Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 4 مارس 2010

خريطة طريق للنهوض
 
د. أحمد ابراهيم الفقيه

لا بد من القول ان قضية النهضة في العالم العربي قضية تتصل بالسياسات التي ترسمها مؤسسات الحكم والسلطة وهذه المؤسسات ومن يديرها  من صانعي القرار تتحمل بصورة اساسية  مسئولية الاخفاق والتردي والفشل في تحقيق النهضة المنشودة ، قبل تحميل المسئولية لاهل الفكر ومنتجي الثقافة واصحاب الاطروحات الفكرية والفلسفية الموكول اليهم العمل على رسم خرائط النهوض والتقدم لاوطانهم ، لان هذه الخرائط موجودة منذ بدايات ما يسمونه عصر النهضة  اخرالقرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين عندما اجتهد من نطلق عليهم رواد التنوير في وضع مشاريع قادرة على اخراج الوطن العربي من دائرة التخلف والركود والجمود الى دوائر التقدم والنهوض اسوة بامم اخرى تشابهت ظروفها ومعطيات واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي معها وبدات مسيرة اللحاق بركب الحضارة في وقت يتزامن مع بداية المسيرة في اقطار عربية ويضرب المتخصصون في تاريخ النهضة الحديثة امثلة ببلدان مثل اليابان ،  وغيرها من نمور شرق اسيا التي بدأنا جهود التنوير سنوات كثيرة قبلها ومع ذلك لحقت بنا وتجاوزتنا وصنعت ما يسمونه الاقلاع محلقة في اجواز الفضاء وقد تركت اقطارنا العربية خلفها ، ونظرة سريعة الى تراث رجال من امثال رفاعة الطهطاوي والافغاني ولكواكبي  ومحمد عبده  وشبلى شميل وقاسم امين واحمد لطفي السيد وصولا الى الجيل الذي يليهم من امثال طه حسين والعقاد والحكيم وساطع الحصرى ومالك بن نبي وجبران ومي زيادة وغيرهم وغيرهم ممن تركوا تراثا ينتصر للعلم والعقل ومجتمع الحرية وبناء الانسان ورسموا خرائط لنهوض الوطن العربي لا تحتاج الا الى الايدي التي تلتقطها وتبدأ في حفر الاساسات وجلب مواد البناء لتشييد صروح النهضة ، وهي خرائط لم يتوقف رسمها عند اولئك الرواد ، وانما واصل المثقفون والمفكرون المحدثون رسمها وتذكير اهلهم على امتداد الوطن العربي بها دون كلل ولا ملل ، ومن يشكك في ذلك ، فانني اريد ان احيله الى مثل واحد اقتبسه من صفحات هذه الجريدة ، ومن صفحة واحدة من صفحاتها لا اكثر، في اختيار عشوائي لا قصدية فيه ولا انتقاء ولا اختيار ، صفحة من صفحات عدد الخميس قبل الماضي 18 فبراير 2010.

صفحة هي تلك التي يسمونها صفحة الكتاب ، حيث نلتقى فيها بعدد ثلاث مقالات لثلاثة كتاب هم الاساتذة لطفي عبد الوهاب وسيد ياسين واسامة انور عكاشة ، وفي هذه الصفحة وحدها يمكن ان يجد المهموم بالعثور على خريطة طريق يهتدي بها لبناء عصر النهضة في عالمنا العربي هذه الخريطة  مكتملة دون نقص وسابدا بالمقال الذي يتصدر الصفحة وعنوانه تحديات النهضة الثقافية العربية لكاتبه سيد ياسين ، لانه يصب في صلب الموضوع ويقدم تلخيصا عبقريا لاطروحات خمسة مفكرين عرب معاصرين جاءوا من مختلف مناطق العالم العربي وعالجوا موضوعة النهضة العربية وانتهوا الى نتائج كفيلة لمن يأخذ بها ان يتسنم سلم النهوض بيسر ودون مشقة او حيرة ، وهي نتائج وصلوا اليها عبر مشاريع فكرية متكاملة كرسوا اعمارهم لانجازها، ياتي في مقدمتها مشروع المغربي  محمد عابد الجابري ، دعا فيه الى التمييز بين النظام المعرفي البياني والعرفاني والبرهاني ، منتصرا في طرحه الى الخطاب البرهاني الذي يستند الى اساس منطقى وعقلاني متماسك متكامل ، اما صنوه الجزائري محمد اركون فقد قدم قراءة جديدة للفكر العربي الاسلامي معتمدا على المناهج الحديثة في العلوم الاجتماعية واللسانية مكتشفا ان بنية هذا الفكر تعكس فكرا أسطوريا وخرافيا لا علاقة له إطلاقا بالتأويل الصحيح للقرآن الكريم أو السنة النبوية داعيا الى  تفكيك هذه النصوص بتفسيراتها الرجعية كنقطة بداية لإحياء المجتمع العربي المعاصر‏ وبناء المنهج العلمي في التفكير، وكان هذا ايضا ما رآه نضيره المصرى حسن حنفي عندما دعا الى تجاوز سلبيات المجتمع العربي المعاصر من خلال خطاب التجديد الذي يركز على المقاصد العليا للدين ، ودعا كل من الفلسطيني هشام شرابي ، والسوري الطيب تيزيني  الى ثقافة عقلانية حديثه تبنى عليها اسس النهضة وادانا المجتمع العربي البطريركي وخطابه الاحادي السلطوي الذي يغيب فيه التعدد والحوار ويقوم على الاقصاء واحتكار الحقيقة .

وفي المقالة الثانية يرسم  اسامة انور عكاشة خريطة طريق للفن الراقي ، داعيا وزارة الثقافة ان تتولى مسئوليتها في رعاية وتقديم وتشجيع هذا الفن ، وضرب مثلا بمخرج نابغة هو داوود عبد السيد  يتعطل عدة اعوام قبل ان يجد فرصة لتقديم فنه الجميل وقبله شادي عبد السلام الذي بقى سنوات عديدة يبحث عمن يعينه على اخراج فيلم اخناتون ومات دون ان يجد هذه المعونة . اما استاذ الحضارات لطفى عبد الوهاب فهو يناقش بامانة ونزاهة ودون تعصب ، علاقة مصر القديمة بالمسرح ، وفي مقالة عنوانها مصر والمسرح في الزمن القديم ، يثبت للقاريء ان هناك مسرحا عرفه الفراعنة قبل اليونانيين ، ولكنه يسأل بلسان الباحث المدقق عن النصوص والادباء والابنية المسرحية التي قدمت هذا المسرح ، وينتهي الى انها اشياء غير موجودة وان ما هو موجود هو اسكتشات ونصوص حوارية دينية فقط ، تدل على وجود المسرح تاريخيا ، وان له جذورا في تربة هذا الوطن وهذه المنطقة ولكنه لم يكن في قوة وزخم المسرح الذي ازدهر في اليونان ووصل الى اوجه في القرن الخامس قبل الميلاد.

المسرح ، كغيره من فنون واداب بينها الرواية ، ليست فنونا واشكالا ادبية وافدة من ثقافات اخري ، ولكن لها جذورا وانتماء للدائرة الحضارية المصرية والعربية ، كما يؤكد استاذ الحضارات لطفي عبد الوهاب في تاصيله لمثل هذه الفنون ، واقول مرة اخرى انني لم استعرض غير صفحة واحدة في عدد واحد من اعداد صحيفة الاهرام ، صدر هذا الشهر ، صفحة من ملايين الصفحات التي حبرها ادباء ومفكرون ومثقفون يرسمون خرائط طريق للنهضة لا يجدون من يعبأ بها ولا من يسعى لرسم سياسات وبناء حياة ثقافية وسياسية تستمد عناصرها وتستلهم قواعدها من عطاء وعناء وجهد هؤلاء المفكرين ، لننتهي الى نتيجية ان سبب الداء وسبب البلاء فيما نعانيه من تخلف واخفاق وعجز عن تحقيق التقدم واللحاق بركب الحضارة الحديثة يكمن في هذه الجفوة بين اهل الفكر واهل القرار ، او هذه الهوة العميقة التي تسقط فيها وتضيع كل فرص الارتقاء وارهاصات التقدم وبناء المجتمع الحديث واقامة صروح المشروع الحضاري النهضوي العربي الذي تهفو اليه النفوس وتحلم بتحقيقه الاجيال.

fagih@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home