Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإثنين 3 يناير 2011

في هجاء البشر ومديح التيوس

التيس في محنته

د. أحمد ابراهيم الفقيه

لم يكن تيسا عاديا  .. كان في الأصل ينتمي الى نوع منقرض من الماعز الوحشي ، الذي كان يعيش في صحراء الحمادة الحمراء مع الظباء والغزلان وبقر الوحش ، قبل ان تأتي سنوات القحط والجفاف وتدفع الناس للهجوم بضراوة على كائنات الصحراء لاصطيادها باعتبارها مصدرا متاحا للطعام بعد ان نضبت المصادر الأخرى ، واستمرت هذه المحنة عدة أعوام ، أبادت أنواعا من تلك الحيوانات وأرغمت بعضها على الهروب توغلا في العمق الأفريقي حيث الغابات والمياه ، وانقرض من صحراء الحمادة الحمراء بقر الوحش، كما انقرض الماعز الوحشي ولم تبق إلا قطعان قليلة من الظباء والغزلان ، بسبب قدرتها الفائقة على الجري والهروب من مطاردات الصيادين ، وقلة ما تحتاج اليه في معيشتها من طعام وشراب ، ولهذا فقد كان شيئا غريبا ان يجد الراعي منصور هذا التيس الوحشي ، يجلس منهكا في تجويف رملي ، وينين متألما بسبب جرح قديم نتج عن رصاصة أصابته من بنادق أحد الصيادين ، فر من أمامه هاربا بحرارة الروح ، الا ان الجرح الذي أصابه كان فيما يبدو قويا وعصيا على الشفاء بحيث أبقاه عليلا منهكا على هذه الحالة ، فأخذه منصور وقام بتطبيبه وعلاج جرحه بما يملكه من مراهم الأعشاب التي يستخدمها في إسعاف شياهه وجبر كسورها ، واطعمه وسقاه حيث كان جائعا ظامئا حتى استعاد عافيته وألف الحياة صحبة الراعي منصور الذي ضم التيس المتوحش الى قطيعه واضحى تيسا من تيوس القطيع الأليفة المدجنة ، بعيدا عن حياته السابقة مع الظباء الشاردة وكائنات البراري الهاربة من حياة الدعة والاستقرار ومصاحبة البشر، ورغم مظهره الذي لا يختلف عن بقية التيوس الأليفة، بشعرات ذقنه القليلة الناتئة المتناثرة المتنافرة ، ولون جلده البني الباهت، الذي يشبه لون التراب ، وقرنيه الصغيرين المدببين اللذين يجاوران أذنيه ولا يزيدان عنهما طولا عند انتصاب الأذنين ، الا ان طبيعته المتوحشة النارية تجعله يقوم بأفعال لا يمكن لأي تيس أليف ان يقوم بها ، واول هذه الأشياء التي يتميز بها تيس البراري عن غيره من تيوس القطيع ، قدرته الخارقة على إخصاب شياه الماعز، والقيام بهذه المهمة عشرات المرات في اليوم الواحد دون كلل او تعب ، ودون ان يفتر حماسه او يبدي نفورا من القيام بهذه المهمة مهما تكررت كل يوم ، ويظل بعد إخصاب عشرات الشياه نشطا يتقافز من مكان الى مكان ويواصل مطاردة الشياه حتى يمنعه الراعي منعا من ذلك ، وثاني هذه الأشياء التي تجعله تيسا استثنائيا في تاريخ الماعز ، حديثا وقديما ، هو شجاعته الفائقة في مواجهة العدو التقليدي   للأغنام الا وهو الذئب ، وقدرته العجيبة على التصدي للذئاب عند هجومها على قطيع الغنم وهزيمتها مهما كثرت اعدادها ، وقد كان الراعي منصور شديد الحذر والخوف من هذه الوحوش التي تهاجم أغنامه ، فقد أصابت سنوات القحط والجفاف هذه الذئاب بحالة من السعار تجعلها تهاجم أغنامه في جماعات ، وتهاجمها باستماتة وشراسة إلى حد ان الكلب الذي يحرس معه هذه الأغنام يقف عاجزا أمامها ، غير قادرعلى التعامل مع التقنيات الجهنمية التي تتقنها هذه الذئاب اللعينة ، عندما كانت تترك ذئبا يشغله بمختلف الأساليب ويتفنن في إلهائه عن مطاردة بقية الذئاب التي تجد الفرصة سانحة لمهاجمة الشياه ، بعيدا عن تهديدات الكلب ، حتى تفوز بشاة او اكثر تختطفها وتهرب بها لتتقاسمها بعد ان تبتعد عن القطيع ، وكان منصور يصاب بحالة من الفزع ويأتي مهرولا بعصاه لمعاونة الكلب في طرد الذئاب ، فينجح أحيانا ويفشل في أحيان أخرى ، الا انه بمجرد ان انضم التيس الوحشي الى قطيعه حتى كفاه شر هجوم الذئاب ، وصار قادرا بمفرده على التصدي لها ، سواء عاونه منصور وكلبه او لم يعاوناه، إذ انه كان يتلقى الذئاب المهاجمة قبل وصولها إلى القطيع ، وينشب قرنيه الحادين المدببين في هذه الذئاب واحدا بعد الآخر ، فتفر جميعها هاربة تعوي والدماء تتقاطر من رؤوسها ووجوهها بعد ان يكون قد فقأ لاحدها عينا او صنع ثقبا في جبينه ، الى حد ان يفشل بعضها في مواصلة الجري ويسقط تعبا وإعياء بعد فترة قصيرة من هروبه ، وحدث اكثر من مرة ان فقأ لذئب عينيه الاثنين فظل يدور في مكانه دائخا يصطدم بصخرة هنا وجرف هناك وجدع شجرة في مكان آخر وهو لا يدري في أي اتجاه يمضي او ماذا يفعل بنفسه. 

وقبل ان يعود منصور إلى القرية ، كانت أخبار التيس الوحشي الذي انضم إلى قطيعه قد وصلت اليها عن طريق بعض الرجال العائدين من رحلاتهم في الصحراء والتقوا في طريق العودة بمنصور الذي اخبرهم بأنباء هذا التيس الشجاع ، فصار أهل القرية يتطلعون بشوق وفضول إلى اليوم الذي يعود فيه منصور إليهم وبصحبته تيسه العجيب فيشاهدونه عن قرب ويستفيدون منه في تخصيب الشياه التي يستبقونها معهم في القرية وردع الذئاب التي تهاجم زرائبهم وحضائرهم .

وكان يوم وصول منصور إلى القرية ، يسوق امامه قطيع أغنامه الذي يضم التيس المتوحش ، يوم عيد في القرية التي خرج أطفالها وشيوخها وبعض العجائز من نسائها الى طرفها الغربي يستقبلون التيس الوحشي ويسمعون حكاياته من فم صاحب الفضل في اكتشافه ، وقد جاء وصول هذا التيس الى القرية متوافقا مع خروج رجالها للعمل أجراء مع الشركات الأجنبية التي وفدت حديثا الى شرق البلاد للتنقيب عن النفط ، ولكي تكون إنقاذا لجموع العاطلين في الأرياف والقرى بسبب سنوات القحط والجفاف التي طالت وأرغمتهم على البقاء في بيوتهم بلا عمل ، فانطلقوا في مسيرات جماعية للانخراط في العمل الجديد ، تاركين قراهم في عهده الشيوخ والنساء والأطفال ، كحال هذه القرية التي وجدت نفسها في مواجهة مع ذئاب شرسة متوحشة تكثر من هجماتها الضارية عليها لأنها لم تعد تجد من يردعها كما كان يفعل بعض الرجال الذين غادروا القرية ، وكان بعضهم يملك سلاحا يطلق منه رصاصات كفيلة بإرهاب الذئاب، وإذا غاب الرصاص ، عوضته العصي الكثيرة الطويلة التي يحملها رجال اشداء يفلحون دائما في طرد هذه الوحوش وهزيمتها، وهو أمر يعجز عن تحقيقه من بقى في القرية من شيوخ ، اما الأطفال والنساء فتقاليد القرية لا تسمح إطلاقا بتعريضهم لمحنة مقاومة الذئاب ، لما يمكن ان يصبهم من أذى ، قد يصل الى حد الموت بين براثن وأنياب هذه المخلوقات المتأهبة دائما للقتل والافتراس . ولان ردع الذئاب ليس عملا يوميا يمكن للتيس المتوحش ان يمارسه كل يوم ، فهي تأتي ليلا وفي فترات متقطعة تفصل بينها عدة أيام ، فبقيت المهمة العاجلة لديه هي تخصيب الشياه المحجوزة في بيوت أهل القرية ، إذ كان من عادة كل اسرة في القرية إبقاء شاة او اثنتين في البيت للاستفادة بحليبها في استهلاك العائلة اليومي من الحليب ، وترسل بقية الشياه مع منصور راعي القرية ، الذي يسرح بها في البراري ولا يعود الا مرة كل شهر او شهرين للبقاء ليلة واحدة يتزود بتموينه من الطعام والشراب ، وترك أي شاة مريضة تحتاج لعناية خاصة مع مالكيها ، قبل ان يعود بشياهه للبراري، ولم يكن منصور ليستطيع هذه المرة ان يأخذ التيس معه ، عند مغادرته القرية بقطيعه ، لان حاجة اهل القرية اليه اكثر من حاجته ، فهو لابد ان يذهب الى كل بيت من بيوت القرية لإخصاب ما فيه من شياه ، وإذا انتهى من هذه المهمة فهناك مهمة الذئاب التي تريد ردعا لن يقدر عليه إلا هذا التيس ، وباعتباره تيسا وحشيا بريا قادما من الحمادة الحمراء ، لا مولى له ، فلم يكن صعبا ان يصبح ملكية جماعية لاهل القرية ، يتردد بين بيوتهم الطينية الجيرية كما يشاء ، ويختار النوم والإقامة في أي مكان يريد ، وسرعان ما تعود التيس على أجواء التهليل والترحيب والتدليل التي أحاطه بها أهل القرية ، مستمتعا بحرية ان يتنقل بين عائلاتها وبيوتها على هواه ، جاهزا دائما ، اذا ما اختار النوم في بيوت من البيوت ، لمقاومة الذئاب اذا هاجمت حضيرة هذا البيت ، فتتبارى العائلات في إغرائه بالطعام اللذيذ الذي تحبه التيوس ، والفراش الذي ترتاح إليه ، من اجل ان يقيم عندها ، الا انه كان تيسا عاشقا لحريته ، لا يرضى ان يبقى محتكرا لدى بيت من البيوت حتى لو كان صاحبه شيخ القرية واغنى أهاليها ، كما كان عادلا ومنصفا في التعامل مع هؤلاء الناس ، لا يترك بيتا من البيوت مهما كان فقيرا ، بائس المظهر، دون ان يزوره ، ويقبل على الطعام الذي يقدمه اليه اهله مهما كان متواضعا فقيرا ، ويطمئن إلى انه قام بواجب إخصاب الشاة او الشياه التي فيه ، ولا يكرر النوم في بيت واحد مرتين، لان هناك بيوتا أخرى لم تحظى باستضافته للنوم ، هي التي لها الأولية ، حتى ينتهي منها ليبدأ يكرر النوم في البيوت الأخرى ، وكانت أول ليلة تصدى فيها للذئاب ليلة مشهودة ، فقد كانت ليلة يضيئها بدر كامل الاستدارة ، حتى كاد ان يحيل ظلامها نهارا، تعالى فيها عواء الذئاب ونباح الكلاب، وصراخ بعض النساء اللاتي أفزعهن هذا المشهد ، وخرج التيس هائجا ، غاضبا ، ليعمل قرنية في هذا القطيع من الذئاب ، فلا يأخذ الواحد منها بين يديه اكثر من نطحتين من قرنيه فإذا به يدور في مكانه دائخا، يعوي عواء موجعا مؤلما ثم يركض هاربا متعثرا في خطاه يتقاطر

منه الدم . وازداد بعد تلك الليلة إكبار أهل القرية له ، وتصدر الزغاريد عالية كثيفة من البيت الذي يزوره ، وتتصاعد الأغاني ترحيبا به أثناء النهار ، أما مبيته في أحد البيوت فهو موضع فخر من صاحبة البيت ، تحرق له البخور، وتنصب له الزينات ، وتتزين لاستقباله ، تكريما له وتشريفا ، ولم يكن ممكنا ان يتكهن أحد بما كان يدور بينه وبين امرأة البيت الذي يقضي به ليلته ، خاصة وان اغلب بيوت القرية تقطنها زوجة شابة مع أطفالها الصغار بعد غيبة الزوج ، وكانت المفاجأة المذهلة ، هي ما حدث بعد تسعة اشهر من إقامته في القرية ، إذ جاءت القابلة لتوليد امرأة فاجأها المخاض ، فإذا بالمولود الذي أنجبته المرأة طفل له جسم إنسان ووجه وملامح تيس ، بشعيرات صغيرة نافرة في ذقنه ، ونتوء مثل القرنين في جبينه ، ووجه طويل مسحوب ترابي اللون ، وعينين صغيرتين مثل عيني التيس، وباعتباره حالة غريبة طارئة ، عارضة ، تكتمت القابلة على ما رأت وعاونت الأم على ان يبقى وجه الطفل محاطا باللفائف فلا تراه النساء اللاتي يأتين لتهنئتها حتى يكبر الطفل قليلا ، بأمل ان يحصل تغيير على هذه الملامح يلغي هذا التشابه مع التيس ، وان لم يحدث فستعمل القابلة ما في وسعها على تغيير صورته ولو قليلا بإزالة هذين النتوئين في جبينه وقلع هذه الشعيرات الناتئة في ذقنه ووضع كمادات على وجهه بحجة المرض لطمس هذا التشابه المرعب بينه وبين التيس في المراحل الأولى من عمره ، إلا ان الأمر لم يتوقف عند هذه الحالة ، فقد تكررت حالات الإنجاب ، وتكرر التشابه بين هؤلاء المواليد الجدد وبين ملامح التيس ، بحيث لم يعد ظاهرة طارئة عابرة كما ظنت القابلة عند مجيء أول مولود ، وانما ظاهرة عامة شملت كل هؤلاء الأمهات ، وبدا واضحا ان التيس لم يكتف بإخصاب شياه الماعز فقط ، وانما امتد تخصيبه لنساء القرية أيضا ، اللاتي وجدن الحيلة والوسيلة لجعله يضاجعهن ليلة إقامته في بيوتهن . لقد تم الأمر في غيبة الأزواج ، وكذلك تم مجيء هؤلاء المواليد، ولابد من ان يتفتق العقل الجماعي لنساء القرية عن تفسير لهذه الظاهر قبل عودة الرجال الغائبين في حقول النفط، وتفادي المجزرة التي ستحصل لهن على أيدي هؤلاء الأزواج عندما يشاهدون أطفالهم الممسوخين ، تفسير    وجدن طريقة لترويجه ، ووجدن اكثر من امرأة ذات نفوذ اجتماعي وديني ، من عجائز القرية المشهورات بالتبصير والعرافة يؤيدنه ويبدين استعدادهن لاقناع الرجال به عند عودتهم إنقاذا لبنات وقريبات لهن تورطن في هذه العلاقة الغرامية المحرمة مع التيس ، وصارحت ابنة العرافة أمها بان للتيس سحرا لا تستطيع امرأة شابة يغيب عنها زوجها ان تقاوم سحره ،

وانه يفهم فنون المعاشرة الجنسية للنساء ويمارسها كما يفعل الرجال لدرجة أنها تشك في انه جن تجسد في صورة تيس ، وكان هذا التفسير يقول بان للتيس الوحشي سرا شيطانيا يجعل النساء يتوحمن عليه ، بحيث ان كل امرأة حامل يقع بصرها عليه ، لا تستطيع ان تنجو من تأثيره على الجنين في بطنها الذي تتلون ملامح وجهه وتتشكل بلون وشكل ملامح التيس ، وكان الاتفاق الصامت بينهن هو ان التيس لابد ان يموت قبل عودة هؤلاء الرجال في أول إجازاتهم بعد انقضاء عام على مغادرتهم القرية ، ولن يستطيعوا في ذلك الوقت معرفة هذا التفاوت بين تاريخ إخصاب المرأة وتاريخ إنجابها خاصة في ظل التواطؤ الذي يشمل كل نساء القرية ، وكان الاتفاق الصامت بينهن هو ان التيس الوحشي لابد ان يموت قبل عودة هؤلاء الرجال لانهم إذا عادوا ورأوا فحولته وشجاعته وقوة شخصيته التي تتجلى في نظراته الحادة الفاحصة ورأسه المرفوع وطريقته في المشي والا لتفات والتعامل مع الآخرين ، لاثار ذلك شكهم ولصدقوا ان هناك علاقة جنسية بينه وبين نسائهم . وخلال الفترة التي أعقبت إنجاب هؤلاء المواليد ، صارت البيوت تخشى استقبال التيس الوحشي او استضافته للمبيت عندها ، ووجد التيس ان البيوت جميعها قد أقفلت أبوابها في وجهه ، فصار يطوف القرية جائعا ، ظامئا ، لا يجد بيتا يأويه ، فاختار مبني متهدما قديما يقيل تحت ظله وينام ليلا بجواره ، وافاق أهل القرية ذات صباح ليجدوا التيس يئن ويتألم ويتلوى ، بحيث بدا واضحا انه أكل طعاما مسموما ، ورغم وجود عجائز يشتهرن بتحضير الأعشاب الطبية وممارسة العلاج الشعبي ، ذهب بعض الصبية للاستعانة بهن لإنقاذ التيس ، إلا أنهن تضامنا مع بقية نساء القرية ، ادعين أنهن لا يملكن علاجا لمثل هذه الحالة التي يعاني منها التيس المتوحش ، وظل عدد من أهل القرية يتحلقون حوله ، عاجزين عن مساعدته وهو يعاني ويتألم ، حتى اسلم الروح .

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home