Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Asaad al-Agili

Tuesday, 28 February, 2006

الإبحار الأخيـر...

( شخوص الرواية واحداثها حقيقية )(*)

أسعـد العـقيلي

كان اسمها ( عين زقوط ) .. تمجيداً لأحد المعارك التي دارت وقائعها على الرمال الذهبية الناعمة .. حول واحة ( أوجلة ) .. دفاعاً عن الوطن .. في مواجهة الفاشست من جنود روما ..
وهى من ضمن تركيبة اسطول البحرية العسكرية الليبي .. المقيم على ضفاف شط ( بنغازي ) ..
روسية الصنع .. تتركز وظيفتها الأساسية على خفر السواحل..
تقوم بمهام روتينية عادية .. فى دائرة المياه الإقليمية المتفق عليها دولياً ..
ثم تعود باطمئنان .. وشوق .. لمعانقة مرفأها االودود .. الدافىء ..
مداعبة مويجاته الحنونة ...
بيد ان سوء الطالع .. وسوء التقدير .. ولعب الصغار بالنار..
سيقدمونها ضحية .. عارية .. لوحش المتوسط.. الأسطول السادس الامريكى ..
فماذا كان يحدث آنذاك يا سادة .. ؟

لقد تورمت الحبال الصوتية للميكروفونات.. النائحة مع البوم في الليل.. الناعقة مع الغربان في النهار ..
وغصت مكاتب التعبئة العامة .. بالحروف المنصهرة.. الطافحة من قعر الجحيم ..
وتراصفت كراديس من البيانات المستعرة.. ذات القدرة التدميرية الشاملة..
وانقلب مبنى الإذاعة والتلفزيون إلى خندق لحرب فعلية ..
تخوضها جوقة الطبل المزلزل .. عبر الأثير ..
وتم تحديد الخط الفاصل بين الموت والحياة ..
وشُقت الأخاديد على طول الساحل.. لبذر ألاف الفخاخ.. والشراك المتفجرة..
لنسف متسللى المارينز ..
وتدرب طلبة الجامعة فى ( كورسات ) سريعة .. عالسبورة ..
على كيفية اطلاق صواريخ ( سكود ) .. المفتقرة الى ( وجه برايمر ) ..
اعنى ( برايمر) الطلاء .. المضاد للتأكل ..
نحو تجمعات حاملات الطائرات فى لحظة معينة فى عمق البحر .. هكذا كان يقول نائب العريف .. ( الداهية ) فى سلاح المقذوفات ..
واعتقد قريبي رحمه الله .. من كثرة ( الوجيج ) . . والذي لم يعش ليرى..
أن بإمكاننا إغراق كل سفن البحرية الأمريكية بهذه الصواريخ !! ..

واستُدعى الاحتياطي البحري .. من قوات ( بلاعيم ) السمك .. و( قراشيط ) حوت الشعبية .. التي من قدراتها الخارقة .. اللعب في البر بدون مياه !! ..
لالتهام جثث الأعداء التي ستنتفخ مثل بالونات ( بخت العيد ) .. قُبالة ( خليج التحدي ) ..
وبلغت درجة التوتر حوافها القصوى ..

وسرى التشنج .. سريان الكهرباء في أطراف ( الشعب المسلح ) .. وصدرت التعليمات الصارمة .. برفع حالة التأهب الى سقفها الأعلى ..
غابت لحظتها .. حكاية قائد البحرية المصرية .. زمن ( عبدالناصر ) ..
عندما سألوه عن ماذا سيفعل فى حالة دخول الأسطول السادس بثقله مع إسرائيل ..
فقال بالعامية المصرية : ( حابططه ) .. بلهجتنا ( انشقله مصارينة ) ..
غير أنهم ( بططونا ) .. او ( طززونا .. طزة رية ) .. فى هزيمة خاطفة لم تستغرق سوى ستة أيام ..
التهموا فيها بقية فلسطين .. والقمم الاستراتيجية من جبل الجولان..
وضاعت ( مجدل شمس ) .. ( ورفح ).. (وخان يونس ) ..
وبقية البلدات.. المتكئة باطمئنان.. على حائط المد القومي..

والمأساة ياعزيزى لها عدة وجوه .. كأرواح القطط المحلية
كان ذلك فى ابريل 1986 ..
من يفك لغز لعنة ابريل ؟ ..

عندما انطلقت الاوامر من القيادة فى طرابلس بارسال ( عين زقوط ) لمراقبة الاسطول الامريكى عن قرب ..
( من جدكم ياجماعة ) ؟ ...
فماذا بوسع خافرة سواحل .. فقيرة التسليح .. وذات تقنيات حربية متواضعة ..
أن تفعل لمعرفة مايدور داخل ( حوش الغولة ) .. ( وربيباتها السبعة ) ..
ولما كان معظم أفراد الطاقم الاصلى في غياب ساعتئذٍ .. فقد تم استكمال العدد من القطع الاخرى .. العدد الاجمالى ثلاثة واربعون ..
وطلب الرائد بحار ( على الجروشى ) .. امهاله ساعة لاخبار اهله .. والسلام على اولاده ..
قبل الانطلاق لتنفيذ هذه المهمة الخطيرة ..

بعدها تراخت الحبال التى كانت تضم ( عين زقوط ) إلى مرساتها .. ثم انزلقت بيسر نحو الشمال .. فيما لوحت ايادى الرفاق على رصيف القاعدة الحربية .. بإشارات الوداع ..
واخذت معالم الميناء تنمحي رويداً .. رويداً ..
ولم يعد بامكان طاقمها تمييز اى شى خلفهم .. وغابت النقوش .. والالوان ..
ولف مبانى المدينة .. ضباب معتم
واندفعوا على غير هدى باتجاه المجهول ..

التقى ( ...... ) فى عرض البحر بصديقه ( ...... ) آمر االقطعة
قافلاً من مغامرة .. نجا منها بأعجوبة ..
فقد اخطأه صاروخان حارقان.. أطلقتهما القوات الأمريكية ..
طلب منه أن يعود من حيث أتى .. قائلاً: ( نار حمراء قدامك يا علي ) ..

عندها ادرك الرائد ( الجروشى ) تأزم الموقف .. واختلال ميزان القوة بشكل فاضح .
وأيقن بأن لا أمل بأن يرسلوا فى أثره بغطاء جوى من المقاتلات الحربية .. لحماية ظهره ..
وربما انقشعت له عبر سموات الله .. الأبدية الزرقة .. المفرطة الاتساع ..
مواقف الرجال ..
من حجم السيد ( احمد الشريف ) .. الذى قال ذات يوم :
والله لو انفض الجميع من حولي.. لا قاتلنً الغزاة وحدي.. بعصاتى هذه ..
والمجاهد ( حسين الجويفى ) .. الذى كان يُقاتل على صهوة جواده دون ان ينحني ولو مرة ..
والقائد الجليل ( عمر المختار ) .. وشعاره الثمين "ننتصر أو نستشهد.. نحن لا نستسلم" .. فأثر عدم النكوص ..
وقرر ان يخوض معركته وحيداً حتى النهاية ..

" قد اقبلوا..
فلا مساومة..
المجد للمقاومة " ..

لكنه كان يصارع اشباحاً لا يراها .. فشاشة الردار لم تكن افضل من عيني ( زرقاء اليمامة ) ..
ولم يرصد اى هدف معادي .. فيما كانت الـ ( F-16 ) .. تضعه فى دائرة الرماية بكل وضوح ..
وانهمر الرصاص من حولهم كالشرر..
حاول المناورة لتفادى مرمى النيران .. فعاجلته الصواريخ الموجهة من أجنحة المقاتلات .. ثاقبة سفينته ..
واشتعلت الحرائق على سطحها .. وتدفق الماء إلى محركاتها
وتبعثرت شظايا الصواريخ.. كأفراخ المنايا ..

وفيما كان الرجال .. الرجال الحقيقيون .. المحاربون كفرسان الملاحم الطاحنة.. يواجهون الموت بصدور مكشوفة ..
كما صقور كسيرة الأجنحة .. تمزقها خطاطيف المردة..
اختبأ ( الفوقيون ) .. فى مركز القيادة على اليابسة ..
تحت مظلات الجدران الصلدة .. المقواة بـ ( الاسمنت المسلح ) ..
لا شعب مسلح لاهم يحزنون ..
في انتظار انحسار إعصار المعركة ..
لاستلام نياشين (عنترة ) للشجاعة .. وأوسمة ( رومل ) للبطولة .. وتيجان الفخار ( الفشنك ) ..
فمن يسكب دمعتين .. لأجل أبنائنا.. الذين لم يطالب احد بجثثهم ..

لقد ارسلوا سفينة صيد بعد اسبوع من الكارثة .. تخيلوا الاهتمام..
سفينة صيد ( منظرها إيحشم ) .. وبعد اسبوع ..
تحوم من بعيد .. فلم تعثر على شى ..
نعشم فى القيادة السياسية .. وقد صارت العلاقة مع امريكا ( سمن على عسل ) .
ولا ندرى ايهما السمن .. وايهما العسل ..
ان تقدم مجرد استفسار .. استفسار دبلوماسى .. حلو كالشهد .. عن حقيقة الواقعة .
والسماح بانتشال احدى قطع اسطولنا الحربى الغارقة ..

اما عنا نحن سكان مدينة بنغازى ..
جنة المُشردين ..
و ( فنار ) التائهين
و قِبلة الأشرعة .. التي تهدها العواصف . .
و منارة المدائن ..
علينا ان نتذكر حين نصطحب أبنائنا للسباحة على شط ( جليانة ) ..
فى موسم الصيف .. وتدغدغنا نسماته .. الندية .. المنعشة ..
أن ( الجروشى ) .. و ( المقصبى ) .. و ( الجمل ) .. و ( الحاسى ) .. و ( وزكة ) الذى سلم البحر جثته للساحل ..
وبقية رفاقهم من الجنود .. وضباط صف .. وضباط .. على متن الخافرة ..
ماتوا من اجل ليبيا ..
ولأجلنا كذلك ..

فمن يسكب دمعتين ..
صادقتين ..
لأجلهم ..

دمعتين فقط ..

اسعـد العـقيلى
________________________________________________

(*) بتصرف عن رواية بحار قديم شاهد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home