Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Atiya Saleh al-Awjeli
الكاتب الليبي عطية صالح الأوجلي


عطية صالح الأوجلي

الخميس 4 نوفمبر 2010

تأملات في التجربة النازية

عطية صالح الأوجلي

لماذا الاهتمام بالتجربة النازية و هي تجربة ولدت وترعرعت وانتهت على أراض غريبة عنا ومنذ زمن ليس بالقصير. ولماذا الاهتمام بها الآن ؟ ربما لأن هذه التجربة تستحق التأمل منا، لأسباب عدة :

- عدد الضحايا الهائل والغير مسبوق من قتلى وجرحى وأسرى ومهجرين.
- التدمير الشامل للمدن والمراكز السكانية.
- طبيعة البرنامج الذي قامت من أجل تنفيذه النازية وهو برنامج تم التخطيط له بدقة وقسوة وتم تنفيذه على أمد طويل ولم يكن قتلا عشوائيا.
- درجة القسوة التي وصلت حد محاولات الإفناء الكامل لمجموعات بشرية.
- لأن هذه التجربة قابلة للتكرار فالعناصر المكونة لها لا زالت قابلة للرجوع مع بعض التغيرات التي تفرضها صيرورة الزمن..فبعض الأفكار التي راجت آنذاك تطل علينا مجدداً وقد أُحسن تغليفها وتسويقها...
- لأنه حُكم علينا بخوض نزاع مع صورة مستحدثة لهذا الفكر العنصري وقد زُين بأساطير التاريخ...

وربما، وهذا هو الأهم، أننا قد نتعلم شيئا جديداً عن أخطائنا ونواقصنا كلما تمعنا النظر في تجارب الغير. الانفتاح على "الأخر" خصوصا عندما يكون هذا الأخر ولظروف تاريخية قد ساهم في تشكيل وعينا بذواتنا وبالغير.

السبت الحزين

في بدايات صيف عام 1944 كانت قرية "اورادر سور غلان- Aoradar Sur Glane " تنتظر كعادتها قدوم يوم السبت ليقام بها السوق فينتشر الباعة والمتسوقين ويتم توزيع التبغ ثم يتفرق الرجال في المساء نحو الحانات لقتل الوقت والثرثرة وتبادل النكات والشائعات. كانت "اورادر سور غلان " قرية صغيرة مهمشة لم تتغير الحياة فيها رغم ظروف الاحتلال الذي كانت تعيشه فرنسا آنذاك. لذلك كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لسكانها عندما اقتحمت عناصر الصاعقة الألمانية قريتهم بعد تطويقها و قامت بتفتيش ونهب منازلهم، ثم غدت الدهشة ذهولا حينما قامت القوات الألمانية بفصل الرجال عن النساء والأطفال. وساد الرعب حين أجبرت القوات الألمانية الرجال على التكدس في احد المباني و اقتادت النساء و الأطفال نحو الكنيسة. نصب الجنود مدافعهم الرشاشة وراحوا يحصدون القرويون حتى سقطت جميع الأجساد وتراكمت فوق بعضها البعض. قضوا بعد ذلك على الجرحى ثم نثروا على الجثث القش والحطب وأضرموا النار فيها. ابتعد الجنود قليلا عن المشهد ليشربوا بعض الزجاجات و يتلهوا بالاستماع إلى الراديو. في ذاك المساء تم التنكيل بالأطفال والنساء. رمى الجنود قنابل دخان عبر النوافذ الزجاجية ثم اقتحموا الكنيسة وقتلوا كل من كان فيها. أحرقت الكنيسة بمن فيها والحصيلة 240 امرأة و202 طفل. ....أحرقت القرية بأكملها بعد القضاء على العجائز والمرضى. .... وعند الغروب ابتعد الجنود وهم يحتسون الخمر مخلفين ورآهم سحب الدخان .. رائحة الموت ....ودمار..... وجثث أكثر من 650 قروي كانوا بالأمس يلهون ويثرثرون.... في انتظار سوق السبت.

قبل المجزرة وبسنوات طوال وتحديدا في عام 1898 كان الخبير الألماني في العلوم السياسية "هاينريش فون ترايشكي" يحاضر قائلاً :

"..يصبح القانون الدولي كلاماً فارغا إذا ما أردنا تطبيقه على الشعوب المتخلفة. فمن أجل معاقبة قبيلة من الزنوج يحب إحراق قراها؛ ولا يمكن إنجاز أي شيء من دون أن نصنع أمثولات من هذا النوع. فلو كانت الإمبراطورية الألمانية قد طبقت القانون الدولي في حالات مماثلة فلن يكون من باب الإنسانية أو العدالة، بل من باب الضعف المُهين.".........يبدو أن جنود الصاعقة الألمانية قد رفضوا إبداء الضعف المُهين..!!!

لا تختلف هذه المجزرة عن بقية المجازر التي ارتُكبت في التاريخ سوى في بعض تفاصيلها. وهي تفاصيل تدفع بنا نحو التساؤل المذهل ...كيف يمكن لحفنة من الشباب أن تتحول إلى أداة طيعة للقتل والدمار بل وأن تستمع بجرائمها ............ و إي رصيد من الحقد غُرس بداخلهم وكيف ؟؟.......

منذ سقوط الرايخ الثالث و الكشف عن حجم الفظائع التي ارتكبت طوال سنوات حكم النازي وعن حجم المشاركة الهائلة لشرائح متعددة من المجتمع الألماني في عمليات القتل إما بالممارسة أو التواطؤ أو الصمت. والعديد من التساؤلات تشغل بال الكثير من الكتاب والمفكرين ................. كيف تمكن النازيون من السيطرة على ألمانيا وتحويل الشعب الألماني إلى آلة دمار هائلة..؟ كيف يمكن تفسير ما حدث من انتهاكات وحروب ومجازر ودمار. ؟؟؟

الألمان أم شروط معينة.....

انقسمت آراء الكتاب إلى رأيين رئيسيين : الأول يري أن جذور ما حدث تكمن في تكوينات الشخصية الألمانية والخصائص المميزة لها مثل الانضباط الحديدي ، العنصرية وعقد التفوق، البرود العاطفي، عبادة القوة، و معاداة السامية. فمن كتاب تايلور"مسار التاريخ الألماني" الذي صدر منذ أكثر من خمسين عاما، حتى كتاب دانيل جولدهاجن "جلادو هتلر الراغبون" الذي صدر حديثا صورت هذه الكتب ظهور النازية كنتيجة لخصائص معينة يتميز بها الشعب الألماني. مثل هذه الأطروحات تلاقى رواجا وتكتسب شعبية ...ألم يقم الألمان بتخطيط وتنفيذ جرائم الإبادة ؟.... وبالرغم من جاذبيتها وبساطتها إلا أنها تعاني من مشكلة رئيسية : إنها تتناسى حقائق التاريخ و الجغرافيا ! ....و تعزل الشعب الألماني عن محيطه الأكبر. فألمانيا هي ابنة أوروبا وابنة الحضارة الغربية و تشترك معها في سماتها وخصائصها وتشاركها نقاط ضعفها وقوتها. كما أنه لا يمكن حصر معاداة السامية في ألمانيا وحدها. فتاريخيا يمكن القول أن معاداة السامية في فرنسا وفي الإمبراطورية النمساوية كانت أكبر بكثير منها في ألمانيا. ففي فرنسا بيعت في عام 1886 أكثر من مليون نسخة من كتاب ادوارد درومونت "يهود فرنسا" الذي يحرض على كراهية اليهود. وقبل الحرب العالمية الأولى صوت ثلثا النمساويين لصالح أحزاب تعادي اليهود. وعندما احتلت المانيا النمسا عام 1938 تجمع أكثر من نصف مليون من سكان فيينا لتحية هتلر النمساوي الأصل. ..... ببساطة ..... لا يمكن القول أن معاداة السامية صناعة ألمانية.

أما الرأي الآخر فيسير في اتجاه معاكس، ويسلط الضوء على قضايا أوسع وأشمل كالنزعة القومية، الرأسمالية، الاستبداد والطبيعة البشرية. في هذا التصنيف سنجد كتب مثل كتاب حنا ارندت المثير للجدل "إيخمان في القدس" الذي حمل عنوانا جانبيا "تقرير عن زيف الشر" وكتاب كريستوفر براوننج "رجال عاديون" وهو دراسة لقوات البوليس التي كانت تعتقل المعارضين وتقتلهم. مثل هذه الكتب تشير إلى أن الطبيعة البيروقراطية للدولة الحديثة، النزوع إلى طاعة السلطة، ضآلة التخيل وغياب القدرة على التساؤل، كلها جعلت من وقوع المذابح أمرا عاديا. لتصل بنا إلى الاستنتاج إن أي شخص أو أمة قد تجنح نحو العنف و تمارس القتل إذا توفرت شروط معينة.

وهكذا نجد أنفسنا أمام رأيين يقود كل منهما إلى استنتاجات مختلفة وإذا كان الرأي الأول يعزل المانيا عن محيطها فأن الرأي الثاني يذيبها فيه.

الجذور الأوربية للعنف النازي.....

هناك خيوط عديدة تربط أيديولوجية النازيين ووسائلهم (الهيمنة والإبادة) بالتطورات التاريخية في الغرب. فالنازية ولدت في الأحضان السياسية – الاجتماعية للقومية الألمانية التي تقاطعت بدورها مع التيارات الرئيسية في الثقافة الأوربية : عنصرية علم الأجناس الذي ينطلق من فكرة تفوق الجنس الآري على غيره من الأجناس، الدارونية الاجتماعية وترويجها لفكرة الاختيار الطبيعي والبقاء للأفضل، علم تحسين النسل والتطلع إلى خلق جنس متفوق. ويعدد الكاتب والباحث الايطالي ترافيرسو الصلة القوية بين الثقافة الأوربية والنازية الألمانية في التالي:

- الفكر الاستعماري الذي يروج لحق الاستيلاء على أراضي وخيرات الشعوب الأضعف وهو الفكر الذي ساد القارة منذ بدايات القرن التاسع عشر. وقد لعبت كل من فرنسا و بريطانيا دورا رئيسيا في استعمار الشعوب مقارنة بالدور الألماني الذي أتى متأخرا.
- فكرة التفوق العنصري للجنس الأبيض وما يقتضيه التفوق من تبعات.
- الترويج للمهمة الحضارية للقارة الأوروبية في آسيا وأفريقيا.
- فكرة الحروب الاستعمارية التي لا يكون العدو الرئيسي فيها جيشا مقاتلا وإنما السكان المدنيون المراد إخضاعهم .
- فكرة سحق وإبادة الأجناس الضعيفة كثمن لا بد منه لتحقيق التطور والتقدم.

وهكذا نجد أن كل الأطروحات الإيديولوجية للنازية كانت شائعة التداول في أوروبا القرن التاسع عشر. ففكرة المجال الحيوي Lebensraum التي تبنتها النازية وحددتها بالأراضي السلافية في أوروبا الشرقية كانت موديلا معدلا للسيطرة الاستعمارية التي مارستها القوى العظمي لمدة تزيد عن قرن في أفريقيا وآسيا. ولأن النازيين اعتبروا اليهود كجنس معادي و أنهم وراء بروز الشيوعية وتأسيس الاتحاد السوفيتي فالهجوم عليهم كان يبدو منطقيا ومتزامنا مع قهر شعوب شرق أوروبا. ففي تصورات هتلر كان احتلال أوروبا الشرقية وتدمير السوفيت والخلاص من اليهود........ ثلاث جبهات لحرب واحدة.

كما أن النازية كانت، بشكل أو آخر، النتاج الطبيعي للحرب العالمية الأولى، الحرب الشاملة التي مهدت الطريق أمام التجربة الأكبر في القرن العشرين. ففيها كان التزاوج بين العلم والتصنيع والموت. موت الملايين من المجهولين وتلاها التقسيم القسري للدول وإعادة تشكيل القوميات أو كما لاحظ المؤرخ جورج موس بدأت الحرب الأولي بطريقة وحشية وجدت تكاملها في الشكل النازي. كما لا يمكن النظر إلى صعود النازية دون الحديث عن تأثرها بالاضطرابات الدموية و الحروب الأهلية التي عاشتها كل من روسيا، المانيا ، المجر وايطاليا بين عامي 1918 و 1923، و بروز الفاشية كقوة قومية يمينية متطرفة. باختصار، لقد كانت أوربا القرن التاسع عشر بما تمثله من عنصرية، امبريالية وتوسع استيطاني المعمل الثقافي والإيديولوجي الذي ولدت بين جدرانه النازية.

يسلط ترافيرسو الضوء في كتابه على قوى الهيمنة، العنصرية و التوسع الاستعماري التي نشرت فلسفة العنف وجعلت من ظهور النازية أمرا حتميا. فالصيحات التي أطلقها بعض الساسة والكتاب الغربيين إلى إفناء الشعوب البدائية والضعيفة استلهمت حججها " العلمية" من أبحاث ودراسات قام بها الدارونيون الاجتماعيون وأعطت الذرائع لاحتلال الشعوب وقهرها. فشارك الجميع ( البلجيك، البريطانيون، الألمان والفرنسيون) في احتلال الشعوب الضعيفة في أفريقيا وآسيا مما أدى ليس فقط إلى ضياع خيرات هذه البلاد وإنما أيضا إلى تناقص سكاني رهيب عبر انتشار الأوبئة، المجاعات، ونظام السخرة. وفي بعض الحالات الإبادة الجماعية. ثم أتت الحرب العالمية الأولى لتنشر نوعا من عبادة العنف وتمهد الأرض لولادة فلسفات عنصرية تمزج بين كره الآخر وعقد التفوق وذوبان الأمة في إرادة الفرد.

الإطار الفكري للعنصرية

تشير كلمة "العنصرية" إلى شيئين مختلفين: فمن ناحية هي سلوك يظهر الكراهية أو الحقد تجاه مجموعة بشرية ذات خصائص طبيعية واضحة المعالم وتختلف عنا؛ وتشير من ناحية أخرى إلى أيديولوجية وعقيدة تتعلق بنشأة و تكوين المجموعات البشرية المختلفة. السلوك العنصري سلوك قديم ربما بقدم البشرية ذاتها ويُمارس في جميع أنحاء العالم وبين أفراد من مختلف الأعراق والجماعات البشرية. وهو قابل للتغيير حسب تجربة الفرد. إنما الخطورة الحقيقة تكمن الإيمان بالعنصرية كعقيدة وما يترتب على ذلك من دعوة إلى ممارسة التمييز العنصري والتفوق "الطبيعي" لجنس على آخر. مثل هذه العقيدة تقود دائما إلى العنف وتجر مآسي وكوارث و هذا ما أثبتته الحركة النازية بسجلها الدموي. ولكن من أين استقت هذه الحركة عقيدتها ولدت حركة الميز العنصري بأوروبا الغربية وازدهرت فيها في الفترة ما بين منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين.

وهي مجموعة متماسكة من الأفكار تقوم على الافتراضات التالية [تودوروف،2000] :

- تقسيم البشرية إلى مجموعة من الأجناس العرقية التي يفترض في كل منها أن تحمل خصائص مميزة ومشتركة. من هذا المنظور تبدو البشرية شبيهة بالمملكة الحيوانية حيث كل جنس أو نوع له خصائص مميزة تختلف عن خصائص غيره. فالمسافة بين " الأجناس البشرية " كالمسافة بين الخيول و الحمير ليس من البعد بحيث تمنع التزاوج وليست من القرب بحيث تذوب الاختلافات. والعنصريون لا يقفوا عن حد الاعتراف بوجود الاختلافات وإنما أيضا حريصون على بقائها. ويعارضون بشدة الاختلاط بين الأعراق المختلفة.

- العلاقة ما بين الخصائص الفيزيائية والسلوك القدرات الذهنية
يتدرج المنطق العنصري نحو تأكيد العلاقة الوثيقة بين السلوكيات والأخلاق التي يمتلكها الفرد والجماعة التي ينتمي إليها. فالسود لهم قيمهم الخاصة بهم وكذلك اليهود والأسيويون ..الخ و لايمكن للفرد ان يتخلص من هذه القدرات أو يطورها حتى عبر التعليم. هذا التزاوج بين الثقافة و الأصل العرقي يصبح المنطلق الى الدعوة الى عزل الأجناس وتباينها. الخصائص الفيزيائية لكل عرق أو جنس تحدد القيم الثقافية والقدرات العقلية التي يحملها هذا الجنس. ولقد تطور الفكر العنصري في هذا الصدد بحيث تحول من أن الخصائص الفيزيائية هي التى تتحكم بالسلوكيات

- العقل الجماعي و السيكولوجية الجماعية
هنا يعود المذهب العنصري الى تأكيد فكرة الخصائص العقلية للمجموعات العرقية المختلفة. كل مجموعة لها نمط تفكير معين وهذا ينعكس على سلوك أفرادها. فالشخص لا يكتسب سلوكه من تفاعله مع بيئته وبتجاربه الخاصة وإنما يكتسبها بالانتماء إلى مجموعة عرقية محددة. وهكذا يصبح لدينا شيء اسمه العقل العربي، الذهنية الأفريقية ...الخ وتعرض هذه الايديولوجية وبقوة فكرة أن الإنسان يمكنه ان يختار وبحرية انتمائه الفكري وأن يحدد سلوكة طبقا لتفكيره وقناعاته. إذ لو كان الأمر كذلك ... ما جدوى تقسيم البشر إلى أعراق واجناس ؟ العنصرية فكر يستمد عقيدته من إيمان راسخ بالسيكولوجيات الجماعية ومن عداء للحرية الفردية.

- تدرج القيم والأجناس
لا يكتفي العنصري بالتأكيد على اختلاف الأجناس وإنما أيضا على تفضيل بعضهم على بعض. مما يعني وجود وحدة قياس للقيم والأخلاق على المستوى البشري ووجود أطار مرجعي لتقييم أخلاق كل مجموعة وإطلاق أحكام تشمل كل أفراد الجنس البشري. مما يوقع الفكر العنصري في تناقض منطقي : إذا لو كانت الأجناس البشرية مختلفة في أخلاقها وعقلياتها فكيف يمكن لنا ان نستخدم نفس القيم لنقيمها ونحاسبها ؟.... و ينطلق العنصري من القيم التي تحملها مجموعته والتي بالطبع ستكون الأفضل والأجود وتستخدم كمقياس لتقود إلى الاستنتاجات المرغوبة: نحن الأفضل، نحن الأجمل، نحن الأكثر ذكاء ...إلى أخر مقولات الفكر العنصري.

ضرورة العمل لتصحيح العالم
الافتراضات الأربع الماضية تصف لنا العالم وتقود صاحبها بشكل منطقي الى الإيمان بالحاجة الى العمل السياسي لإعادة الانسجام المفقود إلى العالم. وهكذا تشكل هذه الافتراضات المانفيستو السياسي الذي ينبع من رؤية "اخلاقية " ويدفع نحو سياسة "عقلانية" ويدعو الى اتخاذ خطوات "منطقية" تقوم بتصحيح العالم وتضع كل جنس في مكانه " الطبيعي" حتى وإن كان هذا المكان الطبيعي معسكرات إبادة جماعية. (رؤية مشوهة للعالم).

التفسير العنصري للتاريخ...

بيد أن التغيرات التي طرأت على المسرح السياسي الألماني في القرن العشرين لم تكن لتحقق نجاحها لولا وجود مجموعة من الأطروحات الفكرية التي مهدت لها و ساهمت في تطورها. ويمكننا هنا أن نميز أربعة نظريات لعبت دورا رئيسيا في هذا المجال وهي: التفوق العرقي، الحشود، العنف الثوري، وتحسين النسل [Llobera,2003]. ما يلفت النظر في هذه الأطروحات هو طبيعتها المراوغة. فالمسحة "العلمية" لهذه الأفكار أكسبها غموض وجاذبية شديدين وحولها على أيدي مروجيها و معتنقيها إلى نوع من الدين الجديد وأكسبها ذلك قوة اجتماعية كاسحة.

ولدت فكرة " الأصول العرقية" على يد الكاتب الفرنسي جوزيف آرثر غوبينو (1816 – 1882) في أطروحته الشهيرة "مقالة حول عدم تساوي الأجناس البشرية"، والتي كانت أول محاولة لتجميع عناصر ذهنية متعددة وتحويلها إلى فلسفة تاريخية متكاملة، و استحق من خلالها لقب (أب إيديولوجية العنصرية) [Giddens 1989]. فنظرياته حاولت أن تفسر صعود وسقوط الحضارات على ضوء الصراع بين جنس مميز وقوي (الجنس الآري) والأجناس الأخرى (التفسير العنصري للتاريخ) . كتب غوبينو أطروحته مابين العامين (1853-1855) وأستعمل الوسائل العلمية المعروفة لديه في ذلك الوقت وبذل جهدا جبارا في تبريرها. وطبقا لها فالحضارات تنتهي عندما تتحلل ويحدث هذا لفقدانها الحماس لبقاء ذاتها قوية ومميزة. وكيف يحدث ذلك ..؟. عندما تسمح لدمائها أن تختلط بدماء أعراق أقل منها عبر التمازج بين الأجناس. لم يكن غوبينو يرى العرق في إطار الأصل البيولوجي ونقاء الدماء وإنما أيضا في الإطار الأخلاقي والثقافي فكما أن كل عرق من الأعراق مختلف من حيث الأصل والشكل فهو أيضا مختلف من القيم والمفاهيم والأمزجة.

علم نفسية الجماهير

دفعت الثورة الفرنسية عددا من المفكرين إلى الاهتمام بالدور الذي لعبته الحشود في إسقاط النظام الملكي وتأسيس الجمهورية و ما تلاها من صراعات دموية. تبلورت هذه الدراسات بشكل علمي على يد الكاتب والطبيب الفرنسي جوستاف لوبون. كتب لوبون حول الحشود . وهي كتابات كانت رائدة في مجالها. فعلماء الاجتماع كانوا قد استخدموا عددا من الوحدات الاجتماعية لدراسة المجتمع وفهمه مثل ( الطبقة، الأمة، الطائفة،الجماعة، الشعب..الخ)، ولكن لوبون كان صاحب السبق في استعمال الحشود كوحدة اجتماعية لها خصائصها النفسية المميزة لها. ولها سلوكها ومواقفها الخاصة بها. وكان أول من أهتم بدراسة كيفية السيطرة على الجماهير، وعلى تلك الجاذبية الساحرة التي يمارسها بعض القادة على الجماهير والشعوب. فبالتركيز على دراسة خصائص الحشود مثل ( الإجماع، العاطفة، السطحية) فتح المجال لدراسات أسست فيما بعد لعلم النفس الاجتماعي ومنح، في نفس الوقت، الساسة المهييجن اداوات سياسية هامة.

- ذوبان شخصية الفرد في المجموع. فالفرد لوحده يكون مستقلا وعاقلا متمتعا بقدرة على النقد والتقييم، أما إذا انخرط في الجماهير فيذوب استقلاله، وتضيع شخصيته، وتموت حاسة النقد لديه. يتساوى العالم والجاهل في الحشود.

- الجماهير سريعة التأثر، ساذجة، تنفعل بالعدوى النفسية، لديها القابلية الشديدة للخضوع للإيحاء، سهولة وقوعها في براثن التحريض. لا يمكن التأثير في الجماهير بالحجج المنطقية و الأدلة العقلية.
- اللاوعي يهمن دائما على الجمهور.
- الدوافع التي يخضع لها هي الهيمنة والقوة .
- الجماهير لا تعرف الشك أو عدم اليقين، وهي دائما على استعداد للذهاب إلى الحدود القصوى. الجماهير تفكر بواسطة الصور، وهذه الصور تتلاحق دون رابط. تتأثر الجماهير بالجانب العجيب والغامض للأشياء.
- المخيلة الشعبية هي أساس قوة رجالات الدولة.
- الجماهير تفضل الأوهام على الحقيقة.
- السيطرة على الجمهور ودور القادة المحركين.
- الاستبداد الإجباري للمحركين.
- دور الهيبة الشخصية.
- للحشود عقل جماعي تخضع له وهو ليس مجموع عقول أفرادها، بل ينتج عن تفاعلهم ويحمل سمات تعكس مورثوهم العرقي. ونتيجة لهذه السمات تتراجع الحشود نحو سلوك أكثر بدائية و يتلائم مع فطرتها.
- ظاهرة الحشود هي نتاج للفكر والممارسة الليبرالية الديمقراطية.
- في الحشود تسيطر العاطفة الجماعية على القدرات العقلية للفرد.
- الحشد يشكل قوة أكبر من مجموع العناصر المكونة له .
- للحشود نزعة تدميرية.
- الحشود أداة طيعة في أيدي قادتها.
- خصائص الحشود النفسية يمكن إرجاعها إلى عنصرين: العدوى والتأثر بالإيحاءات.
كما بين لوبون في كتاباته أن أهمية إي فكرة لا تنبع من صحتها وإنما من تأثيرها على العقول إي عندما تتحول إلى مشاعر جياشة مثبتة في عقول الجماهير.
- العرق هو المحدد الرئيسي لمعتقدات وأفكار الحشود.

وقد اكتسبت افكار لوبون أهمية بعد ما أشاد بها فرويد في كتابه علم نفس الجماعة. وفي الوقت التي استخدمت فيه أفكار العرق والحشود لتفسير ما يحدث، فأن الفكرتين الأخريين (العنف، تحسن النسل) قد تم استخدامهما لتغيير ما يحدث. ففكرة تطوير او تعديل النسل او الجنس والتي طرحها الكاتب الفرنسي (جورج دو لابوجن) في كتابه الاختيار الاجتماعي

ففي أواخر القرن التاسع عشر كان هناك تلاحم بين فكرتي العرق و الحشود. فبالنسبة للوبون كان العرق هو المحدد الرئيسي لمعتقدات وأفكار الحشود. وفي الوقت التي استخدمت فيه أفكار العرق والحشود لتفسير ما يحدث، فأن الفكرتين الأخريين (العنف، تحسن النسل) قد تم استخدامهما لتغيير ما يحدث. ففكرة تطوير او تعديل النسل او الجنس والتي طرحها الكاتب الفرنسي (جورج دو لابوجن) في كتابه الاختيار الاجتماعي

عبادة العنف ....

علم أحياء تطبيقي ...

ما هي النازية ؟ وكيف نجحت ؟ ...

يقول الكاتب أوتو فريدريخ في "أحد لقاءاتي مع عالم النفس الشهير ساندور رادولا الذي أمضى سنوات طويلة من عمره يدرس استيلاء هتلر على المانيا، سألته ... كيف استطاع هتلر أن يطوع المانيا؟... كيف حدث ذلك ؟........ ساد الصمت لفترة طويلة ثم أجابني قائلاً : .. هذا سؤال صعب يا صديقي. ...ثم صمت لفترة أخرى كأنما يبحث في رأسه عن إجابة ملائمة قبل أن يقول بصوت خافت وببطء: .... لا أعلم."

لماذا نجح هتلر ؟

لا أحد يملك إجابة محددة. وربما لن نملكها أبدا. ولكن في هذا الوقت الذي يتباهى الغرب فيه بتفوقه الأخلاقي ويتردد صداه لدى البعض منا، ربما يجب على الجميع التذكر أن أقسى أنواع العنف التي شاهدتها البشرية هي التي مارسها الغرب ضد نفسه وضد الغير وأنها لم تأتي من خارجه، وإنها لم تكن من صنع ملتحين يقرأون كتب غريبة بل كانت من صنع مسؤولين ومفكرين ومواطنين وجنود تعلموا ونشأوا في الغرب ... وفيه أيضا مارسوا صناعة الموت.
_______________________

هوامش :
• كانوا يقصون شعر المحكوم بالإعدام من جهة العنق ويحلقونه تماما لئلا يعوق عمل المقصلة. فمبدأ عمل الآلة الرهيبة ينصب على اقتطاع الرأس عن الجسد بضربة واحدة لتفادي تعذيب المحكوم عبر تهاوي شفرتها الثقيلة على الرأس الخارج من الثقب الدائري. بقت المقصلة في الاستعمال بفرنسا حتى عام 1977 حين هوت على رأس الشاب التونسي حميد جنوبي المتهم بقتله لصديقته الفرنسية.

• ساندور رادو محلل نفسي شهير (1890 – 1972)، ولد بهنغاريا ودرس بجامعات برلين، بون وفينيا .تأثر في دراسته بأفكار أستاذه فرويد حول اللاوعي، اختاره فرويد كمحرر لمجلة تحليل النفسي زيتشريفت. كان من المعارضين المبكرين للنازية . له عدة مؤلفات في علم التحليل النفسي.

• أوتو فريدريخ، ولد في عام 1919 في بوسطن ودرس التاريخ في هارفارد. أشتغل كمراسل صحفي بأوروبا وكتب فى العديد من المجلات الأمريكية مثل نيوزويك، ديلي نيوز ، وساتردي ايفننج نيوز. له عدة كتب وروايات.

الداروينية الاجتماعية نظرية اجتماعية تقوم على أفكار تشارلز داروين في تحقيق التطور عن طريق الاختيار الطبيعي وتطبقها على حقل علم الاجتماع. ادعى داروين أن "الغرائز الاجتماعية" مثل "التعاطف" و"الإحساس الأخلاقي" تطورت أيضا بواسطة الانتخاب الطبيعي وقد أدت هذه القيم إلى تقوية المجتمعات التي ظهرت فيها، وقد قال في أصل الإنسان: "..في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة إذا ما قيست بالقرون، سوف تقوم الأعراق البشرية المتحضرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم".

• الآن غريش، " من معركة ترمبويل الى إعتدءات 11 سبتمبر، لوموند ديبلوماتيك، يناير 2009.

• Russell Jacoby, "Savage Modernism", The Nation (Sept. 2003).

• Enzo Traverso, "Nazi Violence: European Genealogy", New Press (July 2003).

• Enzo Traverso, "Production Line of Murder", Le Monde Diplomatique (Feb. 2005).



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home