Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Atiya Saleh al-Awjeli
الكاتب الليبي عطية صالح الأوجلي


عطية صالح الأوجلي

الثلاثاء 9 نوفمبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

أحاديث عن الترجمة... (1)

عطية صالح الأوجلي

(1)

بالرغم من أنني لا انظر إلى نفسي كمترجم محترف .. إلا أنني في حقيقة الأمر أزاول الترجمة بشكل متصل منذ ما يقرب من عشر سنوات. وكثيرا ما تساءلت بيني وبين نفسي عن هذا الدافع إلى البحث عن نص ما و قرأته .. ثم إعادة خلقه ناطقا للعربية.. لماذا كل هذا الجهد لإعادة خلق نص لا يستطيع المرء أن ينسبه إلى نفسه ؟ الأسباب كثيرة ومتعددة ، كما هي الحال في هكذا قضايا، ربما يدرك المرء البعض منها و لا يدرك البعض الأخر.. أفكر هنا في أمرين : الأول هو الحاجة إلى التواصل بيني وبين الكاتب الأصلي،إلى أن أدعوه إلى بيتي ، إلى وطني، إلى ثقافتي ولغتي. و هل من سبيل للتعبير عن الامتنان والإعجاب بنص ما أفضل من إعادة كتابته بلغة أخرى...!، والثاني هو العلاقة الخاصة التي نشأت عبر السنين بيني وبين الترجمة.

بدأت هذه العلاقة مبكرا، فقد عشت طفولتي، كما أبناء جيلي، في زمن كان الكتاب رفيقنا وكنزنا وبساطنا السحري. طفولة دفعت بنا مبكرا نحو المكتبات المدرسية و المكتبات العامة والمراكز الثقافية. آنذاك كان المناخ الثقافي في مدينتي بنغازي مميزا، حيث تصدر العديد من الصحف اليومية والأسبوعية كالحقيقة ، الرقيب، العمل، الزمان، البشائر، برقة ...الخ و تصدر مجلات كقورينا وجيل ورسالة؛ كانت هناك محاضرات أسبوعية بالجامعة، وكنا نتمتع برؤية زوار محاضرين من أرجاء الوطن العربي، كانت هناك أنشطة ثقافية حتى بالأندية الرياضية ... كما كانت هناك العديد من المكتبات التي توفر الكتب والمجلات وبأسعار زهيدة. كانت هناك صحف ومجلات تأتينا من طرابلس مثل مجلة الرواد وصحيفة الحرية. و كانت هناك حركة كشفية نشطة. كانت هناك المكتبات المدرسية والمسرح المدرسي والمرسم المدرسي. كما أنني لا أنسى وجود بعثة تعليمية مميزة من مصر وأساتذة أفاضل من فلسطين ومن السودان. كانوا بآرائهم وبنقاشاتهم وأحيانا بتعصبهم وخصوماتهم يساهمون بشكل وأخر في تشكيل وعي جيل بأكمله. كانت هناك مراكز ثقافية مثل المركز الثقافي المصري والأمريكي والبريطاني والعديد من المكتبات العامة ..... . كانت هناك إذاعة مسموعة بحق ..و حركة مسرحية نشطة .

في مثل هذا المناخ الثقافي يستطيع المرء أن يتفهم وبيسر سر انفتاحنا على عالم طل على عقولنا عبر صفحات الكتب وفي قاعات الندوات وعلى خشبة المسارح. في مثل هذا المناخ قرأت العديد من الكتب المترجمة، استهوتني في البداية كتب المغامرات من "روبن هود" و "روبنسون كروز" حتى "أرسين لوبين" و "شرلوك هولمز".. ثم انتقلت فيما بعد إلى قراءات أكثر جدية وإبداعا مثل قصص و روايات كبار الأدباء الأوربيين انطلاقا من كلاسيكيات "هوجو" و "ديكنز" و" دوستويفسكي" حتى.... روايات "سارتر" و "مورافيا" مرورا بـ "كازانتزاكس" و "كامو" و "كولين ويلسون". كما توطدت علاقتي باللغة الانجليزية من خلال المنهج الدراسي حيث كنا نقرأ بعض الروايات باللغة الانجليزية في المرحلة الثانوية و من خلال المركز الثقافي البريطاني الذي كان يقدم دورات اللغة الانجليزية. كما كان للترجمة دورا أخرا في حياتي لا يقل أهمية عن الكتب المترجمة وذلك عبر مشاهدة الأفلام السينمائية الأجنبية. فالترجمة أتاحت لي فرصة التعرف والتمتع بهذا الفن الساحر الجميل وساهمت في أن يأتي العالم بقصصه وموسيقاه وصوره إلى حيي و.. بيتي و..... حياتي.

التجربة الأهم كانت بعيدا عن أرض الوطن حين ذهبت للدراسة والعيش بالولايات المتحدة حيث تكشفت لي جوانب مهمة من العلاقة الخفية بين اللغة والمجتمع والعلاقة بين اللغة والثقافة. أدركت الفوارق بين اللغة المحكية و لغة الكتب. وأدركت أن اللغة أكبر بكثير من مجموع مفرداتها، اللغة هي إنتاج تراكمي إنساني ثقافي. فالثقافة تلبس الكلمات ثوبها واللغة ترعى الثقافة بتركيباتها. أن اللغة ترسم حدود الممكن و تترك للثقافة عبء تفسيره.

كان أستاذ اللغة الانجليزية يقول لي لن تستوعب اللغة إلا إذا استوعبت المزاج الوطني ... فعليك بالملاعب الرياضية والمهرجانات والأسواق والمقاهي ودور السينما..طالع مجلاتنا وجرائدنا .. تابع اخبار الرياضة والطقس .. والفن والحروب.... كما كان يقول " عندما تضحكك النكات الأمريكية فأعلم آنذاك انك تتحدث لغتنا".

(2)

كيف بدأت أترجم ؟ لم يكن الأمر مخططا له. فأنا أتابع بعض ما ينشر باللغة الإنجليزية. فتستهويني بعض النصوص فاحدث عنها أصدقائي الذين كانوا يحرضونني على ترجمتها. وهكذا كان الأمر. ولكن ما إن انتهيت من ترجمة النص الأول حتى شعرت بولادة جديدة وبعشق جديد. وبعد شيء من التمعن والممارسة أدركت إن الترجمة هي كتابة من نوع آخر. كتابة مقيدة ولكنها لا تخلو من الإبداع. ربما حجم التحدي الذي يواجهه المترجم لا يقل عن ذاك الذي واجهه المؤلف. أدركت أن المترجم المبدع خيميائي يحيل قطعة من الذهب إلى قطعة ذهب أخرى. و أدركت أنه كالخيميائي قدره أن يتقن ويقدس أسرار و مهارات مهنته. الفرق هو أن الخيميائي في الأساطير يحيل التراب إلى ذهب بينما في الترجمة لا نتعامل نحن إلا مع الذهب. نحن نحرس كنوز غيرنا كما تفعل الغيلان والمردة في قصص الخيال مدفوعين بعشق قاهر ولكننا نختلف عن المردة في رغبتنا الملحة لكي يرى الآخرين هذه الكنوز ويستمتعوا بها كما استمتعنا نحن بها.

(3)

الترجمة الإبداعية فن وكأي فن لا تخضع لمقاييس وقوالب جامدة، وكأي فن سيعاد تشكيلها مرارا وتكرارا.. وستختلط قواعد العمل فيها مع اللمسات الفنية والجمالية الفردية. الترجمة عبوراً للأنهار .. ولأنك لن تعبر النهر ذاته مرتين .. فلن يًترجم نفس العمل بنفس الطريقة مرتين.. الترجمة تسلل عبر شقوق الزمن و تمرد على الجغرافيا وعصيان .. لعقلية القطيع.

(4)

الترجمة إعادة خلق للنصوص بروح جديدة ولغة جديدة.. هنا يضيف المترجم رؤيته للنص و يفصح عن قدراته في التواصل مع القارئ العربي. لابد للمترجم من أن يكون على اطلاع واسع ليس فقط على اللغة المراد الترجمة منها وإنما على البيئة الثقافية والسياسية لمؤلف النص. فنحن لا نستبدل كلمات وإنما نترجم مفاهيم ذات دلالات محددة ووليدة بيئة محددة ودون فهم هذه الدلالات لن يختلف نتاجنا كثيرا عن الترجمة الآلية. النص في لغته الجديدة ينتمي للمترجم بنفس الدرجة التي ينتمي بها إلى المؤلف الأصلي. ولعل هذا هو ما دفع ميتسوس وهو مترجم شهير إلى قول ما معناه " إن أحسن مترجم هو الذي لا يترجم عن المؤلف سوى العنوان… ويعتمد في الباقي على إبداعه الأدبي’" … المسئولية التي تقع على عاتق المترجم هي الإخلاص لروح النص وبذل كل جهد لنقل المحتوى بإخلاص وجدية … و ككل القضايا الإبداعية والأخلاقية سيختلف تأويلها من مترجم إلى أخر. وهنا دعوني أتساءل معكم ..أحقا قام رامي ...... أو " فيتزجرالد" بترجمة رباعيات الخيام أم....... بإعادة تأليفها؟

كاتب من ليبيا
Lawgali1@hotmail.com


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home