Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 4 يونيو 2009

قصة قصيرة

طيف‮ ‬يضيء شرفة البيت‮

د. أحمد ابراهيم الفقيه

( إلى روح الكاتب الراحل محمد أحمد الزوي )

‬ ثمة مطر خفيف يهطل بالخارج ، إلا أن توقيته جاء متأخراً عن مواسم المطر، فقد تراجع الشتاء بكامله وانقضى حتى الآن أكثر من شهرين من أشهر الربيع ، وأطلت مع شهر مايو تباشير الصيف تعلن عن قدومه بموجات الحر المتلاحقة ، التي جعلت الناس يخلعون ملابسهم الكثيفة ويرتدون الملابس الخفيفة ويهرعون إلى فتح الكابينات التي يملكونها في المصائف المتراصة على امتداد شواطئ المدينة ويستنجدون بأمواج البحر على مقاومة أمواج الهجير.

كنت اجلس في ساعة متأخرة من الليل على مكتبي بغرفة المكتبة بالطابق الثاني من بيتي بضاحية شارع بن عاشور ، والمطر ينقر على أرضية الشرفة وزجاجها ، وصوت ريح خفيف يرافق المطر يهز الأشجار في البستان المحاذي للبيت ، وقد تركت الستار مفتوحاً أرقب باستمتاع هطول المطر من خلال الباب الزجاجي العريض الذي يقود إلى الشرفة ، وقد جاء ضوء مصباح من مصابيح الشارع ، يقع قريباً من البيت، يصنع بقعاً من الضوء تتسلل من اعرف الأشجار تضيء الشرفة وتجعلني أرى خيوط الماء تتراقص في الشرفة وحباته تضرب بعضها بعضاً فوق أرضيتها ، التي تحول بلاطها إلى ما يشبه ألواحاً من زجاج متوهج مشع ، تحت مسقط الضوء ، كنت ارفع بصري إلى هذا المنظر الجميل واهبط به فوق الورق استكمل كلمة رثاء في الصديق الكاتب الذي شيعناه إلى المقبرة عصر هذا اليوم محمد أحمد الزوى ، استحضر روحه وشخصيته وما مر بأحداث جمعتني معه ، وأقاوم الدموع التي تريد أن تنفر من مآقي العين ، واطوي في قلب أكوام الحزن الذي اعتراني عندما تلقيت صدمة موته ، وأحاول أن اكتب كلاماً خالياً من الندب والنحيب ، انشره في الصحف التي ستنشغل لعدة أيام قادمة بتخصيص صفحات لرثائه ، وقد اتصل بي بعض رؤساء تحريرها يريدون أن اكتب لهم مقالة عنه لمعرفتهم بخصوصية العلاقة التي جمعت بيني وبين الأديب الراحل وكنت قد قطعت شوطاً في كتابة المقال مستذكراً أنها ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها فجيعة موته فقد حدث أن تلقيتها سنوات قبل موته الحقيقي ، حيث نشر في ذلك الوقت خبراً كاذباً عن موته قتيلاً أو منتحراً ، في موقع بالانترنت ، قرأته وأنا خارج البلاد في الهزيع الاخير من الليل ولم تكن هناك طريقة اعرف من خلالها الحقيقة وكان لابد أن انتظر صاحياً باكياً حتى الصباح ، لأعرف أن الأمر كله حالة من حالات الغضب والكآبة ألمت به وجعلته يبتلع كمية من أقراص الأسبرين نقل على أثرها إلى المستشفى لإجراء غسيل معدة لإنقاذه واعتبرتها بعض مواقع المعارضة مؤامرة لقتله بعد ان أجزمت بوفاته ، ولكن تلك الحادثة المؤسفة لم تكن تحصيناً لي ضد صدمة موته الحقيقية التي تلقيتها هي الأخرى بشكل مباغث حيث كنت معه قبل ثلاثة أيام من وفاته وهو في تمام صحته وبهجته وتألق شخصيته دعابة وجمالاً وظرفاً ، كتبت بعض الأسطر ورفعت رأسي مرة أخرى أتطلع إلى الشرفة ،لحظة ان اخترقت الكون دفقة من النور الباهر وانتهت في ذات اللحظة بسبب لمعة خاطفة من البرق اضاءت الاجواء ، وتسمر بصري على مشهد طيف يظهر امامي في الشرفة ، وارى من خلال هذه اللوحة التي تختلط فيها عتمة الليل بأضواء المصباح ، وتخضب خلفيتها خيوط المطر صديقي محمد أحمد الزوى ينبثق فجأة واقفا خلف الزجاج وكانه هبط هناك مع شحنة البرق ، يرتدي قميصاً صيفياً مشجراً ، يغلب عليه اللون الوردي ، مقصوص الأكمام ، كما رأيته آخر مرة منذ أسبوع مضى في بنغازي، ونحن نحضر احتفالية المدينة بكاتبها الكبير صادق النيهوم ، وأراه في هذه اللحظة يظهر بوجه صبوح ، كأنه سعيد سعادة غامرة بوجوده في قلب الجو الماطر ، واقف لا يحميه شيء من ضربات الريح والمطر ، يستقبل الاثنين فوق وجهه بثغر باسم وقد انسدل شعره الأبيض الناعم الطويل يغطي رأسه وجزءاً من كتفيه وقد ازداد لمعاناً بسبب الضوء الساقط فوقه من المصباح ، كنت بالتأكيد سأهرع لأفتح له باب الشرفة واسأله أن يتفضل بالدخول رغم غرابة وجوده في هذه الساعة من الليل وسط شرفة لا سبيل إلى وصول إنسان إليها إلا إذا امتلك مهارات لاعب الاوكروبات في القفز وتسلق الجدران والمواسير، نعم كنت سأفعل ذلك لو زارني هذا الطيف أمس أو قبله بأيام ولكنني طبعاً لا استطيع في مثل هذا المساء ان افعل ذلك لأنني اعرف أن هذا الصديق الذي أراه واقفاً بقامته المديدة في الشرفة لم يعد له وجود في هذه الدار الفانية حيث كنت واحداً ممن وضعوا جثمانه في القبر وأهالوا عليه التراب حيث يرقد الآن بجوار غيره من قاطني مقبرة سيدي حامد قريباً من شاطئ بحر قرقارش ، وساهمت في تأبينه بخطبة ألقيتها وأنا أضع يدي فوق التابوت الذي يحمل جثمانه ، نعم كانت مفاجأة أن أراه ياتي بهذا الشكل المباغت ويقف وسط شرفة البيت ، وأحسست بشيء من الرهبة لحظة رؤيته ، وقد ظهرت من خلفه أشجار البستان سامقة تعانق ظلام السماء كأنها أشباح يغلفها السواد ، تصنع له اطارا مهيباً ، لولا ان ذلك الثغر الباسم وملامح الوجه الذي يفيض بالبشر والبهاء وحبات الماء المضيئة التي بدت وكأنها لآلي صغيرة تتدحرج فوق وجهه ،أزالت من نفسي الشعور بالوحشة الذي انتابني عندما فاجأني طيفه ، وبدأت استوعب المشهد وأحاول أن ابحث عن تفسير منطقي يتفق وطبيعة ما أرى ويستجيب أيضا للعلوم العرفانية التي أؤمن بها ، انه بالتأكيد ليس نوعا من خداع البصر ولا وسيلة يصطنعها الخيال وقد رأى ما يملأ وجداني من مشاعر الفقد يتوسل بها طريقاً لمعالجة هذا الاحساس بالفجيعة الذي يزلزل كياني لأنه لو كان الأمر خدعة أو وهماً أو صورة أنتجها الذهن ، لانتقلت صورته معي أينما اتجهت ببصري ولرأيته ينعكس على جدران المكتبة وأرففها المغطاة بالكتب كلما أجلت فيها البصر، وهو ما فعلته أكثر من مرة ، محدقاً في كل الفراغات بما في ذلك سقف المكتبة ، دون أن يظهر انعكاساً لأي آثر أو صورة يمكن أن احملها في ذهني ،وأعود احذق في الشرفة فأراه واضح الملامح ، مستمتعاً بهذه الوقفة الطويلة يرفع رأسه يستقبل المطر ويعاود النظر نحوي بعينين باسمتين كأنه ينقل لي رسالة صامتة عن سعادته وفرحه بالعالم الذي انتقل إليه ، بل انتبهت إلى وجود أشجار ورد ظهرت من حوله ومن خلفه وهي مثقلة بورودها الحمراء ، لم تكن موجودة من قبل واستنشقت عبيراً زكياً يفوح منها ويقتحم مجلسي رغم الحاجز الزجاجي الذي يفصل بيني وبينه حتى يغمر حاسة الشم لدي ، ويزيد يقيني بأنه حضور حقيقي لروحه متجسداً في شكله الذي اعرفه ، وان انكبابي فوق المكتب استحضر روحه وشخصيته لأكتب عنه قد افلح في استحضار هذا التجسيد لطيفه ، ليبلغني رسالة سأعمل جهدي لأفك شفرتها ، ولا أدري كيف ظهر في ذهني وأنا انظر إلى طيفه في الشرفة شريط الحياة التي جمعت بيني وبينه تتوالى في مشاهد ، أسرع انثيالًا من هبوط حبات المطر على وجهه ،التقينا في مطلع حياتنا الصحفية ونحن دون العشرين نتسقط أخبار أهل الفن ونشترك معهم في التمثيل كومبارسا في الإذاعة والمسرح ونردد معهم الغناء في الحفلات ونشارك في التصفيق ونتطوع في إقامة حملات الدعاية ونضحك لاهين عن كل ما يملأ الدنيا من هموم ، كان الضحك هو عنوان تلك الفترة المبكرة من حياتنا ، ثم كيف وجدت نفسي اشترك معه في ركوب طائرة واحدة تذهب بنا إلى لندن للإقامة فيها معاً وافتتاح فصل جديد من حياتنا يمكن أن يكون عنوانه الانغماس في تجارب الحياة حيث نقيم ولمدة أعوام في بيت واحد ونجلس في مقعد واحد اثناء الدراسة ، ونسهر في المراقص والملاهي الليلية ونرتاد المسارح والأندية والملتقيات ونشترك في المظاهرات الطلابية التي اجتاحت العاصمة البريطانية في تلك الأعوام من عقد الستينيات ، بل ونشارك في منتجعات فنية يقيمها الهيبيون فنأكل من طعامهم وننعم برفقة نسائهم ولا نتردد في دخول التجارب الوجودية التي يلجأون إليها بوسائل مثل الكيف وحبوب الهلوسة ، نريد تجريب كل شيء ، وان ننهل من الحياة في الغرب بكل ما تتيحه ، عارفين إن هي إلا فسحة قصيرة من الوقت نعود بعدها إلى مجتمع الفضيلة والتطهر والانغلاق والتزمت ، لننعم بعمق الإيمان وقوة اليقين الديني عارفين ان الله تواب غفور رحيم ، واذكر انه عبر حماسنا للتعرف على الأفكار الغريبة التي رافقت تلك الثورة الطلابية ذهبنا لحضور ندوة أقامها اتحاد الطلاب في جامعة لندن يناقش فيها عدد من الأساتذة فكرة الحياة بعد الموت بين العلم والدين وبعد استعراض ما يقوله الدين عن البعث والنشور والجنة والجحيم انتهى العلماء إلى أن هذه النظرة الدينية تنتمي إلى الفلكلور الشعبي الذي لا يصمد أمام العلم ، لان العلم لا يعترف إلا بحقائق الحياة ، وهذه الحقائق تقول أننا نولد في هذه الدنيا بلا وعي نحمله عن أي حياة قبلها لاننا جئنا من عدم يتنافى مع أي معنى من معاني الحياة،وسنخرج منها كما دخلنا إليها، أي إلى عدم وفراغ كذاك الفراغ الذي جئنا منه، وعندما حاول قسيس صغير السن حضر الجلسة أن يعارض هذه النتيجة وجد من السخرية والجفاء ما جعله ينسحب مهزوماً من المناقشة ، وكان المنطق الذي تكلم به هؤلاء الاساتذة كاسحاً جباراً لا يترك مجالاً للتفكير بحرية في الموضوع الذي جئناه ننتظر أن نسمع رأياً معارضاً ينتصر لوجهة النظر التي تربينا عليها في ثقافتنا الليبية العربية الإسلامية ، ولكننا وقفنا بعد المحاضرة ننظر إلى بعضنا البعض بلا نصير وإحساس بالذنب يملأ قلوبنا فهل يمكن ان نوافق على منطق هؤلاء العلماء ، ولكن هل نستطيع أيضا أن نقاوم هذا السيل الجارف من البشر والأساتذة الذين يناصرون الفكرة ، الموقف صعب ، وكان أن انبثق في ذهن محمد الزوي رأي يقول بأن الفكرة مؤجلة لا أحد يمكن أن يكتشف حقيقتها إلا لحظة الخروج من الحياة ، يمكن أن نعمل وفقاً لما يقوله الدين ولكن ما يقوله العقل سندعه ، إلى يوم أن تحين المنية ، ومضى يقول ، ولنتفق منذ الآن أن من تحين منيته قبل صاحبه لابد أن يظهر للأخر بإشارة تؤكد إذا ما كان هناك وجود لحياة بعد الموت . وهنا عند هذه النقطة بالذات توقف شريط الذكريات، أو بالأحرى بقى واقفا عند هذه اللقطة التي رأيت أنها تحمل سر ظهوره في هذه اللحظة. لقد مضت سنوات كثيرة على تلك المحاضرة وذلك العهد الذي قطعناه على أنفسنا، سنوات تعزز فيها الإيمان وانتهت رحلة الشك إلى يقين جعل كل منا يخط أجمل المقالات في حلاوة الإيمان ويؤدي فريضة الحج أكثر من مرة ويقوم بالعمرة وراء العمرة التي يعود بعدها ليكتب عن روحانيات الزيارة إلى قبر الرسول والحرم المكي ، ومع ذلك فقد رأى هذا الصديق أن يفي بعد موته بذلك العهد وأحسست وأنا أعاود النظر إليه انه رأى بشفافية الأرواح أنني قد وصلت إلى معرفة الرسالة التي جاء ينقلها لي فإذا به يهز رأسه موافقاً لما دار في ذهني ، وأعود للورق اكتب بعض الأسطر التي وردت في ذهني تنقل بعض الصور التي استحضرتها قبل أن تضيع مني ، وارفع بصري فإذا به كما انبثق طيفه فجأة ، تبخر فجأة ناقلا معه أشجار الورد التي جاء بها والعبير الذي تسلل إلى غرفتي وكأنه ينتمي إلى فراديس السماء وتوافق اختفاؤه المباغت مع ومضة برق أضاءت الأفق أمامي لبرهة وجيزة أعقبتها وحشة حطت على المكان . وبدأت الإضاءة في الشرفة التي نسبتها كلها إلى مصباح الشارع أكثر شحوبا وعتمة لان كثيراً من تلك الإضاءة كانت تنتمي إلى الهالة التي رافقت ظهور طيف هذا الصديق واختفت مع اختفائه .

لقد تزامن طلوع الطيف في الشرفة مع انهماكي في كتابة المقالة الحزينة عن رحيله ، وأنا احبس الدموع في عيني وأقاوم أمواج الفجيعة في قلبي ، فإذا به يحيل تلك الدموع وتلك الأحزان إلى بهجة هي بهجة حضوره وجميل الذكريات التي أيقظها ظهوره المباغت في ذهني ، و لأنني كنت أريد أن استزيد من هذه البهجة ، لم أكمل المقالة التي كنت اكتبها عن حياته ، تركتها لأكملها الليلة القادمة ، وجلست عندما جاء الليل في اليوم التالي استحضر روحه وعذوبة شخصيته واستذكر بعض مقالبه التي تحمل ظرفه وحسه بالدعابة والمرح ، متمنياً أن يظهر لي طيفه من جديد ولكن الطيف لم يظهر ، والمطر كان قد احتجب هذه الليلة عن الهطول ، ومر الليل ، كما ستمر ليالٍ كثيرة في المستقبل واجمة معتمة باهتة، مغطاة بأكوام كثيرة من السأم والضجر ورماد العتمة ، لأنه لا تضيئها الهالة التي تحيط بمحمد أحمد الزوى أينما حل ، ولا ترن في جناباتها ضحكاته المجلجلة السعيدة ، ولا تزينها أحاديثه التي اختفى منها حرف الراء بسبب اللثغة المحببة التي زادته ملاحة وظرفاً ، نعم يا أخي محمد لقد تلقيت الرسالة وآمنت بأنك باق بعد الموت في حياة أفضل من هذه الحياة راجع إلى ربك في جنة وسعها السماء والأرض، مصداقاً لقوله الكريم "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ، فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً" فاللهم اجعلنا من أهل اليسر والسرور إنك رحمن رحيم تواب غفور .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home