Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الجمعة 4 يونيو 2010

من كتاب المراثي

د. أحمد ابراهيم الفقيه

( هذه كلمات رثاء ودعت بها عددا من الادباء بعضهم اصدقاء اعزاء من ليبيا وبعضهم من مصر وبعضهم ادباء لهم صيت عالمي ، غادروا عالم الفناء الى عالم اكثر بقاء وخلودا ، نشرتها في الباب الاسبوعي الذي احرره بصحيفة القاهرة المصرية ، في فترات متفاوتة ، اردت ان اعيد نشرها مجتمعة لمن فاته الاطلاع عليها رغم انني نشرت بعضا منها متوافقا مع زمن الرحيل لعدد من هؤلاء المبدعين رضوان الله عليهم جميعا وبعضها مقالات رثاء غير تلك التي سبق نشرها في هذا الموقع كما في حالة الراحلين الكبيرين خليفة التليسى وفؤاد زكريا ، بادئا بآخر هؤلاء الراحلين الصديق العزيز والمبدع الكبير اسامة انور عكاشة)

اسامة انور عكاشة

هكذا تكون حياة البشر الافذاذ الذين يغادرون عالم الاحياء بعد ان يكونوا قد احدثوا تغييرا الى الافضل في منحى من مناحي هذا العالم، وتركوا اثرا عميقا في حياة معاصريهم يذكرونهم به ويحفظون لهم فضلهم ويسجلون لهم بالجميل والعرفان مآثرهم ، وهو ما حدث مع الراحل الكبير الاستاذ اسامة انور عكاشة رحمه الله.
تزامن مع وصوله الى سن النضج وصول التلفزيون الى مرحلة صار يحتاج معها الى تغذية قنواته بادب جديد يلائم مواصفاته ومتطلباته ويخاطب القاعدة العريضة من جمهور المتفرجين، ذوي المستويات الثقافية المختلفة، والمراحل العمرية المتفاوتة ، ويصنع لهم وجبات درامية يومية في شكل حلقات مسلسلة تشد بعضها الى بعض باحداث تربط ما مضى بما سوف ياتي ، وتكون نقطة يلتقى عندها هؤلاء المتفرجون فيما يسمى بلغة الميديا العالمية assembly point وهو اصطلاح يعني نقطة التجمع ، فعلى خريطة التليفزيون هناك دائما برامج للطفل واخرى للمراة ربة البيت واخرى للمراة الام واخرى للمرأة العاملة واخرى لكبار السن وهناك برامج للشرائح المختلفة : للعمال اوللفلاحين او للمثقفين واخرى لتغطية الاهتمامات المتنوعة رياضة او موضة او موسيقى او ثقافة او سياسة او علوم ، اما نقطة التجمع او ما يسمى الاسمبلي بوينت ، فهو المكان الذي تلتقى عنده كل هذه الشرائح ويرضى اصحاب كل الاهتمامات لان له قوة جذب تبزها جميعا ، وهو المهمة التي تقوم بها حلقات المسلسل الدرامي التليفزيوني الذي كان المرحوم اسامة انور عكاشة رائدا من رواده ، وسيدا من اسياد كتابته بشكله الذي اخذ شكل التأريخ الاجتماعي للناس من خلال مادة تحتوي على التسلية والجاذبية مع عمق المعالجة الادبية وثراء المضمون الاجتماعي ، وحقق ما تريده هذه الوسيلة من وسائل مخاطبة الجمهور بمصطلح الاسمبلي بوينت فكانت المسلسلات الدرامية التي كتبها الراحل الكبير للتليفزيون ودرتها ليالي الحلمية ، قد حققت جماهيرية بالغة وتابعها عشرات الملايين وتحلقت حولها العائلات في بيوت الوطن العربي وهي تذاع من قنوات عربية تسعى لشرائها واعادة بثها، بعد ان تكون القنوات المصرية قد سبقت باذاعتها . هناك بالتأكيد كتاب بدأوا كتابة التمثيلية التليفزيونية والمسلسل التليفزيوني قبل ظهور اسامة انور عكاشة على الساحة ، ولهم فضل الريادة مثل المرحوم سيد خميس الذي حول رواية الساقية للمرحوم عبد المنعم الصاوي الى مسلسل ناجح ، ومثل الكتاب الذين شاركوا في كتابة القاهرة والناس في ستينيات القرن الماضي ، وبعض كتاب المسلسلات التاريخية في عديد الاقطار العربية ، الا ان احدا لا ينكر الاضافة التي اضافها اسامة انور عكاشة عندما استطاع بعمق معالجاته وثراء مضامينه وبراعة تقنياته ان يؤسس لما يمكن تسميته ادب الدراما التيفزيونية الذي يستطيع ان يوازي فنون الرواية والمسرحية ويحرز على قصب السبق منهما في مضمار استقطاب الجمهور وسعة القاعدة الجماهيرية التي تشاهده .
سيفتقد الادب التليفزيوني سيدا من اسياده ، سجل بالتاكيد بادرة لم تحدث لاديب قبله في تاريخ الادب العربي منذ امرؤ القيس ،وهي شدة الطلب على المادة التي يكتبها وازدحام المنتجين والمخرجين الذين يسعون للحصول على انتاج منه ، الي حد كان يختفي فيه من هؤلاء المطالبين به ، ويرحل عن بيته ، بعيدا عن عناوينه المعروفة وارقام هواتفه ليتفرغ لانجاز واحد من طلبات هؤلاء المنتجين ، بينما يحدث العكس مع اغلب الكتاب الذين تحفى اقدامهم وهم يطاردون المنتجين والمخرجين فلا يجدونهم ، كما احدث اختراقا في عالم النجوم الذي كان احتكارا لاهل التمثيل والغناء ، فجعل الكاتب ايضا يصبح نجما ، يلهث المشاهدون خلف اسمه قبل اسم البطل او البطلة التي ستقوم بتمثيل المسلسل ، مات اسامة انورعكاشة الا ان التراث الذي تركه وراءه من هذه المادة الدرامية لن يموت ، و سيبقى غذاء لاجيال تاتي بعد رحيلة سوف تنهل هي ايضا من معينه وسوف تستمتع من رحيق مواهبه ، رضوان الله عليه.

محمد الشلطامي

عاملان جعل الاعتراف العربي والعالمي بالموهبة الكبيرة والمكانة العالية التي حققها الشاعر الليبي محمد الشلطامي يتاخر عنه وقد وصل هذا الاعتراف لمن هم اقصر منه قامة واقل موهبة في مجال الشعر هما الطبيعة الخاصة بالشاعر الذي يميل الانطواء والزهد في الاضواء والعامل الثاني عجز الاجهزة الثقافية والاعلامية علي توصيل الاشعاع الليبي الى الخارج فبقى الشاعر الذي رحل عن عالمنا الاسبوع الماضي محدود الشهرة بين احباب الشعر في ليبيا خلال مسيرة طويلة بدأها صغيرا دون العشرين من عمره في منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى وقت وفاته، وقد بدأ في صبوات الشباب يكتب شعرا حماسيا ، ثائرا ، غاضبا ، ادخله السجن وهو في سن الصبا، واكتسى شعره في العقود الاخيرة مسحة صوفية ، واكتسب لغة اكثر تركيبا وتعقيدا واقل مباشرة واتصالا بعالم السياسة وشعاراتها الزاعقة التي لونت مشاركاته الاولى في الحياة العامة واندماجه في الحياة الطلابية قبل اربعة عقود
لا تـقـل بـعـد رمانـا،
العشـق في الحانة أشـباحـًا هزيله
نحن لا نملك أن نختار في دنيا بخيله،
غير شكل الموت ملـفـوفــًا ،
بأوراق الصحـف‘
وقد افتتن طلاب الجامعة في الستينيات باشعاره ورفعوها شعارات يخوضون بها المسيرات والتظاهرات ضد السلطة وهي الاشعار التي جمعها في اكثر من ديوان صغير من بينها ديوانه الاول انشودة الحزن العميق ثم ديوانه تذاكر الى الجحيم وواصل رحلته الشعرية التي ادخلته السجن في الستينيات والسبعينيات وهو ينتمي الى منبت شعبي اصيل في مدينة بنغازي وبدا الحياة عصاميا لم يكتمل تعليمه الا بعد عدة انقطاعات واقتران لديه العمل بالدراسة حيث بدا الحياة العملية معلما في المدارس الابتدائية ثم وجد وظيفة في المكتبة الوطنية منذ انشائها فداوم العمل بها ، وينقطع عنها ثم يعود اليها ، كما حدث عندما عمل لفترة من الوقت في صحيفة يصدرها صديقه الفنان هاشم الهوني في اثينا ، ثم عاد الى رحاب المكتبة الوطنية يواصل مشوار العمل الوظيفي بها، ورغم الشهرة التي حققتها اشعاره التي امتزجت بحياة الطلاب في مواجهة السلطة ، فان شعره المتاخر الذي شابته مسحة صوفية يبقى هو شعره الذي يؤكد موهبته السامقة ومهارته في ادارة حوار شعري مع رموز الشعر الصوفي مثل السهروردي والحلاج ومحي الدين بن عربي وغيرهم ، وكان على المستوى الشخصي رجلا عامرا بالنقاء والصفاء انجاه الله من امراض المثقفين التي ياتي في مقدمتها النرجسية والتمحور حول الذات فقد كان انسانا دافئا عامرا بالمشاعر الانسانية والمحبة لزملائه الكتاب ولم اذكر يوما وانا التقي به داخل الوطن وخارجه ان سمعته يتفوه بكلمة نقد او يذكر انسانا بسوء حتى ممن عرفوا بسلوكهم العدائي من الكتاب والادباء
رفاقي
اتعشب في الفجر هذي الصخور
اتزهر فوق جدار الردى الامنيات
وهذي البذور
وترجع عبر الصدى الاغنيات
وتعبق في الموقد الذكريات
هنا منذ شهر مضى
هنا منذ عام مضى
هنا منذ قر ن مضى قام سور
وسجن وجيل من الهالكين
اسطر من شعره الذي ينتمي الى مرحلة الصبا كتبها في العام الثامن والستين ، وقد توافق ظهوره في ساحة الشعر لحظة غياب فاجع لشاعر مجيد هو على الرقيعي فكان قادرا على ان يملأ الفراغ ويعيد لانثى الشعر الثكلى التي فقدت ابنها النابغة ، شيئا من الفرح وهي ترى الامل يتجدد بظهور شاعر منح حياته وصوته للجماهير واندمج مع قضايا الوطن الى حد الفناء ، شمله الله برحمته ورضوانه .

مفتاح الاسطى عمر

رحل عن عالمنا منذ ايام قليلة مضت رجل من رجالات الادب والسياسة والطب والحكمة هو الدكتور مفتاح الاسطى عمر، اشتغل وزيرا للصحة في بداية العهد الثوري في ليبيا فعمل على تاسيس بنية تحتية للخدمات الصحية ، استمرت تعمل بهمة ونشاط تحت ادارته ولحقها الاعياء والاخفاق بعد تركه للمنصب الوزاري الا انه لم يترك العمل السياسي اذ تم انشاء مؤتمر الشعب العام واختاره اعضاء المؤتمر امينا عاما له ، في بدايات التاسيس لهذا المؤتمر فكان ضالعا في صناعة الكوادر والمؤسسات والاطر الادارية والمالية التي ضمنت لهذا المؤتمر الاستمرار بعد تركه له، وانتقل بعد ذلك للعمل في قلم القيادة رئيسا لهذا القلم في مطلع الثمانينيات حيث تعرفت اليه وتعاملت معه واذكر استبشاره وفرحته عندما تم تصعيدي من قبل الادباء والفنانين امينا للاعلام والثقافة قائلا انه يثق بان حقل الاعلام والثقافة سيجد الان من يستطيع ان يعالج العلل والادواء الذي اصابته وعندما تأخر اقرار هذا التصعيد اتصلت به مستأذنا في الانسحاب الا انه اكد لي ان هذا التاخير بسبب عنصر في اللجنة يخضع ملفه لمراجعة امنية ، ولانني كنت في ذلك الوقت استعد للدفاع عن اطروحة الدكتوراه خارج البلاد طلبت الاذن بالسماح لي في السفر ، وطلب مني تاجيل السفر وعندما الححت قال انه سيطلب لي الاذن بذلك وجاء يقول لي في اليوم التالي انه حصل على الاذن شرط الا اغيب طويلا ، ولكنني فعلا غبت اسابيع كثيرة كنت اعرف خلالها ان المنصب لن ينتظرني وحدث اثناء دورة جديدة للتصعيدات الشعبية ان تم الاستغناء عن امانة الاعلام والثقافة وتحولت الى لجنة ادارية عهد بها الى زميلنا العزيز الاستاذ عبد الرحمن شلقم ، وخرجت من هذه المعمعة بصديق تواصلت صداقتي معه الى يوم وفاته ، وكان بعض الناس يأخذون عليه عبارات التمجيد والشكر الكثيرة والكبيرة التي يستخدمها في خطبه ويلومونه ظنا منهم انه يفتعلها افتعالا غير مدركين انها تعبير عن كرم روحه واريحيته وهي كلمات استخدمها معي رغم انني لا املك باسا يخشاه ولا خيل عندي ولا مال كما يقول المتنبي ، يرجوها المادحون ، ومع ذلك استخدم وهو يقدمني لاخذ جائزة القذافي لحقوق الانسان تعبيرا كبيرا ربما لم اسمع احدا في بلادي يناديني به ، وعندما جاء من يلومه لانه استخدم هذا التعبير في وصفي رد ردا افحم لائميه قائلا كيف ابخل به على كاتب من ابناء وطني وقد قرات صحيفة اجنبية تصفه بهذا الوصف ، وكان الوصف الكبير هو صفة العبقري . وقبل اشهر من وفاته ذهبت لزيارته في مكتبه وقد وجدته كسير القلب يتكلم بصوت فيه وهن واعياء وقد احس بدنو الاجل قائلا بانه يأسف لانه لا يرى في ختام حياته عالما عربيا موحدا قويا كما كان يحلم به ، فقلت مشجعا ان الاعمار بيد الله ، وان المنية عندما تحين لا يشعر الانسان بعدها باحباطات هذا العالم وكوارثه لان هناك حسابات اخرى ومقاييس اخرى غير مقاييس هذا العالم وضربت مثلا بايات من القران يتحدث فيه الله عن اليوم الذي يكون مقداره الف عام وفي اية اخرى هناك يوم يكون مقداره خمسين الف عام ، فكيف مع مثل هذه الحسابات يستقيم ان ننظر للاحداث بمقاييس هذا العالم بعد ان نغادره . ولم اعرف الا اثناء حفل التابين انه كان شجاعا في مواجهة الموت الى حد طلب فيه من صديقه الشاعر الشعبي الاخ جمعة بوفضيلة الزوي ان يرثيه فاجابه الرجل مستغربا كيف يمكنه ان يرثي صديقا على قيد الحياة فالح عليه المرحوم ان يكتب له المرثية التي يريدها لما يغامره من احساس عارم بدنو الاجل فكتب الشاعر مرثيته التي القاها امامه قبل وفاته ثم اسمعنا اياها في حفل تابينه والتي يقول مطلعها
نرثيك ، كيف ما نرثيك
وانت كل ما تجيد القوافي فيك كان الدكتور مفتاح الاسطى عمر شاعرا كبيرا جمع بعض شعره في ديوان ،وبقى كثير مما لم يجمعه وهو ما اتمنى من اسرته ان تتولى مهمة جمعه واصداره في ديوان جديد ، عليه رضوان الله.

يوسف الشريف

قطعة جميلة من ارض مصر الادبية والثقافية رحلت مع رحيل فنان الحياة ومؤرخ الازمنة الجميلة الكاتب الصحفي الصديق الاستاذ يوسف الشريف عليه رضوان الله ،وقد كان الراحل قيدوما كبيرا في مجاله الصحفي ، كتب بحب واتقان وعمق عن القضايا العربية التي سخر لها قلمه ، مثل كتاباته الصحفية ذات الطابع التخصصي عن السودان الذي عرفه وعرف اهله عبر اربعين رحلة صحفية جاب خلالها ذلك البلد الشاسع طولا وعرضا وعرف اهله البسطاء كما ربطته علاقات قوية مع قادته التارخيين وصانعي استقلاله مثل محمد احمد محجوب واسماعيل الازهري ومن جاء بعدهما مثل الصادق المهدي والنميري الى حكام هذا الزمان ، وكتب عن بلد عربي اخر هو ايضا سافر اليه كثيرا وعرف اهله وتشرب ثقافته وغطى احداثه باستاذية وعمق هو اليمن بشماله وجنوبه ، غير انشغاله بهموم محلية تتصل بالسياسة والاقتصاد والاجتماع في بلده مصر سخر قلمه للتعبير عنها بصدق وامانة وغيرة وطنية ، هذا هو الجانب الصحفي المهني ، ولكن اهمية يوسف الشريف وجوانب الجمال في حياته ، انما تقع في الجانب الانساني الشخصي ، وخارج اطار المهنة والحرفية والاتقان والتخصص وغيرها من مزايا هذا القلم الشريف النبيل القدير، انها تكمن في الزمن الجميل الذي عاشه صحبة عباقرة من ابناء مصر تفننوا في حب الحياة وحب الادب وحب الفن ، وتعرف عليهم صغيرا ورافقهم حتى اخر يوم في حياتهم ، وانطلقوا وتركوه ليكتب تاريخهم وتاريخ زمانهم وما زخر به من احداث طريفه واخرى شجية وما يمكن اعتباره زمنا متميزا بوجود هؤلاء النوابغ والعباقرة ، وقد كتب كتابين متميزين ، احدهما عن استاذه ورفيقه كامل الشناوي ، يقدم صورة قلمية ثريه عن هذا الشاعر العاشق للحياة ، ويقدم ايضا صورة زاهية الالوان عن عصر الشاعر وعن رفاقه وعن عباقرة كان يعيش بينهم من امثال بيرم التونسي والخميسي والشرقاوي وغيرهم ، ثم خص عبد الرحمن الخميسي باعتباره شيخا من شيوخ الطريقة في الفن والصعلكة والحياة الحرة ، وقدم من خلال ذلك الكتاب رفاق الخميسي واهل زمانه واعضاء فرقته المسرحية من الفنانين وابطال افلامه مثل احمد مظهر وفاتن الشوباشي التي تزوج منها وغيرهما ، ولم يكن بامكانه ان يكتفي بهذين الكتابين عن الزمن الجميل واهله فكتب كتابا ثالثا ، لم يخصصه لاحد بعينه هذه المرة ولكن عنهم جميعا وعن اخرين من اهل ذلك الزمان جمعته بهم مهنة الفن والسهر والكتابة والصحافة والصعلكة اسماه صعاليك الزمن الجميل ، وعاش اعوامه الاخيرة في حنين غامر الى اولئك الرفاق ، ورحيله الاسبوع الماضي الى عالم البقاء لم يكن في الحقيقة موتا ، ولم يكن نهاية حياة وطريق ، وانما كان تلبية من رب الكون لرغبة حميمة كانت تراود يوسف الشريف هو ان يلتحق سريعا باولئك الرفاق والصحاب الذين سبقوه الى العالم الاخر ، وبينهم اخته الكاتبة الصحفية ذات الاسهامات المتميزة الاستاذة الكبيرة عايدة الشريف ، رحم الله صديقنا وحبيبنا يوسف الشريف ، ورحم الله رفاق الزمن الجميل الذين سبقوه وسافر للالتحاق بهم ، ورحم الله الزمن الجميل الذي ذهب بذهابهم ، وعوضنا وعوض الوطن وعوض الصحافة والادب والفن في الجميع خيرا ، وانا لله وانا اليه راجعون .

ابوالقاسم المزداوي

سجل الضحايا الذين يقضون نحبهم بسبب حوادث المرور في ليبيا سجل مرعب، لا ادري ان كان ثمة سجل اخر في العالم يضاهيه رعبا، ولا املك الان تحت يدي احصائيات للمقارنة بين ليبيا وغيرها من البلدان ، الا ان الشكاوى في ليبيا من كوراث المرور شكاوى متكررة تملأ الصحف والاذاعات ويرسل اصحاب البرامج الاصلاحية وحصص الارشاد المروري النداءات تلو النداءات للناس بان تحترس عند القيادة وتطالب السائقين بعدم التهور في السرعة والالتزام بقواعد وقوانين المرور على الطرقات لاقلال هذه الكوارث التي يتساقط ضحاياها بالعشرات كل يوم كان في البلاد حربا اهلية، الا ان السجل فيما يبدو لا يزداد الا رعبا واستفحالا.
وقد فجعت الاوساط الثقافية يوم الجمعة 21 من شهر مايو بوفاة شاعر في اوج الشباب وناشط ثقافي يقود عددا من المنتديات ويسهم في تحرير عدد من الملاحق والاركان الثقافية هو ابو القاسم المزداوي اثر حادث فاجع اليم ، فقد مات وهو يعبر الطريق ، سيارة تنهب الاسفلت بسرعة جنونية في منطقة تجارية قرب غريان خطفت في عجلاتها الرجل ودهسته ليموت على الفور ، قبل ان يلحقه أي اسعاف او انقاذ.
مات ابوالقاسم المزداوي ، الشاعر والاديب والصحفي ، الذي كان يمتليء نشاطا وحيوية وحماسا للمشاركة والمساهمة في كل محفل ثقافي وكل فعالية ادبية ، محبا لزملائه الادباء ، يحتفي بانتاجهم ويقيم الندوات لتكريمهم ، ويكتب في الصحف مشيدا بجهود من توفر على جديد في ابداعه ، ويستقبلهم في رابطة الادباء هاشا باشا لا تفارق الابتسامة وجهه ، بل رايته اكثر من مرة يمضى متواضعا يحضر القهوة بنفسه لضيف من ضيوف الرابطة او زائر من زملائه حضر بعد غياب يمتليء تواضعا انسانيا جميلا وقد انجاه الله من عقد النقص او عقد التفوق التي كثيرا ما يبتلي بها الله بعض عباده المبدعين فيقترن ابداعهم ببعض هذه العاهات والمثالب النفسية .
فجيعتي فيه تتضاعف بسبب انه لم يكن زميلا وصديقا فقط ، وانما كان اكثر من ذلك واحدا من ابناء قريتي يصغرني سنا اكثر من ثلاثة عشر عاما ، ومعنى ذلك انه وبعض ابناء القرية ممن تنكبوا طريق الادب مثلي وجاءوا لهذا المجال بعد سنوات كثيرة من ارتيادي له، يرونني امامهم قدوة ومثلا ، ويسعون في مطلع حياتهم للقائي قبل سعيهم للقاء أي كاتب اخر غيري مهما كانت درجة اعجابهم به تفوق درجة اعجابهم بي ، لانني موجود ومتوفر وقد يصادفني الواحد منهم في القرية وهو لا زال تلميذا لم يغادرها بعد ، فنشأت صداقتي معه ومع عدد من ادباء القرية منذ وقت مبكر من حياتهم الادبية ، وتابعت نشاطه وصعوده في المجال الادبي وهو يزداد نضجا مع السن والتجربة حتى صار واحدا من ادباء الطليعة ، يشارك في توجيه الحياة الثقافية ، وقد يتخذ موقفا ساخطا او معارضا لبعض التوجهات التي تتخذها الاجهزة الرسمية في مجالي الاعلام والثقافة ، فلابالقاسم المزداوي ملاحظات كثيرةعن سياسة النشر وعن بعض الممارسات التي كثيرا ما طرح رأيه فيها بقوة وشجاعة وصراحة مما اكسبه احتراما داخل الوسط الادبي . وسيفتقده الزملاء الذين كان يحملهم في قلبه ويحملونه في قلوبهم شهما جميلا صادقا امينا محبا موهوبا شديد التألق والحساسية بالغ الرقة والعذوبة، رحمه الله وغفر له ولنا وانا لله وانا اليه راجعون .

يوسف بالريش

عندما قرأت خبر وفاته ، فاجأني انه يموت عن عمر يناهز السابعة وخمسين عاما ، وكنت اظنه اصغر من ذلك بكثير، ربما لانني عرفته في بواكير شبابه في مطلع السبعينيات ياتي متعثرا في خطاه يقدم نصا للصحيفة التي كنت اعمل رئيس تحرير بها ، او يسهم في التحضير لمسرحية من مسرحيات كنت انشط في كتاباتها واخراجها في تلك الفترة ، فانظر اليه ضمن مجموعة الشباب الذين احاول ان ادفع بهم لاثراء الحركة الادبية والفنية وبينهم طلاب لي في معهد التمثيل والموسيقى ، وظلت صورته في ذهني مرتبطة بتلك المرحلة ، رغم انه منذ ذلك التاريخ صارت له اسهامات وضعته على خريطة الانتاج الادبي والفني في ليبيا كواحد من اغزر المبدعين انتاجا واكثرهم تنوعا وتعددا في المواهب فهو كاتب قصة وهو رجل مسرح يقوم بالكتابة والاخراج لعدد من الفرق المسرحية التي تولى ادارة بعضها، وهو فوق كل ذلك منتج للاذاعتين المرئية والمسموعة له برامج امتد عمرها لعشرات الاعوام مثل برنامج يقوم باعداده باسم امواج الخير ، من واقع خبرته كموظف يلتقط رزقه من خلال وظيفة حكومية مع امانة النقل البحري ، بينما جعل انتاجه الادبي والفني يتواصل في اطار الهواية وهو كذلك مترجم كان اخر حصاد لترجماته مسرحيات جميلة لواحد من شعراء بريطانيا الذين احبوا العرب وانتصروا لقضاياهم الشاعر والكاتب المسرحي الكبير الذي رحل منذ اعوام قليلة عن عالمنا جون هيث ستبس.
وكنت اراه بين الفترة والاخرى فاري رجلا يمتليء حماسا وحبا للمجالات الادبية والفنية ، متطوعا بهمة ونشاط في كل ما يتصل بالشأن العام ، يسهم في تنظيم الملتقيات الادبية والفنية ويحرص على اقامتها واستمرارها بالجهد والتعب ،ومواصلة العمل بالليل والنهار لانجاحها ، لا يعرف الكلل او الملل او التبرم بتنطعات الاخرين الذين لا يعملون ولا يتركون الناس يعملون ، يحمل ابتسامته فوق وجهه ويمضى في الحياة منتجا فاعلا محبا للناس والحياة ، وكان غريبا ان اسمع ان هذا الانسان الجميل المحب للبشر المقبل على الدنيا يصاب بجلطة في المخ ، تعطله فترة عن العمل والمشاركة في المحافل الادبية ، ثم عاد يمارس نشاطه بعد ان تعافي واختفت اثار الجلطة من جسمه ، ولم يبق منها الا ثقل وبطء في حركة قدميه . وفرحت عندما التقيت به منذ فترة مضت في طرابلس ، ورايته يشارك في تنظيم ندوة اسبوعية قصصية في فندق الصفوة كل يوم جمعة فحرصت على حضورها ووجدت الزميل يوسف بالريش عنصر تنشيط وتحفيز لاعضائها ، وعندما قرأ احد اعضاء الجلسة نصا قصصيا بادر هو بالتعليق عليه باحثا عن شتى الجوانب الجمالية فيه موجها عددا من الملاحظات الذكية والعميقة لصاحب النص وبروح المسئولية الممزوجة بقدر من الود والمحبة ، وافرحتني روح التفاؤل والمرح التي يتصرف بها رغم اثار المرض ، الا انه كان فرحا كاذبا فبعد اسبوع واحد من هذا اللقاء الذي عدت بعده الى القاهرة، جاء الناعي ينعى لنا انتقال الكاتب والمترجم والمسرحي والاذاعي الزميل يوسف بالريش الى الرفيق الاعلى ، عليه رحمة الله ورضوانه .

فؤاد زكريا

كان فاجعا ان اقرأ ذلك المربع الصغير في الصفحة الاولى لصحيفة الصباح يحمل صورته وكلمات نعي له، ليضع ذلك النعي الصغير نقطة الختام في حياة غنية جليلة نبيلة حافلة بالنضال الفكري والمواقف الشجاعة والمعرفة الغزيرة الموسوعية التي لا تكتفي بالبقاء في ابراجها الاكاديمية وانما تنزل الى ساحات الصراع في الحياة لا تهاب الاحتراب وامتشاق سلاح الكلمة في الدفاع عن قيم الحق والعقل والجمال ، ضد قوى القبح والخرافة والباطل ، نعم رحل اخيرا عميد اهل الفلسفة العرب استاذنا الدكتور فؤاد زكريا بعد ان رحل قبله بسنوات قليلة عمداء مثل عبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود ومحمود امين العالم باعتبارهم اخر الراحلين من فرسان هذا المجال ، وبقى هو قويا شامخا كالطود يتصدى لارتال من نمل الخرافة الزاحف على حياتنا دون هوادة ، نعم ، لقد اصيب قبل سنوات قليلة من رحيله بجلطة في المخ ، استطاع ان يخرج منها سليما ، بعد ان تركت بعض الاثر في حركته ، وبعض الاثر في صوته ، لكنها اطلاقا لم تصل الى ملكاته العقلية التي ظلت في تمام توهجها والقها ، وواصل استخدام هذه الملكات في شجاعة نادرة ، وقوة ضمير وايمان بالمثل والقيم لا يهاب ولا يخاف اية قوة ولا تفلح في ان تزحزحه عن موقعه ، ولن اتكلم عن اسهامه المتميز في مجال تخصصه الفلسفي الاكاديمي فهو ما كان متيسرا له ولغيره من نوابغ الفلسفة العرب حديثا وقديما ، مثل كتبه عن نيتشه وسبينوزا ونظرية المعرفة والانسان والحضارة وافاق الفلسفة وغيرها وغيرها من التآليف الفلسفية ولا تدريسه على مدى خمسة عقود في جامعة عين شمس وجامعة الكويت ولا توليه مسئوليات التحرير في عالم الفكر ومجلة الفكر المعاصر ولكنني احب ان اتكلم عما تفرد فيه ، وتميزبه عن غيره ، وهو التعبير بوضوح وشجاعة عما يراه الحق ، وعما يصب في الدفاع عن الفكر العقلاني وحرية القول والتعبير والتفكير وحقوق الانسان ، لا يهادن ولا يتراجع ولا يتهته ولا يغمغم ، فقد تصدى لما يسمى الصحوة الاسلامية وفضح ما تحمله من ردة وما تمثله من تراجع للفكر العقلاني ، وتحدث عما نسميه في ادبياتنا الغزو الثقافي واثبث بطلان هذا القول مفرقا بين الاستفادة من منجزات العصر والتصدي لمناحي الهيمنة في سياسات الغرب، وفي اوج الاحتفال بشعارات الثورة العربية تصدى لما يمكن ان تحمله من تجاوز وما يمكن ان تثيره من غبار يغطي على انتهاكات لكرامة المواطن وحقه كانسان وكان واضحا في ادانته للجانب القمعي البوليسي في التجربة الناصرية ، ورغم ما يحيط العمل الفدائي من قداسة فقد اقتحم ميدانه ملقيا ضوءا ساطعا للتفريق بين ما يسيء للقضية وما يعود بالنفع عليها منتصرا لثقافة الحرية والحياة ضد ثقافة الموت والعدمية ، وطبعا كان واضحا في وقوفه ضد ما رافق غزو الكويث من غبار اعلامي يدمج الحق بالباطل ويسوق الطغيان في قوالب القومية العربية ، وكان واضحا ايضا حتى فيما اثاره غزو العراق من مشاعر وانفعالات ضد الغزو والاستعماري ، رافضا ان يضع ما حدث في سياق ما عرفته شعوب الامة العربية من غزوات استعمارية لكي لا يعطي المبرر لقوى التكفير ترتكب مجازرها موضحا ان هناك من التداعيات الناتجة عن الحكم الديكتاتوري اكثر مما يمكن نسبته للحملات الاستعمارية ، اما ما نسميه تراثا واصالة فقد كان واضحا في ان الاحتفاء بالتراث هو في تجاوزه والانطلاق منه الى افاق الحداثة والتجديد . والان وقد رحل استاذنا المفكر الجليل فلا اقل من ان نعمد الى حصاد رحلته ننتقى منه ما يمكن ان يكون غذاء لعقول ابنائنا من تلاميذ وطلاب المراحل المختلفة لنشيد به ترسانة تحميهم من زحف الدجل والخرافة .

الحارس في حقل الشوفان

هذا كاتب اخر ، من كبار كتاب القصة والرواية في امريكا ، يغادر هذا العالم بعد بلوغة التسعين من العمر ، ولم يكن حصاد رحلته كثيرا ، فقد كتب مجموعة قليلة من الاعمال السردية ، الا ان شهرته ارتبطت برواية واحدة صدرت منذ ستين عاما ، هي رواية الحارس في حقل الشوفان ، انه الكاتب جي دي سالينجر التي صارت هذه الرواية اسما ثانيا له و بعد ان حقق شهرة واسعة بها في مطلع الخمسينيات انسحب من الحياة وعاش معزولا في كوخ بجوار احدى الغابات ، ممتنعا عن المشاركة في الحياة العامة ، او الاهتمام بالنشر والكتابة ، بعد عدة قصص قصيرة ومتوسطة الطول ، الا ان رواية الحارس في حقل الشوفان تبقى هي عمله الاكثر شهرة والاكثر طولا ، ولعله كما ذكرت بعض المصادر يكتب لنفسه دون اهتمام بالنشر ولكنه لم يكن يحتاج لنشر أي انتاج من اجل ان يتحصل على دخل يعيش به ، لان رواية الحارس في حقل الشوفان ، كانت كفيلة وحدها بتحقيق ما يكفيه من دخل ، فقد قرأت في المواقع التي نقلت خبر وفاته ان توزيع هذه الرواية بلغ ستون مليونا من النسخ ، واذا اخذنا هذا الرقم ووزعناه على عدد الاعوام التى مرت على نشر الرواية فمعنى ذلك انه كان يجني حقوق الملكية الادبية عن مليون نسخة كل عام ، واذا اعتبرنا ان معدل هذه الملكية هي دولارا واحدا عن كل نسخة فان دخله سيصل الى مليون دولار سنويا وهو في حالة الاعمال الناجحة يصل الى عشرين وثلاثين في المائة من ثمن الغلاف ، ومعنى ذلك ان دخل الكاتب من روايته لن يكون اقل من ثلاثة او اربعة دولارات بمعدلات اسعار الكتب هذه الايام ، اي ان كتابا ناجحا يكتبه مؤلف امريكي يمكن ان يضمن له دخلا كبيرا على مدى العمر مهما امتدت به سنوات هذا العمر ، سالينجر من مواليد 1919وشارك كجندي في الحرب العالمية الثانية وعاد ليعيش في نيويورك ويكتب لمجلة نيويوركر عددا من القصص القصيرة وفي عام 1951 اصدر روايته التي حققت له شهرة واسعة ووصلت الى هذه الارقام الكبيرة في التوزيع لانها كانت باكورة اعمال ما يسمى ادب الغضب وبطلها شاب مراهق اسمه هولدين كولفيلد جعله يمثل جيل التمرد الذي خرج في بواكير الحرب الباردة وبعد اعوام من انتهاء الحرب العالمية الثانية الى حد ان اصبحت انجيلا للشباب في امريكا وانتشر في تلك الفترة تعبير كلنا هولدين كولفيلد يردده شباب الجامعات وغيرهم خارج الجامعات ومن المفارقات التي تذكر في هذا السياق ان الشاب الذي قتل قائد فرقة البيتلز جون لينون كان يحمل كتاب الحارس في حقل الشوفان في يده ، ثم جلس بعد ان اطلق الرصاص على المغني المشهور يقرأ الكتاب في انتظار القبض عليه. وقد نشرت الرواية في العالم العربي وقام بترجمتها الروائي الاردني الراحال غالب هلسا ، والحقيقة فان ما دعاني لكتابة هذا التنويه بالكاتب في اسبوع رحيله ، وبروايته الشهيرة هو هذا الرقم المهول الذي يمكن ان تصله رواية من الروايات في توزيعها ، رغم ان الرواية لم تكن تلقى تشجيعا رسميا من المدارس كان نقول ان سبب ارتفاع ارقام التوزيع ياتي من تقريرها في مناهج الدراسة كما يحدث مع القصص الكلاسيكية او اعمال شكسبيربسبب لغتها التي قد تخرج احيانا عن اللغة المهذبة المعتمدة في الكتب المدرسية ، وانما جاء التوزيع من مجرد القراءة الحرة ، وبقاء الرواية على قوائم الكتب ذات التوزيع المرتفع رغم ان كاتبها اختار بارادته ان يعتزل المجتمع الادبي ويانف من الدعاية والظهور واعطاء المقابلات للصحف او الاذاعات المرئية والمسموعة وبقى يمارس مع نفسه رياضات روحية بعد اعتناقه لمذهب الزن في البوذية رغم انه مولود لعائلة يهودية لكنه في فترة مبكرة من عمره تخلى عن اتباع التعاليم اليهودية واعتنق البوذية التي اوصلته في مرحلة من عمره الى اعتزال العالم.

صاحب قصة حب

منذ ايام قليلة توفي في لندن الكاتب الامريكي ايريك سيجال ، وهو كاتب صنع لحظة توهج واشعاع في تاريخ الادب الامريكي ، ولمع كما يلمع الشهاب ثم انطفأ بعد ذلك ، فقد جاء من المجهول وعاد الى ما يشبه المجهول بعد تلك الالتماعة الخاطفة ، وقد جاءت تلك الالتماعة عندما حاول التأريخ لقصة حدث تراجيدي عاشها زميل له احب امراة ودخل صراعا مع والده الغني ، وتحمل حرمان الوالد له من تروثه وطرده من بيته وتزوج حبيته الفقيرة التي اكتشف بعد فترة قصيرة انها مصابة بسرطان الدم الذي ماتت به ، ولم تقبل الوكالات الادبية ودور النشر هذه القصة بشكلها الذي كتبه به ايريك سيجال اواخر عقد الستينيات ، فنصحته سيدة تعمل باحدى الوكالات الادبية ان يحيلها الى رواية بدلا من شكلها الذي كان اقرب الى تاريخ لسيرة حياة ذلك الصديق ووضع لها عنوانا يتفق ومضونها هو قصة حب ، ووجدت القصة ناشرا ، وحققت ذيوعا وشهرة فور نشرها ، واقبل القراء على شرائها لتصبح اكثر الروايات مبيعا في ذلك الوقت وربما لاعوام كثيرة قبل وبعد صدورها وحطمت كل الارقام القياسية في توزيع الكتب ، باعتبارها احدى اشهر الرويات الرومانسية في العصر الحديث ، وبسرعة اقبلت السينما على انتاجها وكلفت الكاتب ايريك سيجال بكتابة المعالجة السينمائية للرواية ، وحقق الفيلم ايضا شهرة واسعة وحطم هو ايضا الارقام القياسية في الايراد الذي حققه شباك التذاكر واصبح اسم ايريك سيجال على كل لسان وصارت الجملة التي يرددها البطل في الفيلم ويختم بها فصله الاخير والتي تقول (( الحب معناه انك لا تحتاج لقول كلمة آسف ابدا )) لان الحب يغفر ويعفو ويسامح ولا يطالب الطرف الثاني بقول كلمة تعني الاسف.
هذه هي قصة الرواية التي اعادت عصر الرومانسية الى الادب وهذه هي قصة الفيلم الذي اكتسح شاشات العالم منذ اربعين عاما ، وهذه هي قصة الكاتب الذي تغني باسمه الطير في ذلك العام ونال اموالا كثيرة من حقوق تاليفها وانتاجها للسينما ، ولم يكن هذا النجاح الذي حققه الكاتب براويته قد جاء من فراغ فهو استاذ جامعي متخصص في الادب اليوناني القديم وله اسهامات في هذا المجال يعتبرها اهل الاختصاص مراجع لها مكانها في عالم اكاديميا ، وخارج هذه الدوائر المحدودة ، فان شهرته العالمية الواسعة التي جاءته من رواية قصة حب ، انحسرت عنه بعد انقضاء فترة عرض ذلك الفيلم ، ولعله كتب قصة اخرى او اكثر من قصة ، واصدر اكثر من رواية وربما ساهم في كتابة اكثر من فيلم ، الا انها كلها لم تفلح في اعادة اسمه الى الساحة العالمية ولم تتكرر في حياته تلك الشهرة الكاسحة التي حققها بعد صدور الرواية وعرض الفيلم ، واختفت اخباره من اعمدة الصحف ومن مراجعات الكتب في الدوريات الادبية ولم يعد يسمع احد شيئا عن الكاتب الامريكي ايريك سيجال ، ومهما كان له من جهود ادبية فقد ظلت محصورة في دائرتها الاكاديمية الصغيرة حيث تقول سيرته انه انتقل بين اكثر من جامعة واستقر في اعوام عمله الاخيرة في جامعة اكسفورد في بريطانيا ثم زحف عليه مرض الزهايمر ليضع نهاية لهذا النشاط الاكاديمي بعد ان غمر النسيان نشاطه الادبي ، جاء نعيه منذ ايام مضت باعتباره كاتب قصة حب ، التي كانت بالنسبة له بيضة الديك ، التي لم تسبقها ولم تلحق بها اية اعمال اهتم بها النقاد او القراء .

شعبان القبلاوي

اذكر انني ذهبت اليه في العام الاول من عقد الستينيات احمل نصا جديدا مترجما الى العربية هو مسرحية في انتظار جودو لصمويل بيكيت لكي اعرض عليه ان يقوم ببطولتها لصالح الفرقة الجديدة التي انشأتها ، واسميتها المسرح الجديد ، وكانت فرقة من الهواة رايت ان مسرحية من هذا النوع ، تنتمي لنوع من المسرح لم يسبق ان تم تقديمه في بلادنا سيكون اعلانا عن توجهات الفرقة وخطها المليء بهاجس التجديد والتطوير والحداثة ، وكان الممثل الكبير الاستاذ شعبان القبلاوي في ذلك الوقت ملء السمع والبصر ، يكبرني باكثر من عقد ونصف وله سجل حافل في التمثيل ، ولهذا كنت متهيبا ، غير واثق من انه سيقبل المغامرة بالعمل في مثل هذا النص المعقد ، المكتوب بطريقة لم تالفها الذائقة المسرحية التقليدية ، ومقدم العرض شاب صغير لا اسم له ولا تاريخ ، فاستقبلني بود وبشاشة في المتجر الذي ورثه عن والده بشارع الرشيد ويقضي فيه جزءا من وقت فراغه ، وطلب ان يقرأ المسرحية قبل ان يعطيني رايه بالرفض اوالقبول ، وهالني عندما رجعت اليه ان رايته سعيدا بالمسرحية ، معجبا بها ، ومعجبا بالدورين الرئيسيين فلادمير واستراجون ، وهما ينتظران شخصا لا يأتي اسمه جودو ، وحوارهما العبثي ومافيه من طاقة شعرية وامكانيات كوميدية ، والحقيقة فقد باشرنا فعلا في التجهيز لها لتقديمها مقبلين على ذلك بكل حماس ، ولم تعد تحضرني الظروف التي وأدت هذه المسرحية في مهدها فلم تر النور ، وهو امر يستدعي الحديث عن مسرحية اخرى لاقت نفس المصير ، ولو ان تلك كانت اكثر مدعاة للاسى لما حشد لها من امكانيات وما استنفذته من جهد وما كانت ستحققه من نجاح ، وهي مسرحية عطيل ، فقد ثم تكليف واحد من انبغ رجال المسرح في العالم العربي واساتذته الكبار هو التونسي الاستاذ محمد العقربي الذي كان في ذلك الوقت فوق الستين ، ليقوم باخراج درة اعمال شكسبير ، واختار الاستاذ العقربي شعبان القبلاوي لدور عطيل ، وقضى عدة اشهر في تمرينه على القيام بالدور وتجلت موهبة شعبان القبلاوي وتألقت فكان حضور التمارين بالنسبة لي متعة يومية ، لانني كنت اشاهد الاداء التمثيلي في ارقى درجاته وشعبان القبلاوى في اوج الابداع والعطاء ، بسبب ما استطاع مخرج عبقري ان يغترفه من موهبته السامقة العملاقة ، وقد توفرت لتلك المسرحية كل المؤهلات التي تجعلها عملا يصل الى سقف الابداع في هذا المجال ، خاصة وان الفرقة التي تقدمها هي اول فرقة تنشئها الحكومة والمسرحية هي باكورة اعمال هذه الفرقة ، ويبدو ان الانفاق على ديكورات المسرحية وملابسها استنزف الميزانية المخصصة واحتاج الامر لاخراجها في القالب الارقى مزيدا من الصرف حالت دونه اجراءات روتينية تافهة ، جعلت هذا العمل الجبار ، لا يرى النور ابدا بعد الجهد الذي بذل ، والاشهر التي انفقتها الفرقة في التدريب ، و لم اتاسف اطلاقا على دور صغير قمت بالتدريب عليه كعضو في المسرح القومي مع فريق هذه المسرحية , ولكن اسفي كله كان على عملاق التمثيل في ليبيا وعميد الفن المسرحي فيها الاستاذ شعبان القبلاوي الذي لم تظهر ثمار موهبته في هذا العمل الى النور ، وترك هذا المصير الذي لاقته المسرحية في نفوس محبي المسرح حرقة لم تنطفي ء بعد مرور كل هذه السنين ، الا ان اعمالا كثيرة اخرى قدمها للمسرح واعمالا كثيرة اخرى قدمها للدراما التلفزية مع اعمال كثيرة للاذاعة المسموعة ، تظافرت لتصنع بصمته التي تركها في مجال التمثيل ، وسجل حافل بالامجاد في ترسيخ فن المسرح الذي بدأ مسيرته منذ عقد الاربعينيات يجعله احد الرواد المؤسسين لهذا الفن في بلاده ليبيا . لقد كانت لحظة حزينة عامرة بالشجن والاسى تلك اللحظة التي تلقيت فيها على الهاتف خبر رحيل هذا الممثل العملاق الذي لا يجود الزمان بامثاله كثيرا ، فقد توفى عن ثمانين عاما ونيف بعد ان امضى ايام عيد الاضحى بين اولاده واحفاده في طرابلس ، رحمه الله رحمة واسعة وعوض فيه الوطن خيرا .

ناصر الانصاري

لو اردت اختيار شخص من معارفي يجسد الحس الحضاري والسلوك الحضاري والتعامل الحضاري لما وجدت افضل من الصديق الراحل الدكتور ناصر الانصاري، وقد كتبت في الصحف عند عودته من فرنسا لاستلام منصبه الجديد ارحب باختياره مديرا للهيئة العامة للكتاب باعتبارها هيئة تمثل رمز الحضارة وعصارتها وهو الكتاب ليكون هذا الرجل الذي يفيض حضارة سلوكا وعلما ومعرفة مديرا لها ، ولا شك انه جاء لمؤسسة سجلت كثيرا من النجاحات باصداراتها ، ومعرض القاهرة للكتاب الذي تكرس باعتباره عرسا ثقافيا عربيا ودوليا يتكرر كل عام ، ومكتبة الاسرة ومشروع القراءة للجميع تحت رعاية السيدة الفاضلة سوزان مبارك ، وكان للمدير الذي سبقه الراحل العزيز الدكتور سمير سرحان بصمته على هذا المعرض الذي لا ينكرها عليه احد ، ولكن ودعونا نتكلم بصراحة وشفافية ، فقد ترافق مع النجاح الذي سجله المعرض الدولي للكتاب اتهامات ببعض الانحرافات وبعض الفساد ، وترددت هذه الاتهامات تطال بعض اعمال ومشاريع هيئة الكتاب ، وكان الامر بحاجة الى رجل فوق الشبهات بسبب صرامته الاخلاقية وسجله الوظيفي النظيف وما عرف عنه من نزاهة وامانة وشرف في معاملاته وادارته للمؤسسات التي تولى تسييرها والاشراف عليها ، لمحو هذه الاشاعات والاتهامات ، وكان هذا الرجل الشريف النظيف النزيه الامين هو الدكتور ناصر الانصاري رضوان الله عليه ، الا ان النزاهة التي جاء بها للهيئة لم تكن انجازه الوحيد لقد جاء لها بثقافته العالية ومعارفه العميقة ورقي نظرته للثقافة والمنتج الثقافي اكتسبها مراحل التاهيل والتحصيل العلمي المتميز التي مر بها ومن تاريخه في التعامل مع الثقافة الرفيعة وهو رئيسا لمجلس إدارة الهيئة العامة لدار الأوبرا المصرية ثم وهو في باريس مديرا لمعهد العالم العربي ،حيث كان موضع تقدير واحترام واعجاب اطراف عربية ودولية تعاونت معه وشهدت له بالتفوق والنجاح وكنت شخصيا في باريس ذات لحظة تاريخية جميلة صنعها هذا الرجل للتبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب عندما رايناه يستضيف في معرض الحضارة المصرية في معهد العالم العربي كل من الرئيس الفرنسي شيراك والرئيس المصري حسني مبارك وسط تفاؤل العالم بتحقيق التواصل والتفاهم الحضاري بين الشعوب في مواجهة الدعاوى السلبية والعدمية بصراع الحضارات وكان انجازا اشادت به صحافة العالم وذهبت اقدم له تهنئتي الشخصية بهذا النجاح ، وكان جميلا ان نراه ياتي حاملا سجله الذهبي الى الهيئة العامة للكتاب ولمعرض القاهرة الدولي للكتاب وبدأت لمساته منذ العام الاول تظهر للناس في اعادة المعرض لدوره الثقافي بعد ان صار اشبه بالموالد الشعبية وبدأ في رفع مستوى انتاج الهيئة باصدار سلسلة مثل سلسلة الجوائز التي لم يبخل بالصرف عليها واظهارها بالمظهر اللائق واسند الاشراف عليها لسيدة اديبة من اهل الخبرة والكفاءة هي الدكتور سهير المصادفة ، واذكر ان حديثا داربيني وبينه حول الكتب المترجمة للغات اجنبية التي تصدرها الهيئة ، وضرورة ايجاد حل لتسويقها لانه لامعني لاصدارها ان كانت ستبقى في المخازن او تذهب للتسويق في مراكز للتوزيع مخصصة للكتاب العربي فاطلعني على بروتوكول اتفاق مع دور النشر الفرنسية يتولى بموجبه نشر الكتب نشرا مشتركا بين الهيئة وهذه الدور واقتصار توزيعها في سوق الكتاب الفرنسي على تلك الدور وهو ما قام بتنفيذه فعلا منتظرا ان يقوم بنفس الاتفاق مع دور نشر بريطانية وامريكية وايطالية واسبانية ولعله قام بمثل هذه الاتفاقيات قبل وفاته واتمنى ممن يتولى مسئولية الهيئة العامة للكتاب من بعده ان يواصل مثل هذا العمل الجليل الذي بدأه الراحل الكريم لا ادري ماذا استطيع ان اقوله في مثل هذه المساحة المحدودة غير شهادة صديق اتصل به اتصالا ثقافيا وعرف فيه صورة ناصعة مشرقة للمثقف النبيل الجميل المتواضع الذي لا وجود لذرة افتعال اواصطناع او تكبر في سلوكه وتعامله مع الناس ، رحمه الله رحمة واسعة والهمنا جميعا والهم اسرته جميل الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون .

على القبلاوي

توفى في طرابلس الممثل المخضرم ومدير المسرح الوطني الليبي الفنان على القبلاوي اثر نوبة قلبية فاجأته وهو يواصل حياته العملية اذ انه قام في الليلة التي مات فيها بالحضور الى مقر المسرح الوطني في مسرح الكشاف ثم ذهب لحضور امسية شعرية في مقر نقابة الفنانين حيث كنت على موعد للقائه هناك وعرفت عندما وصلت مقر النقابة انه احس بحالة من التعب والارهاق ، عزوناه لوجود عطب في مكيفات قاعة العرض فاستاذن عائدا الى بيته ليرتاح قليلا الا ان حالته ازدادت سوءا عند خروجه الى الشارع فسقط ميتا على قارعة الطريق ، وتنتهي بذلك حياة رجل وهب عمره للمسرح ، حيث التحق بفرقة المسرح الجديد في العام التالي لتاسيسها وهي فرقة من انشط فرق الهواة التي عرفها المسرح الليبي في مرحلة الستينيات ، قمت شخصيا بتأسيسها وتوليت ادارتها منذ عام 1960 ولم اترك العمل بهذه الفرقة الى ان تحقق في عام 1966المطلب الذي ناديت به وهو انشاء فرقة للمسرح القومي التي تتبع الدولة وتكون بداية المسرح المحترف في ليبيا حيث قمت بالانخراط فيها ضمن عشرة عناصر من المؤسسين لهذه الفرقة كان من بينهم الفنان الراحل .
ووجدت في على القبلاوي عندما التحق بفرقة المسرح الجديد عام 1962فتى يصغرني سنا يتدفق حماسا ورغبة وينخرط في العمل الذي يحتاجه العرض المسرحي، فاعتمدت عليه في اعمال تحتاج الى حماسه وشبابه في فرقة من الهواة يتم فيها العمل على سبيل التطوع ولا وجود لاي مقابل مادي نتقاضاه ازاء ما نقوم به من اعمال ، فكان علي القبلاوي ناشطا في الدعاية وتوزيع الدعوات ومناشير الدعاية ، وكان يساهم في اعمال الديكور وتحضير الخامات والذهاب لشرائها من السوق وجلبها الى ورش العمل كما يساهم بنفسه في اقامة الديكور ويرتدي عفريتة العمل اذا احتاج الامر الى طلاء او تزويق او غيره كما كان يقوم بتحضير الاكسسوارات والملابس التي تحتاجها المسرحية والتي كنا نقوم في اغلب الاحيان باحضارها من بيوتنا فكان اكثرنا اسهاما في تحضير هذه الملابس وهذه الديكورات علاوة على مشاركته في التمثيل ، وقدمنا خلال مطلع الستينيات عددا من المسرحيات من بينها مسرحية متاعب الاسطى خربوشة التي قام فيها الممثل الراحل باول ادواره على خشبة المسرح ولم يكن عمره يزيد عن ستةعشر عاما وبعد عدة سنوات التحق بدورة تدريبة مسرحية في المانيا الشرقية عاد بعدها ليواصل عمله في المسرح الوطني ، متفرغا للتمثيل ، ويدخل بذلك مرحلة جديدة في حياته مع المسرح ، عرف خلالها طريقه الى ادوار البطولة ، وتجلت مواهبه كممثل كبير صاحب حنجرة متميزة ، يعتمد في ادائه على مدرسة الاداء الطبيعى واستيعاب الشخصية والغوص في اعماقها لتظهر قوة تصويره للشخصيات التي يقدمها ، كما ساهم في كثير من البطولات في التمثيليات التي تقدم في الاذاعتين المرئية والمسموعة ، وكانت بعض المسرحيات التي ادى فيها اداور البطولة قد عرفت طريقها الى المهرجانات العربية في سوريا وتونس ومصر ، وحظيت مسرحية السندباد التي قام ببطولتها باقبال جماهيري واهتمام اعلامي وتقدير من النقاد عند عرضها على الجمهور المصري ، وهي المسرحية التي قام بتاليفها الكاتب المصري المعروف الاستاذ شوقي خميس وقام باخراجها الفنان فتحي كحلول وكانت علامة فارقة في المسرح الاستعراضي في ليبيا والعالم العربي وقبل ذلك استضافة التليفزيون المصري للقيام ببطولة فيلم تليفزيوني من اخراج الاستاذ محمد فاضل بعنوان الجراد عن قصة من تاليفي وسيناريو الكاتب الكبير الراحل سيد خميس في مطلع السبعينيات ، ووقع عليه الاختيار في السنوات الاخيرة ليتولى ادارة المسرح الوطني بسبب ما يحظى به من حب واحترام من زملائه وما اكتسبه من خبرة وثقافة في مجال تخصصه.

عبد العال الحمامصي

رغم علمي بالمرض الخطير الذي ظل لبضعة اشهر ينهش جسم عبد العال الحمامصي قبل وفاته، فقد وقع خبر رحيله الفاجع وقع الصاعقة على نفسي وادخلني حالة من الالم والذهول ، احاول محاربتها باستحضار عزيز الذكريات وجميلها عبر علاقة ربطتني منذ ما يقرب من خمسين عاما بهذا الانسان الرائع النبيل الجميل وهذا القلم الممتع الشفاف المترع بالبساطة والحب والموهبة الخلاقة ، وقد بدأت هذه العلاقة في مطلع الستينيات عندما اهتديت الى مقالاته التي كان ينشرها في مجلة كانت تصدر في القاهرة هي مجلة العالم العربي التي كان الحمامصي محررها الاول ، اذ ان رئيس تحريرها الذي كان يعمل رئيسا للقسم العربي في الجمهورية كان يترك عبء المجلة كاملا لهذا الكاتب الفتي العفي القادم من سوهاج في الصعيد حاملا في جيناته الصعيدية القدرة على الكدح والجلد والاجتهاد ، حريصا على ان يثبت جدارته ويؤكد مكانته ومكانة ابناء وجه قبلي بين المبدعين الكثر من ابناء وجه بحري في القاهرة ، وان يصنع لنفسه قطعة ارض صغيرة يقف فوقها ويرفع فوقها رايته ويقول هذه تخوم بستاني الادبي ، الذي افلح في جعله بستانا مزهرا خصبا لان الحمامصي رحمه الله دأب على حرثه وتسميده وسقي نباتاته بعرق الانسان الكادح الشريف النبيل ، مؤكدا من خلال ما يكتبه ، شخصيته المتميزة كاديب يحمل رؤية انسانية ونفسا عربيا وافتتانا بمعشوقته مصر . وهكذا اصبحت مغرما بكتاباته التي قرأتها في العالم العربي ، قادرا على فرزها من الكتابات الاخرى حتى لو لم تحمل توقيعه ، من خلال اسلوبه المميز ونبرته الخاصة التي تتجلي في كل سطر يكتبه ، وازداد هذا الغرام بكتاباته عندما قرأت بعضا من قصصه القصيرة التي كان ينشرها في صحف ومجلات مثل مجلة القصة قبل ان يباشر نشرها في كتب بدأت بصدور مجموعته الاولى للكتاكيت اجنحة المنشورة عام 1968 واهتديت من خلال هذه القصص الى معرفة سلالته الادبية ، والنسب الذي يربط بيني وبينه كافراد عائلة ادبية واحدة ، والدها العالمي انطون تشيخوف ، ومؤسس فرعها العربي يوسف ادريس ، وكان عبد العال الحمامصي واحدا من انجب ابناء هذه العائلة واكثرهم اصالة وعمقا وجمالا وقوة في الاسلوب والتعبير ، واشرف وافخر انني ورقة في شجرة هذه العائلة الكريمة ، وعندما التقيت به في احدى المؤتمرات الادبية في مطلع السبعينيات ، وتعرفت عليه شخصيا كنت كمن التقي بشقيق تاه عنه اعواما كثيرة ، فازددت حبا له وحرصا على التواصل معه ، بعد هذا الالتقاء بالجانب الانساني فيه ووجدت في بساطة شخصيته وجمالها وقوة ما يحمله من حب للناس والحياة ، وما يميز نظرته للدنيا من شفافية وبراءة ، عناصر لا تتوفر الا لنوع نادر من البشر، فحرصت على تعميق هذه العلاقة وتدعيمها واغنائها بالحوارات واللقاءات والمشاركة معه في الندوات الادبية ، وكان هو يبادلني مودة بمودة ، ويمنحني من افضاله ويغدق على شخصي من فيوض حبه ما يجعلني اسيرا لجمائله طوال العمر ، فقد كتب بحب واعزاز عن اعمالي الادبية في بابه الاسبوعي بمجلة اكتوبر وشارك في عدد كبير من الندوات التي اقيمت حول قصصي ورواياتي ، وكان رئيسا مشاركا للندوة الدولية التي شهدتها القاهرة حول روايتي الاثني عشرية خرائط الروح ، فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا وعوض الله مصر فيه خيرا وعزاء لكل الادباء العرب الذين بادلهم حبا بحب وكل القراء العرب الذين انتفعوا بابداعه وسينتفعون به على مدى الدهر باذن الله

خليفة محمد التليسي

احساسي اليوم اشبه باحساس مسافر في الصحراء تعود ان يأوي الى دوحة ظليلة يستريح تحت اغصانها من هجير القيولة ويروي ظمأه من النبع الثر المتجدد الذي يسقي عروقها ، ثم يجد وقد وصل الى المكان منهكا ظامئا ، ان هذه الدوحة قد اختفت ، ولم يعد لها وجود ، وان عليه ان يواجه المسير في الصحراء ، يحترق بحر الهجير ، ويسفع وجهه ريح السموم ، ويجف حلقه عطشا حتى يجد بالصدفة يد احد الرعاة تتكرم عليه بكأس ماء يروي عطشه ، هكذا كان احساسي وانا اتلقى الخبر الفاجع لرحيل عميد الادب العربي في ليبيا ، الدكتور خليفة محمد التليسي ، الذي كان على مدى العقود الستة الاخيرة ينشر ظله على المشهد الثقافي والادبي الليبي ، باعتباره مؤسسا للحداثة في البلاد ورائدا من رواد الادب الجديد ، وصاحب اياد بيضاء على اهل الادب صغارا وكبارا ، ليس فقط بما قدمه من ابداع ، وما كتبه من دراسات واكبت مسيرة المبدعين والادباء منذ الاربعينيات وانما ايضا لما كان يقوم به من رعاية شخصية للادباء اثناء توليه لمناصب قيادية في مجالات الادب والفن والفكر فقد كان وزيرا للاعلام والثقافة وكان امينا مؤسسا لاتحاد الكتاب والادباء وكان رئيسا لاتحاد الناشرين وكان رئيس تحرير ومؤسس لاكثر من مجلة ثقافية وكان مؤسسا لاكثر من منتدى ادبي كما كان خلال خمسة وثلاثين عاما وحتى وفاته المدير المؤسس للدار العربية للكتاب ، وهي دار اشتركت الحكاومتان الليبية والتونسية في انشائها وتولى ادارتها الاستاذ التليسي ونشر عن طريقها ابداع الكتاب الليبيين والتونسيين كما فتح ابوابها لكثير من الكتاب العرب الذين وجدوا التشجيع والمؤازة من مدير الدار ومؤسسها . ولكنه قبل هذا الدور العملي ، فانه مبدع كبير ، كتب الشعر وكتب القصة ، كما اسهم بجهد كبير في تسجيل التاريخ الليبي الحديث واصدر اعمالا موسوعية في هذا المجال مثل معجم معارك الجهاد ، وترجم ايضا اعمالا كثيرة في مجال التاريخ وترجم ايضا عن اللغتين الايطالية والانجليزية اعمالا ابداعية لكتاب ايطاليين مثل بيرانديللو ومورافيا واعمالا شعرية لكل من طاغور ولوركا وبابلو نيرودا ، واصدر عددا من المختارات من الشعر العربي مرفقة بدراسات رائدة في هذا المجال مثل دراسته عن قصيدة البيت الواحد ، وكرس جهده لاعمال لغوية احداها كان قاموس النفيس باللغة العربية ، واصدر ايضا قاموس التليسي العربي الايطالي والذي نال عليه تكريما في معرض القاهرة للكتاب وكان ضمن الكتاب الذي سلمهم الرئيس حسني مبارك جائزة المعرض في احدى دوراته في منتصف التسعينيات ، وقد حظيت جهوده الابداعية والادبية باهتمام النقاد فصدر عنه اكثر من كتاب يعترف بريادته للحداثة في الادب الليبي وكتب عنه نقاد عرب كبار في مقدمتهم الناقد الراحل الاستاذ رجاء النقاش والناقد الحداثي الاستاذ جابر عصفور وغيرهما ، ونال الدكتور التليسي جائزة البحر الابيض المتوسط من ايطاليا كما منحته ليبيا علاوة على جائزة الفاتح التقديرية وسام الفاتح العظيم وهو اعلى وسام في البلاد. وقد تم دفنه في المقبرة المخصصة للشهداء وكبار الشخصيات الوطنية المسماة مقبرة سيدي الهاني بطرابلس، شمله الله برضاه ورضوانه واكرم مثواه في دار البقاء واجزل له فيها العطاء بمثل ما اعطى وقدم في هذه الدار الفانية.

fagih@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home