Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Asaad al-Agili

Friday, 25 August, 2006

بشائر

أسعـد العـقيلي

"عام من عام قريب" .. حكمة جدتى الاثيرة .. والتى تحرص على ترديدها مالاح لها فى الافق وعدًٌ بالخير.. فقد كان بوسعها وهى التى جاوزت الثمانين عاماً .. ان تصبر حولاً تاماً .. لقاء تنفيذ الحكومة لوعدها بمضاعفة راتبها الضمانى ..
كان وقتها اربعين ديناراً .. فى السبعينات من القرن الماضى.. زمن الطفرة النفطية الاولى .. دينار ونصف تاكسى للذهاب .. ودينار ونصف للاياب .. وديناران للعبد لله .. " نحيلة العيل " .. اجرتى كمرافق .. ومترجم من اللهجة البدوية الى المفردات الحضرية والعكس .. ( ديكشنرى ) متنقل .. هذا عدا معاناة ( البحة ) الشهرية الناجمة عن رفع الصوت لشرح حكاية ما حدث فى مكتب الضمان لعمتى .. المقيمة معنا فى البيت ايضاً .. ان كان الموضوع فيه مصلحة لها .. فانها تسمعه بكل وضوح .. وان كان لا يعنيها .. فلو احضرت لها اضخم مكبر صوت .. لاعنف مسيرة ثورية .. وفق مقياس ( لينين ) .. فهى لن تسمعك .. ....
كم بقى لـ ( حنًى ) .. من نصيبها الشهرى من الثروة .. قول ياسيدى 35 دينار .. دينار ( ايملس ) على دينار .. تنفذ قبل تحول الهلال بدراً .. يعنى مايكاد " قمر ليلة عشرة واثنين " .. يرسل اول خيوط الضو .. الرومانسية .. الباسمة .. لمدرس مصاب بالارق .. ( ايخمم ) فى برنامج الفرح .. وتدبير نفقات مراسم " سلم خوته اللى صبوله " .. وخطيبته التى دخلت سنتها الخامسة فى الانتظار ـ عانس مع وقف التنفيذ ـ .. حتى تكون " صرة " النقود خاوية على عروشها .. تسربت خمسة .. خمسة " زلوفات " .. لرفيقاتها المعدودات على اصابع اليد الواحدة .. واللاتى شاركنها سنوات الصوب .. وزغاريد الاعراس .. والرحيل .. والمعتقلات ..
انتقلت جدتي الى رحمة الله .. ولم يتحقق حلمها بملامسة الثمانين دينار .. ولم تدرك ايضاً ان حكومتنا الفاضلة .. " احبالها اطوال .. اطول من ثلاثين سنة بدون عشاء .. وان عام المواطن ليس هو عام الحكومة .. و مايجمعه المواطن فى عام .. تلهفه الحكومة فى خفها .. اسالوا الاخوة الذين كانوا ضحايا فخ تغيير العملة .. قرار تلفونى يستغرق خمس دقائق من داخل رواق الخيمة .. يبدد (التفتوفة ) التى تم جمعها فى اجمل سنوات العمر.. قرار ( سلحوبى ) محكم .. " ولا من شاف ولا من درى ياعويس " ..
رحلت جدتى وحكمتها الصبورة الى ( دار الحق ) .. وها نحن نحاول التماسك .. واصلاح الدروع .. فى المساحة المتناقصة من العمر .. وبفروة شعر لون نصفها البياض .. او تصحرت .. ( مش انا) .. لاستقبال زخات دافقة جديدة .. من الوعود المبهجة ..
ياسيد ( سيف ) .. ولن احملك وزر احد .. لقد كانت تجربتنا معكم سيئة .. سيئة على نحو موغل فى القهر .. فلقد اقام النظام حفلات مبارزة .. هستيرية .. عبثية .. عدمية .. صاخبة .. وبالسلاح الحى .. وبالقرارات والقوانين المسرفة العتمة .. والمفخخة الفقرات ..والملغمة التفسير .. ضد مواطنها الحافى .. الاعزل .. المسالم .. وطاردته الاذرع الاخطبوطية لاجهزة الامن .. فى الجامعة .. فى الشارع .. فى مكتبه .. وانتزعته من خلف مقود سيارته .. من وسط فناء بيته .. ومن ذراعى امه .. وداهمته خلف اسوار مزرعته .. والبست اطفاله اسمال العوز .. والفقر.. يعنى جعلتمونا ( مضحكة ) للشامتين .. و( صندوق عزاء) .. لاصحاب القلوب الرحيمة ..
حتى العملة الوطنية لحقها الهزال .. والمجاعة .. ولم يعد لها وزن .. ولا ذكر .. منكسة الراس .. وهى التى يدعمها احتياطى هائل من النفط .. والغاز .. حتى فى سلة العملات العربية الرديئة يسمونها ( منديل خشم ) ..
وصار المثل الشائع "تشكيلى .. نبكيلك" .. هو خبز المواطن اليومى .. وانفق الرئيس ( معمر القذافى ) ثروات طائلة .. وسنوات بدون حساب .. لفك ( العقدة الغوردية ) .. والتى تقول الاسطورة .. من يتمكن من فكها سوف يحكم العالم ..
اقول كل هذا حتى لا نغرق مرة اخرى فى الرمال المتحركة لاحلام الثراء الفورى .. والمجد الهلامى .. وتصدمنا الوقائع .. كما فعلت للمغامر الاسبانى ( غونزالو ) .. والذى قاد حملة من الاف الرجال .. للوصول الى المملكة الخرافية ( إل دورادو ) المكسوة بالذهب .. وسط احراش .. وغابات امريكا اللاتينية .. فبعد ان غمرته السيول .. وسكبت السحب طيلة شهور عديدة مخزونها فوق امتعته .. وغزتهم الامراض .. ونهشهم البعوض .. والاوبئة .. وفسد مخزونهم من الطعام .. وتساقط الرجال من حوله واحداً تلو الاخر .. وفر اخرون مع مجرى النهر .. بعد ان تشققت اقدامهم .. وحفرت القروح اخاديد فى اجسامهم .. ادرك فى نهاية المطاف انه ليس هناك مملكة بهذا الاسم ..
ولا نود ايضاً ان نُعيد تجربة شكرى غانم الذى عجز عن تمرير قراراته الخاصة بتطوير .. واصلاح البلد .. القرار الوحيد الذى استطاع تمريره باعجوبة .. هو رفع سعر الطماطم ..
اقول لك بكل صراحة .. ان منظومة ( احمد ابراهيم ) .. والدكتور ( بودبوس ) .. والمروج الفاشل للبضائع الثورية .. المنتهية الصلاحية ( بوخزام ) .. التائه بين مصطلحى التطوير والاصلاح .. ومن لف لفهم .. واحتمى بحماهم .. من التماسيح و ( القطط السمان ) .. وكل من غرز سيفه فى ظهر الوطن .. انكشف على السطح بمسدسه .. او اختفى بسوطه فى دهاليز اقبية التعذيب .. والعسف .. يشكلون السدود العائقة لانطلاق النهر..
لن اكون متشائماً .. ولكن دعونا نرى خطوات حقيقية على الارض .. بقفل ملفات .. خرج ولم يعد .. الجثة تحت البلاطة .. "خمسة ياشاب" .. "ماشورك شى ما ايجيك شى"..
اعادة بناء ضريح شيخ الشهداء ( عمر المختار ) .. بناء النادى الاهلى .. واخراج احمد خير وصاحبه من السجن .. تسليم المواطن الليبى خريطة الغام القوانين المهلكة .. وخاصة قانون 15 الذى اباد الطبقة الوسطى عن بكرة ابيها .. ووضعها فى خانة الحالات الطارئة .. اعادة رفات ضحايا مذبحة بوسليم الى ذويهم .. وتعويضهم مادياً ومعنوياً .. جعل طرابلس باعتبارها العاصمة .. هى محطة الاستقبال الحقيقية للرؤساء والوفود .. مع احترامى لسرت واهلها .. ورفع الوصاية عن الناس .. ودفن شعار ( الحق الثورى ) بهدوء فى مقبرة العائلة .. والذى تجاوزت صلاحياته .. وسطوته .. قانون ( الحق الالهى ) .. الذى عمل به الاباطرة والاقطاع فى القرون الوسطى المظلمة لاوربا ..
ليس ثمة وقت لبعثرته .. وقد دخلت ازمنة القياس .. والحساب .. الفيمتو ثانية .. والنينو .. ولم يعد ثمة موضع لزمن "اللى يرقد للستة .. يرقد للستين" ..
هذه حسبة وضعتنا جميعاً فى مأزق (الوادى المفقود) .. فالنهر وصل حافته الحرجة ..
" النهر للمنبع لا يعود .. النهر فى غربته يكتسح السدود . "


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home