Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الجمعة 4 سبتمبر 2009

في هجاء البشر ومديح الذباب

الأولى آه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

بدأ الأمر بآهة قصيرة سريعة خافتة‮ ‬،‮ ‬سمعتها فلم أعرها انتباها أو اجعلها تخرجني‮ ‬من حالة الاستغراق التي‮ ‬أعيشها مع قصة بوليسية أتابع بشغف أحداثها المثيرة‮ ‬،‮ ‬وعندما تكررت الآهات وزادت إلحاحا انتبهت قليلا محاولا أن أعرف إلى أي‮ ‬كائن تنتمي‮ ‬هذه الآهة التي‮ ‬تأتى بصوت مهموس‮ ‬،‮ ‬خائر‮ ‬،‮ ‬شديد الوهن‮ ‬،‮ ‬فلم استطع أن أعرف‮ ‬،‮ ‬وعدت للتركيز على القصة آلتي‮ ‬وصلت إلى منعطف خطير اثر عثور المحقق على دليل‮ ‬يقود إلى مرتكب الجريمة‮ ‬،‮ ‬ولم أشأ أن أترك صوتا من الأصوات التي‮ ‬تأتي‮ ‬من خارج البيت‮ ‬،‮ ‬يشغلني‮ ‬عن ملاحقة الأحداث التي‮ ‬تتطور بشكل سريع في‮ ‬عالم القصة‮ ‬،‮ ‬إلا أن الآهات التي‮ ‬اقتحمت على جلسة القراءة الممتعة لهذه القصة‮ ‬،‮ ‬صارت تفرض وجودها على مسامعي‮ ‬وتأتى‮ ‬،‮ ‬رغم ضعفها وخفوتها‮ ‬،‮ ‬حارقة‮ ‬،‮ ‬مؤلمة‮ ‬،‮ ‬تحمل لون اللوعة والفجيعة‮ ‬،‮ ‬كما اكتشفت أنها تصدر من مكان قريب‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون مكاناً‮ ‬خارج البيت تنما من داخله‮ ‬،‮ ‬بل من داخل‮ ‬غرفة نومي‮ ‬نفسها‮ ‬،‮ ‬وتوقفت‮ ‬،لحظة إدراكي‮ ‬لهذه الحقيقة‮ ‬،‮ ‬عن قراءة القصة‮ ‬،‮ ‬ونهضت واقفا‮ ‬،‮ ‬أركز مسامعي‮ ‬وألتفت شمالا ويمينا أرصد الجهة التي‮ ‬تأتى منها الآهات وأبحث عن الكائن الذي‮ ‬يطلقها ولم أحتج لطويل وقت حتى أعرف إن الكائن البائس التعيس الذي‮ ‬يطلق هذه الآهات المشحونة ألما ومعاناة،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬غير ذبابة صغيرة خضراء تنتفض بجناحيها وقد وقعت فريسة في‮ ‬خيوط شبكة نسجتها رتيلاء في‮ ‬زاوية‮ ‬مهملة من زوايا الغرفة،‮ ‬تتكدس فيها الكراسي‮ ‬المحطمة وبعض الأشياء التي‮ ‬تنتظر تصليحا مثل ساعة حائط ومذياع قديم‮ ‬،‮ ‬ولم تكن الرتيلاء التي‮ ‬صنعت بلعابها هذه الشبكة‮ ‬،‮ ‬موجودة في‮ ‬تلك اللحظة‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬كما‮ ‬يبدو لها أكثر من شبكة في‮ ‬أكثر من مكان تطوف بينها لتتغذى بالضحايا التي‮ ‬تقع فرائس لهذه الشباك،‮ ‬وبقيت انظر في‮ ‬حيرة إلى الذبابة التي‮ ‬تنتفض وتحرك جناحيها في‮ ‬عصبية‮ ‬،‮ ‬غير قادرة على الإفلات من قوة أسلاك الشبكة التي‮ ‬التفت حولها والمادة اللاصقة التي‮ ‬أمسكت بجزء من جسمها‮ ‬،‮ ‬اسأل نفسي‮ ‬عما‮ ‬يجب أن أفعله إزاء هذا الموقف‮ ‬،‮ ‬هل أقوم بإنقاذ هذه الذبابة التي‮ ‬أوقعها سوء حظها في‮ ‬هذا المأزق‮ ‬،‮ ‬أم أتركها تواجه مصيرها الفاجع بين الخيوط السوداء‮ ‬،‮ ‬وانتظار موتها افتراسا على‮ ‬يد الرتيلاء التي‮ ‬نسجتها‮ ‬،‮ ‬تتنازعي‮ ‬مشاعر متضاربة بعضها‮ ‬يتصل بتراث‮ ‬الحقد الذي‮ ‬احمله كغيري‮ ‬من البشر لهذه الحشرات الطائرة المؤذية التي‮ ‬نضعها في‮ ‬خانة الأعداء‮ ‬،‮ ‬ونتفنن في‮ ‬إنتاج المبيدات التي‮ ‬تقضى عليها،‮ ‬ومن ناحية أخرى فقد كان الأنين المؤلم الصادر عن الذبابة الخضراء‮ ‬،‮ ‬يجعلني‮ ‬اشعر بالحزن من أجلها‮ ‬والرغبة في‮ ‬إنقاذها‮ ‬،‮ ‬خاصة وأن الذبابة لم تعد تكتفي‮ ‬بالأنين بعد أن رأتني‮ ‬أقف قريبا منها‮ ‬،‮ ‬بل شخصت نحوي‮ ‬بعينين تلمع فيهما العبرات‮ ‬،‮ ‬تسألني‮ ‬بلغة الألم إلا أقف متفرجا على مأساتها وأن أتقدم بشهامة الرجال لإنقاذها‮ ‬،‮ ‬وأحسست إزاء عينيها الدامعتين،‮ ‬وآهاتها الحزينة‮ ‬،‮ ‬وجمال منظرها واخضرار جسمها الذي‮ ‬ظهر لامعا فوق خيوط الشبكة السوداء‮ ‬،‮ ‬كأن الحقد الذي‮ ‬يحمله بني‮ ‬البشر للذباب قد تبخر من قلبي‮ ‬،‮ ‬وانتصر في‮ ‬نفسي‮ ‬عامل الإشفاق والرحمة‮ ‬،‮ ‬على عامل النقمة‮ ‬،‮ ‬فقررت أن أتنكر للتراث التاريخي‮ ‬المعادي‮ ‬للذباب الذي‮ ‬صنعته البشرية ونقلته من جيل إلى جيل خلال ملايين الأعوام‮ ‬،‮ ‬وأمسكت من فوري‮ ‬بأداة خشبية تشبه العصا‮ ‬،‮ ‬ومزقت تلك الشبكة السوداء من الخيوط اللزجة التي‮ ‬وقعت الذبابة أسيرة لها‮ ‬،‮ ‬فانطلقت الذبابة ترفرف بجناحيها حرة طليقة‮ ‬،‮ ‬وفتحت لها الشباك فغادرت‮ ‬غرفتي‮ ‬وقد تحولت الآهات المؤلمة التي‮ ‬كانت تصدر عنها إلى صيحات فرح وغبطة بما تحقق لها من خلاص من الموت وعودة للطيران في‮ ‬الفضاء‮ ‬،‮ ‬بينما عدت أنا إلى كتابي‮ ‬،‮ ‬أطالع صفحات القصة البوليسية دون إزعاج‮ ‬،‮ ‬أبحث عن القاتل الذي‮ ‬يختفي‮ ‬بين السطور‮.‬


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home