بوحدة الفنون نتيجة لانه بجوار تعامله مع الريشة والالوان فهو ايضا يتعامل مع الكلمة ككاتب واديب ، وصاحب ذائقة شعرية عالية تمثلت في اصداره منتخبات شعرية وادبية  لاصدقائه الادباء والشعراء يتفاعل معها  بابداعه في الرسم والتصوير كما فعل مع اشعار رائد الحداثة الشعرية الراحل صلاح عبد الصبور ، وياتي كلامي عنه اليوم بمناسبة اصداره لجزء اول في سلسلة مكتبة عدلي رزق الله التشكيلية التي يتجه بها للشباب بعنوان كيف ترى ، ينحى المنحى التعليمي وياخذ القاريء في رحلة ممتعة وشيقة مع رسومه ولوحاته ورسوم ولوحات عالمية يتولاها بالشرح والتقييم لفنانين  مثل بيكاسو وماتيس وسيزان وفان جوخ وغيرهم من عباقرة هذا الفن في العالم والوطن العربي مع نصوص جميلة ترافق اللوحات من ابداعه النثري يشرح لنا من خلالها كيف نرى اللوحة وكيف نتأملها ويقدم كتابه قائلا بان الشخصية السوية لابد ان تنمو عبر عدة طرق متوازية هي  طريق القراءة وطريق السمع وطريق المشاهده والطريق الاخير هو ما خصص له هذا الكتاب الذي اتمنى ان تصل اليه اعين مسئولي التعليم في عالمنا العربي لتجعله جزءا من المنهج التعليمي في ثانويات العالم العربي من اجل تربية جيل  اوسع وافقا واكثر وعيا بجماليات العالم الذي نعيش  فيه.    

عطر ناصر الانصاري

لو اردت اختيار شخص من معارفي يجسد الحس الحضاري والسلوك الحضاري والتعامل الحضاري لما وجدت افضل من الصديق الراحل الدكتور ناصر الانصاري، وقد كتبت في الصحف عند  عودته من فرنسا لاستلام منصبه الجديد ارحب باختياره مديرا للهيئة العامة للكتاب باعتبارها هيئة تمثل رمز الحضارة وعصارتها وهو الكتاب ليكون هذا الرجل الذي يفيض حضارة سلوكا وعلما ومعرفة مديرا لها ، ولا شك انه جاء لمؤسسة سجلت كثيرا من النجاحات باصداراتها ، ومعرض القاهرة للكتاب الذي تكرس باعتباره عرسا ثقافيا عربيا ودوليا يتكرر كل عام ، ومكتبة الاسرة ومشروع القراءة للجميع تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان المبارك ، وكان للمدير الذي سبقه الراحل العزيز الدكتور سمير سرحان بصمته على هذا المعرض الذي لا ينكرها عليه احد ، ولكن ودعونا نتكلم بصراحة وشفافية ، فقد ترافق مع النجاح الذي سجله المعرض الدولي للكتاب اتهامات ببعض الانحرافات وبعض الفساد ، وترددت هذه الاتهامات تطال بعض اعمال ومشاريع هيئة الكتاب ، وكان الامر بحاجة الى رجل فوق الشبهات بسبب صرامته الاخلاقية وسجله الوظيفي النظيف وما عرف عنه من نزاهة وامانة وشرف في معاملاته وادارته للمؤسسات التي تولى تسييرها والاشراف عليها ، لمحو هذه الاشاعات والاتهامات ، وكان هذا الرجل الشريف النظيف النزيه الامين هو الدكتور ناصر الانصاري رضوان الله عليه ، الا ان النزاهة التي جاء بها للهيئة لم تكن انجازه الوحيد لقد جاء لها بثقافته العالية ومعارفه العميقة ورقي نظرته للثقافة والمنتج الثقافي اكتسبها مراحل التاهيل والتحصيل العلمي المتميز التي مر بها ومن تاريخه في التعامل مع الثقافة الرفيعة وهو رئيسا لمجلس إدارة الهيئة العامة لدار الأوبرا المصرية ثم وهو في باريس مديرا لمعهد العالم العربي، حيث كان موضع تقدير واحترام واعجاب اطراف عربية ودولية تعاونت معه وشهدت له بالتفوق والنجاح وكنت شخصيا في باريس ذات لحظة تاريخية جميلة صنعها هذا الرجل للتبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب عندما رايناه يستضيف في معرض الحضارة المصرية في معهد العالم العربي كل من الرئيس الفرنسي شيراك والرئيس المصري حسني مبارك وسط تفاؤل العالم بتحقيق التواصل والتفاهم الحضاري بين الشعوب في مواجهة الدعاوى السلبية والعدمية بصراع الحضارات  وكان انجازا اشادت به صحافة العالم وذهبت اقدم له تهنئتي الشخصية بهذا النجاح ، وكان جميلا ان نراه ياتي حاملا سجله الذهبي الى الهيئة العامة للكتاب ولمعرض القاهرة الدولي للكتاب وبدأت لمساته منذ العام الاول تظهر للناس في اعادة المعرض لدوره الثقافي بعد ان صار اشبه بالموالد الشعبية وبدأ في رفع مستوى انتاج الهيئة باصدار سلسلة مثل سلسلة الجوائز التي لم يبخل بالصرف عليها واظهارها بالمظهر اللائق واسند الاشراف عليها لسيدة اديبة من اهل الخبرة والكفاءة هي الدكتور سهير المصادفة ، واذكر ان حديثا داربيني وبينه حول الكتب المترجمة للغات اجنبية التي تصدرها الهيئة ، وضرورة ايجاد حل لتسويقها لانه لامعني لاصدارها ان كانت ستبقى في المخازن او تذهب للتسويق في مراكز للتوزيع مخصصة للكتاب العربي فاطلعني على بروتوكول اتفاق مع دور النشر الفرنسية يتولى بموجبه نشر الكتب نشرا مشتركا بين  الهيئة وهذه الدور واقتصار توزيعها في سوق الكتاب الفرنسي على تلك الدور وهو ما قام بتنفيذه فعلا منتظرا ان يقوم بنفس الاتفاق مع دور نشر بريطانية وامريكية وايطالية واسبانية ولعله قام بمثل هذه الاتفاقيات قبل وفاته واتمنى ممن يتولى مسئولية الهيئة العامة للكتاب من بعده ان يواصل مثل هذا العمل الجليل الذي بدأه الراحل الكريم.         

لا ادري ماذا استطيع ان اقوله في مثل هذه المساحة المحدودة غير شهادة صديق اتصل به اتصالا ثقافيا وعرف فيه صورة ناصعة مشرقة  للمثقف النبيل الجميل المتواضع الذي لا وجود لذرة افتعال اواصطناع او تكبر في سلوكه وتعامله مع الناس ،رحل بجسمه وسيبقى عمله وصيته فائحا كالعطر بين الناس ، رحمه الله رحمة واسعة والهمنا جميعا والهم اسرته جميل الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون .  

صديقي الذي رحل

على القبلاوي 

توفى في طرابلس الممثل المخضرم ومدير المسرح الوطني الليبي الفنان على القبلاوي اثر نوبة قلبية فاجأته وهو يواصل حياته العملية اذ انه قام في الليلة التي مات فيها بالحضور الى مقر المسرح الوطني في مسرح الكشاف ثم ذهب لحضور امسية شعرية في مقر نقابة الفنانين حيث كنت على موعد للقائه هناك وعرفت عندما وصلت مقر النقابة انه احس بحالة من التعب والارهاق، عزوناه لوجود عطب في مكيفات قاعة العرض  فاستاذن عائدا الى بيته ليرتاح قليلا  الا ان حالته ازدادت سوءا عند خروجه الى الشارع فسقط ميتا على  قارعة الطريق ، وتنتهي  بذلك حياة رجل وهب عمره للمسرح، حيث  التحق بفرقة المسرح الجديد في العام التالي لتاسيسها وهي فرقة من انشط فرق الهواة التي عرفها المسرح الليبي في مرحلة الستينيات، قمت شخصيا بتأسيسها وتوليت ادارتها منذ عام 1960 ولم اترك العمل بهذه الفرقة الى ان تحقق في عام 1966المطلب الذي ناديت به وهو  انشاء فرقة للمسرح القومي التي تتبع الدولة وتكون بداية المسرح المحترف في ليبيا حيث قمت بالانخراط فيها ضمن عشرة عناصر من المؤسسين لهذه الفرقة كان من بينهم الفنان الراحل .

ووجدت في  على القبلاوي عندما التحق بفرقة المسرح الجديد عام  1962فتى  يصغرني سنا يتدفق حماسا ورغبة وينخرط في العمل الذي يحتاجه العرض المسرحي، فاعتمدت عليه في اعمال  تحتاج الى حماسه وشبابه في فرقة من الهواة يتم فيها العمل على سبيل التطوع ولا وجود لاي مقابل مادي نتقاضاه ازاء ما نقوم به من اعمال ، فكان علي القبلاوي ناشطا في الدعاية وتوزيع الدعوات ومناشير الدعاية ، وكان يساهم في اعمال الديكور وتحضير الخامات والذهاب لشرائها من السوق وجلبها الى ورش العمل كما يساهم بنفسه في اقامة الديكور ويرتدي عفريتة العمل اذا احتاج الامر الى طلاء او تزويق او غيره كما كان يقوم بتحضير الاكسسوارات والملابس التي تحتاجها المسرحية والتي كنا نقوم في اغلب الاحيان باحضارها من بيوتنا فكان اكثرنا اسهاما في تحضير هذه الملابس وهذه الديكورات  علاوة على مشاركته في التمثيل ، وقدمنا خلال مطلع الستينيات  عددا من المسرحيات من بينها مسرحية متاعب الاسطى خربوشة التي قام فيها الممثل الراحل باول ادواره على خسبة المسرح ولم يكن عمره يزيد عن ستةعشر عاما وبعد عدة سنوات التحق بدورة تدريبة مسرحية في المانيا الشرقية عاد بعدها ليواصل عمله في المسرح الوطني ، متفرغا للتمثيل ، ويدخل بذلك مرحلة جديدة في حياته مع المسرح ، عرف خلالها طريقه الى ادوار البطولة ، وتجلت مواهبه كممثل كبير صاحب حنجرة متميزة ، يعتمد في ادائه على مدرسة الاداء الطبيعى واستيعاب الشخصية والغوص في اعماقها لتظهر قوة تصويره للشخصيات التي يقدمها ، كما ساهم في كثير من البطولات في التمثيليات التي تقدم في الاذاعتين المرئية والمسموعة ، وكانت بعض المسرحيات التي ادى فيها اداور البطولة قد عرفت طريقها الى المهرجانات العربية في سوريا وتونس ومصر ، وحظيت مسرحية السندباد التي قام ببطولتها باقبال جماهيري واهتمام اعلامي وتقدير من النقاد عند عرضها على الجمهور المصري ، وهي المسرحية التي قام بتاليفها الكاتب المصري المعروف الاستاذ شوقي خميس وقام باخراجها الفنان فتحي كحلول  وكانت علامة فارقة في المسرح الاستعراضي في ليبيا والعالم العربي وقبل ذلك استضافة التليفزيون المصري للقيام ببطولة فيلم تليفزيوني من اخراج الاستاذ محمد فاضل بعنوان الجراد عن قصة من تاليفي وسيناريو الكاتب الكبير الراحل سيد خميس  في مطلع السبعينيات ، ووقع عليه الاختيار في السنوات الاخيرة ليتولى ادارة المسرح الوطني بسبب ما يحظى به من حب واحترام من زملائه وما اكتسبه من خبرة وثقافة في مجال تخصصه.

(اضافة حديثة : من المفارقات المؤسفة الحزينة ان يرحل على القبلاوي في فترة قريبة من عيد الفطر، ثم يلحق به قبلاوي اخر من اهل التمثيل هو عملاق المسرح الليبي وعميده العتيد الفنان شعبان القبلاوي الذي ارجو ان اخصص له كلمة رثاء قريبا، وان يرحل مع احتفال المسلمين بعيد الاضحى، فليتغمدهما الله بمغفرته ورضوانه وان يعوض فيهما الوطن خيرا وانا لله وانا اليه راجعون).

تحية لعمر الشريف

هذا فنان عميق في انتمائه،  كبير في موهبته،  عامر القلب بحب الناس والحياة، شديد التواضع والبساطة رغم انه وصل الى سقف الكون شهرة ومجدا وجاها ومالا ، طاف العالم اجمع ، وعاد ليقضي شيخوخة مريحة في المرابع التي شهدت طفولته واسهمت في بلورة مواهبه وغذت وجدانه بقيم الحب والجمال والمال ، هو الفنان المصري العالمي عمر الشريف .           

انها تحية نرسلها اليه بمناسبة الحلقات التي تم تسجيلها في احدى القنوات المصرية الخاصة،  لاذاعتها خلال ايام الشهر الكريم عن مشوار حياة هذا الفنان بدءا من سنواته الاولى في شوارع الاسكندرية الى سنوات دراسته في معهد فيكتوريا الشهير الى بداياته في السينما المصرية في الافلام التي قدمته الى الجمهور واذاعت اسمه في العالم ، حتى رآه المخرج العبقري ديفيد  لين واختاره ليتقاسم البطولة مع بيتر اوتول وانتوني كوين في فيلم لورانس العرب الذي عرض على شاشات العالم في العام 1962 ،وترشح بسببه لجائزة الاوسكار ومنذ ذلك الدور انطلق عمر الشريف كوكبا يدور في الفلك العالمي، نجما كبيرا من نجوم هوليوود وبطلا لافلام هي اقوى واعظم ما انتجته السينما العالمية مثل فيلمه الملحمي دكتور زيفاجو الذي مثل فيه دور البطولة ،وهو ايضا من اخراج العبقري ديفيد لين الذي قدمه في فيلمه الاول واعطاه البطولة في هذا الانتاج الضخم ، عن قصة الشاعر والروائي الروسي باسترناك الذي حصد من اجلها جائزة نوبل وسجلت جزءا من الصراع الدامي الذي شهدته روسيا ابان الثورة البلشفية  وفيلم ملحمي آخر مثل فيه دور جنكيزخان ، ودور خلافي الى حد ما لكنه لا يقل اهمية عن هذين الفلمين هو شي جيفارا ، وادواره التي اكسبته شعبية في العالم اجمع مثل فتاة مرحة والرولز رويز الصفراء وليلة الجنرالات والفارس ومايرلينج الماخوذ عن ماساة حدثث في مطلع القرن الماضي في قصر ملوك النمسا وما يربو على خمسين فلما كان كل واحد منها علامة في تاريخ السينما العالمية ، غير ادواره التي  قدمها في مطلع حياته في بلاده التي كانت كلها علامات مميزه في تاريخ السينما المصرية بدءا بفيلم صراع في الوادي عام 1953 الذي شهد بداية انطلاقه مرورا بافلامه التي قدمها مع اسطورة السينما العربية السيدة فاتن حمامة وهي ايامنا الحلوة وسيدة القصر ونهر الحب علاوة على افلام المضمون الوطني المصري والقومي مثل في بيتنا رجل وارض السلام .                                                    

وقرر بعد ان قضى ربع قرن يعيش في هوليوود ومواقع تصوير الافلام متنقلا بين فنادق الدرجة الاولي ان يعود للاستقرار في بلاده ويقدم ادوارا مصرية بدأت بدوره في فيلم عن قصة نجيب محفوظ شاركه فيه البطولة محمود المليجي وتوفي اثناء التصوير عام 1984هو فيلم ايوب، ثم  دوره في فيلم المواطن مصري من اخراج صلاح ابوسيف وبعده فيلم الاراجوز من اخراج مخرج شاب هو هاني لاشين  دون ان يتخلى عن التمثيل في السينما الاجنبية فقدم  فيلما يخدم قضايا الحوار الثقافي والتعايش السلمي بين الثقافات هو المسيو ابراهيم وزهور القرآن .   

كنت شخصيا اتابع افلامه الاجنبية واجد ان البطل عمر الشريف يمثل رابطة تشدني الى هذه الافلام، فهو صاحب موهبة في التمثيل، لا شك فيها ، لكنه فوق هذا وذاك له شخصية شرقية تحمل عبقها وترسم بصماتها على كل دور تؤديه ، وربما بسبب اختلافه عن النموذج السائد في هوليوود ، كانت افلامه دائما تحمل قصة خارج نطاق الاسلوب النمطي المكرور في السينما ولهذا حملت هذه الافلام دائما نكهة خاصة ميزتها عن بقية الافلام ، ولابد لمن يشاهد ويسمع المقابلات التي تجرى معه في الاذاعات المرئية والمسوعة أو يقرأ هذه المقابلات في الصحف ان يزداد حبا لهذا النجم الاسطوري ، لما يتبدى في حديثه من عمق وحكمة وما يشع من تواضع انساني جميل وما يعبق به حديثه من حب لاهله في مصر وشخصية مصر وثقافة الريف والمدن في مصر علاوة على وهج انساني وعاطفة صادقة تحتوي البشرية جمعاء ، فاهلا بالفنان الكبير الجميل عمر الشريف ضيفا في بيوتنا خلال شهر رمضان الكريم من خلال هذا البرنامج المتألق الذي تقدمه مذيعة رقيقة اثبتث جدارتها بمحاورة هذا العلم من اعلام الفن بما اظهرته من رقة وعذوبة واكبار واجلال لضيفها العظيم. 

ترحيبا بسالم بنحميش 

تعزز مجلس وزراء الثقافة العرب بوزير جديد يتولى لاول مرة في حياته منصبا سياسيا قياديا ، ياتي اليه من حقل الفلسفة والتدريس الجامعي والابداع الادبي هو الاستاذ الدكتور بنسالم حميش الذي تولي في المغرب وزارة الثقافة ، وهي الحقيبة التي استلمها من الممثلة المسرحية المغربية الشهيرة السيدة ثريا جبران وقد استلمتها بدورها من كاتب وشاعر ورئيس سابق لاتحاد الادباء المغاربة هو محمد الاشعري ، حيث جاء تعيين محمد الاشعري وزيرا للثقافة في الوقت الذي استلمت فيه احزاب المعارضة الحكم وقام زعيم حزبه ، وهو حزب الاتحاد الاشتراكي بتشكيل الوزارة لاول مرة منذ عقود طويلة سادها الصراع بين الملك الحسن الثاني وقوى المعارضة الى درجة الاحتكام الى السلاح وصدور احكام بالاعدام على شخصيات من بينها الزعيم الذي سلمه الملك الحسن قبل وفارته منصب رئيس الوزراء وهو السيد اليوسفي ،  قبل ذلك التاريخ كانت وزارة الثقافة مع حكومات الولاء واحزاب الاقلية التي تستمد قوتها من دعم الملك لها ، وكان الوزير الذي امضى فيها فترة طويلة ، ووسمها بميسمه الليبرالي  هو المثقف المغربي الشهير الاستاذ محمد بن عيسى ، المعروف بتاسيسه للموسم الثقافي الاشهر في المغرب العربي وهو موسم اصيلة،  المدينة التي ينتمي اليها والتي ما زال يحتل موقعا شرفيا في ادارة شئونها ويواصل من خلال جمعية المحيط الاشراف على هذا الموسم الثقافي الذي اكتسب سمعة عالمية.

بنسالم حميش طاقة من الابداع والثقافة والفلسفة والمعارف الانسانية، عرفته شخصيا في اواخر الثمانينيات عندما اصدر كتابه الفلسفي الذي يحوي مطارحات فكرية لمختلف فلاسفة المغرب ومفكريه الكبار امثار محمد عابد الجابري وعبد الله العروي ومحمد عزيز الحبابي والتقيت به ذات سهرة في بيت الفنان التشكيلي المغربي محمد القاسمي الذي انتقل الى رحمة الله وهو في اوج عطائه وابداعه ، ثم اذا بنسالم حميش ينتقل من حقل الفلسفة الى حقل الادب وتصدر له في منتصف التسعينيات روايته الاولى مجنون الحكم عن طريق دار رياض الريس في لندن فتثير زوبعة من النقد والترحيب والاحتفاء لانها رصدت بقوة واتقان وموهبة شخصية الديكتاتور في الوطن العربي التي لم تكن قد وجدت من يصورها بهذا الالق وهذا التوهج كما فعل ادباء امريكا اللاثينية بحكامهم الطغاة ، ليظهر بنسالم حميش براعة الحكام العرب في الطغيان، وينصف تاريخهم الزاخر بالطغاة ، ويثبت انهم يبزون كل طغاة العالم ظلما وسيطرة وجنونا، مقتبسا من حياة الحاكم بامر الله الفاطمي ما يبرهن به على هذا السبق الذي احرزه العرب في هذا المضمار ثم توالت رواياته التي حققت له مكانة مرموقة في مدونة الرواية العربية ، و ياتي الان  لمجلس يحظى بعدد من الوزراء الذين سجلوا بصمة التفوق في كثير من مناحي العمل الثقافي العربي ، فهناك عميد هؤلاء الوزراء الاستاذ الفنان فاروق حسني في مصر وهناك الاستاذ رياض نعسان آغا ، في سوريا ، وهناك السيدة المناضلة الاستاذة خليدة تومي في الجزائر، وقد التحق بفترة وجيزة قبل بنسالم حميش الاستاذ المسرحي المتميز الدكتور عبد الرؤوف الباسطي في تونس بهذا المجلس ،وفي فلسطين خسرنا منذ اشهر قليلة الدكتور ابراهيم ابراش ،ربما لانه لم يكن قادرا على التعايش مع الانقسامات والخلافات والمماحكات بين القيادات الفلسطينية فآثر الانسحاب ، ونحن على ثقة ان بنسالم حميش سيضيف لهذه الوزارة في بلده ولمجلسها على مستوى الجامعة العربية كثيرا من الحيوية وروح المبادرة والزخم المعرفي والثقافي فلندعو له بالتوفيق . 

جديد سلوى ابوحسين

اهدتني الكاتبة الصحفية الاستاذة سوسن ابوحسين كتابها الجديد تحرير الامم المتحدة، الذي يقدم رصدا ومتابعة لكل الدعاوى التي تطالب بتعديل ميثاق الامم المتحدة وتطوير اليات العمل في هذه الهيئة الاممية التي ما زالت تعمل بميثاق ولوائح وانظمة عمل مضى على اقرارها  ما يقرب من خمسة وستين عاما عند انشاء المنظمة في منتصف الاربعينيات، ولم يكن عدد اعضائها يزيد عن خمسين دولة ، بينما وصلت في اخر احصاء الى 192دولة تشمل كل امم الارض . وركزت الكاتبة في هذا الكتاب على المطالب القادمة من البلدان العربية، ودعاوى التغيير التي افصح عنها زعما عرب، ربما اكثرهم قوة ومثابرة ومجاهرة وصراحة والحاحا على ضرورة اجراء هذا التصحيح هو الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، حيث تاتي الكاتبة على كل الاطروحات التي قدمها القذافي للمجتمع الدولي ، وخاطب بها الجمعية العامة ومجلس الامن والامين العام للهيئة ، معيبا على هذا الكيان الدولي الذي هو امل البشرية في تحقيق الامن والسلام والعدل والانصاف ان يبقى رهين الاسس القديمة التي صاغتها اقلية من الدول الاستعمارية ، وان تحتكم في ادارة شئونها الى قواعد ظالمة جائرة لم تعد قابلة للاستمرار والحياة بعد ان طرأت كل هذه التحولات الكبيرة والخطيرة على شعوب الكرة الارضية، ومن بين هذه الدعاوى تغيير القواعد التي يعمل بها مجلس الامن وتعديل حق النقض الذي تحتكره خمس دول والمطالبة باعطاء مقعد دائم لافريقيا ومناصرة الهند في الحصول على مقعد دائم، وكثير من الاقتراحات الاخرى التي تضمن ان يكون هذا المجلس ديمقراطيا واكثر تمثيلا لشعوب العالم ، وطبعا هناك الدعوة التي تطالب بان تنتقل قوة اتخاذ القرار من مجلس الامن الى الجمعية العامة التي ما تزال هيكلا صوريا بروتوكوليا  وافكار كثيرة اخرى تضمنها الفصل الثاني من الكتاب المعنون رؤية القائد معمر القذافي لاصلاح الامم المتحدة ، وتقدم ايضا رؤية الدول العربية من خلال المذكرات المرفوعة من جامعة الدول العربية الى الهيئة الاممية تطالب بالتمثيل العادل لدول العالم في مجلس الامن وتشكو من اسراف بعض الاعضاء مثل امريكا في استخدام حق النقض ضد اغلب القرارات التي تنصف العرب وتنصف الفلسطينيين ، وتفسح المؤلفة براحا لاراء الدكتور بطرس غالي باعتباره السياسي العربي الذي وصل الى منصب امين عام المنظمة ، وخاض صراعا ضد اطراف نجحت في منعه من الوصول الى ولاية ثانية مثل بقية الامناء ،وقدمت بعض ارائه في اصلاح الهيئة الاممية ، خاصة فكرة انشاء كيان اخر يكون جزءا من الهيئة الاممية ويمثل الهيئات الشعبية البرلمانية بجوار الجمعية العامة التي تمثل الحكومات.

كتاب غني بالمعلومات والافكار ، لا غني عنه لاي صحفي او دبلوماسي معني بالسياسة الدولية ، نشرته المؤلفة نشرا خاصا ، مستفيدة كما بدا لي من الطباعة الديجيتال التي تجعل الناشر يتحكم في عدد النسخ ويطبع كميات حسب الطلب .                                                                                         

شماريخ سمير عبد الباقي

داوم الشاعر الاستاذ سمير عبد الباقي علي اصدار مطبوعة دورية خضراء الله قوامها ملزمة واحدة من الورق الخاص بالكتب ذات الاحجام الكبيرة يطلق عليها شكشكة شعرية غير دورية بالفصحى العامة ، يقوم بتحريرها بنفسه ناشرا فيها قصائده العامية التي تتناول اراء الشاعر في شتى مناحي الحياة وهي في الغالب اراء نقدية تهجو مثالب المجتمع وتصب جامع غضبها الشعري على صانعي هذه المثالب والعيوب دون ان يخشى في الحق لومة لائم ، قائلا لمن يريد تهديده ومنعه من مواصلة نقده في نوع من التحدي : 

تقدر تسحب مني بطاقتي الشخصية

عقد ايجار بيتي

بطاقة تموين رزي وزيتي وكبريتي 

ويمضى معددا ما يستطيع الخصوم فعله به الى ان يصل في ختام القصيدة : 

وتقدر حتى تحرمني من الحرية

وتضيع املي في بكره

تقطع عشمي في دلوقت

لكن ..حسك عينك

عمرك ما حتحرمني من موهبتي

اللي ح أكمل بيها - غصبن عنك

آخر بيت في قصيدتي 

وهكذا تنتهي القصيدة من سلبية الهجاء وافراز طاقة الغضب الى ايجابية البناء والتمجيد الجميل للابداع والموهبة والقصيدة ، وهو لا يكتفي بان يمدح القصيدة وانما يمدح مبدعيها الكبار مثل قصيدة برقية ود للابنودي ، زميله الشاعر الكبير صاحب الفتوحات والانجازات العملاقة في الشعر العامي باشكاله الحديثة المتطورة عبد الرحمن الابنودي قائلا : 

حزين النيل

ومالوش بخت في اولاده ، ويتألم

ما عادش بييجي في ميعاده

وانا مش قادر اتكلم

كما الملهوف على بلاده

 

ولان القصيدة جاءت بمناسبة وعكة صحية تعرض لها الشاعر الابنودي فهو يقول لمصر التي احبها الشاعر الابنودي وسهر الليل من اجلها وتعذب خوفا عليها :

 

قومي معايا نادي عليه

يشب شباب ، على قدميه

ويرجع جاي

في ايده الناي

يفتح له القلوب صحبه

تزلزل حيطة الغربة

يرد الروح لنا تاني وطن فنان

على القهوة يدور بالشاي

مع الاشعار يجوزتاني

سماح نحلم بكان ياما كان

وكنا زمان | طيور حرة ونيل انسان 

والذين يعرفون مثلي سمير عبد القادر منذ سنوات طويلة ، يعرفون انه شاعر متميز في كتابة القصيدة الفصحي التي تنتمي للشعر الحديث ، وكنت قد رايته في مطلع التمانينات في مهرجان ادبي عقد في طرابلس ليبيا ، قادما من لبنان حيث التحق هناك بالمشروع النضالي  العربي كاتبا في صحف المقاومة الفلسطينية ، وصعد الى المسرح فالقى قصيدة بالفصحي ذات نفسي ثوري اهتز لها وجدان الحاضرين وامطروه بالتصفيق والتعبير عن مظاهر الاعجاب ، وقبل ان تنتهي وصلته الشعرية ، القى في ختامها مجموعة قصائد بالعامية المصرية ، لم تكن تقل جمالا وثورية عن قصائد الفصحى فاكد حضوره الفاعل في ذلك المهرجان باعتباره صاحب الصناعتين الفصحى والعامية ، ولكن بعد عودته الى مصر وانهماكه في الشأن المصري مشرفا على واحد من المراكز الثقافية النشيطة ، ثم رئيسا لادارة التفرغ التابعة لوزارة الثقافة وعضوا في بعض الاندية ومشاركا في نشاطه مثال نادي الاتيلييه ، فقد بدا واضحا ان مخاطبة القاريء المحلي صار ياخذ اولية على الافق العربي الذي كان يعنى به خلال اقامته البيروتية وسط جمع متنوع الهويات العربية وقومي التوجه والمضمون، فصار الشعر العامي او المحكي او مايسميه سمير عبد الباقي شعر الفصحى العامية غالبا على انتاجه الشعري ، دون ان يعني ذلك ان كتابة هذا الشعر العامي المصري يصنع حاجزا يمنع التواصل بينه وبين القاريء العربي الا ان وسائطه في الغالب ما تبقى محصورة بمحيطها المحلي ، ولا تصل الى الجمهور العربي الاوسع الذي يتعامل مع صحف ومجلات ومنابر تنشر شعر وادب الفصحى وتعرض عن نشر ما كتب باللهجات المحلية.  تحية للشاعر المناضل  الكبير الاستاذ سمير عبد الباقي اقدمها اليه باسم معجبيه وقرائه الذين يتابعون ابداعه سواء كتب بالعامية او الفصحى او بهما معا وتهنئة له بشماريخه التي تكمل قريبا عامها السابع ، وتتابع رحلتها بنجاح والق وشجاعة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home