Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Asaad al-Agili

Saturday, 7 January, 2006

المجتمع الملون ... ومؤسساته

أسعـد العـقيلي

لو سألتني قبل مدة عن ماهو المجتمع المدني.. لأجبتك على الفور المجتمع المدني.. يعنى هو المجتمع المدني يعنى!!!.
وهى إجابة تكاد تكون مطابقة لإجابة زميلنا أيام الإعدادية (...) الله يذكره بالخير.. وقد كان من ضمن فئة (أرحم من قرّا ؤ ورّا).. ورصيد كبير من (البجيلات) ذات الحلقات الحمر وقد سأله معلم اللغة العربية عن معنى قول (الشابى) إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. فلابد ان يستجيب القدر..
فنهض صاحبنا هذا نهضة الواثق قائلاً :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة.. يعنى.. فلابد أن يستجيب القدر.. يعنى.
وغص الفصل بالضحك..
ولو كان (الفراهيدى) حاضراً لشكره على هذا البحر الشعري الجديد.
غير أن الكثير من كتابنا الكرام دفعوني بلطف عبر كتاباتهم ومقالاتهم القيمة للبحث والإطلاع على هذا المفهوم المعاصر.. فان كانت هذه نيتهم فبارك الله فيهم..
وإن كان غيرها.. فقد يؤجر المرء رغم انفه كما يقولون..
هذا من جهة.. ومن جهة اخرى فقد صار هذا المصطلح يتصدرا لواجهات اللامعة لنشطاء العمل السياسي والاجتماعي في العالم ...
وايضاً احد الاعمدة المحورية فى ادبيات الساعين الى التحول نحو الديمقراطية. ويمكن القول ان المجتمع المدنى هو مخلوق حديث النشأة ومصاحب للنقلة الكبرى التى احدثها (عصر النهضة).. ويميل البعض إلى ان (روسو) هو اول من وضع حجر الاساس لهذا المفهوم من خلال افكاره فى كتاب (العقد الاجتماعي).. حيث يقول : " يحدث توافق بين الجميع على قدر من التنازلات فى سياق اجتماعى، يتم فيه التنازل ارادياً عن بعض الحقوق الشخصية، مقابل منفعة اخرى، تتمثل فى مجتمع منظم مستقر، وحكم راشد."..
اما فى العصر الحديث وفى الستينات من القرن العشرين فقد تردد ذكر هذا المفهوم من خلال كتابات واراء المفكر الايطالى الماركسى (قرامشي)..
حيث اشار الى وجود مستويين متمايزين فى حركة المجتمع.. المستوى السياسى.. ومستوى المؤسسات المدنية.
وتداولت الاوساط العمالية.. والنقابية الحديث عنه بعد النجاح الكبير الذى حققه (ليش فاليسا) زعيم منظمة (التضامن) البولندية فى احواض بناء السفن حول ميناء (غدانسك).. وانتصاره لمطالب العمال فى مواجهة الحكومة.. وذلك فى بداية الثمانينات..
وعند التعربف (النظرى) للمجتمع المدنى كونه مجتمع حديث.. ومتطور.. ومرتبط بالانظمة الديقراطية.. وليست لديه اية صلة لا من بعيد ولا من قريب بالمجتمع القبلى.. او المجتمع الهمجى.. او المجتمع (البوليسى).. او مجتمعات (ابيض واسود).. او اى شكل من اشكال المجتمعات البدائية الاخرى يكاد يكون الجميع متفقين..
بيد أن الإشكال يطل برأسه عند البدء في شرح (مؤسسات المجتمع المدني).. ماهيتها.. هيكليتها.. علاقاتها بمؤسسات الدولة (الحكومة).. استقلاليتها.. قربها أو بعدها من خنادق الأحزاب.. وخطوط الإمداد للمعارضة السياسية..
فقول مع إبعاد المؤسسات المدنية عن برامج المعارضة.. وأخر مع فرضية أن أدائها الفاعل لن يكون إلا عبر التحرك الحزبي ونشاطات المعارضة..
وفتوى تفيد بأن أياً من هذه المؤسسات لن يكتب لها البقاء مالم تدعمها الحكومة.. ويقول بهذا الرأي الدكتور (رجب بودبوس) فالدولة عنده هى اهم ادوات المجتمع المدنى :
" الخروج إلى المجتمع المدنى، اذا كنا متخلفين الى حدٍ ما عن المجتمع المدنى، وهذه مهمتنا نحن .
لكن الخروج إلى المجتمع المدني بدون التفكير فى الدولة لايمكن، ويستحيل، وهو وهم.. لايمكن ترك الدولة جانباً، تعيث فساداً، او قاصرة، او كسيحة، أو عرجاء وبعد ذلك اريد مجتمعاً مدنياً... هذا لايمكن، إذ ألاولى أن نبداء بالدولة نفسها، أهم أدوات المجتمع المدني، وأن نعيد السيطرة على هذه الدولة، لانها إلى حد ألان ليست اكثر من إقطاعية... أقولها بكل صراحة ... لاتوجد دولة ديمقراطية فى الوطن العربى... " انتهى
هو الذى قال..
انا ليس لى دور سوى نقل مقالة الدكتور كما هى..
وليس لدى رغبة فى (الحلف ).. ونص المحاضرة موجود على صفحة (ليبيا اليوم) .
وفى محاولتي لفض هذا التشابك المعرفي.. انتفضت امامى حكمة لأحد المرجعيات الشعبية تقول :
(كان كثرت الآراء خوذ الدلعبى فيهن)..
وإذ غاب عن سماحة المرجع تحديد ملامح هذا الرأي الأكثر صواباً.. جاز لي الإدلاء بدلوي..
وأنا اعتقد أن ما يمنح رأياً ما وزنه.. وفاعليته..
هو قناعة صاحبه به.. وتمسكه بعدالة مطلبه (بدون عناد طبعاً)..
ثم الاجماع (التلقائى) الذى يحققه ..
وفي مرحلة لاحقة قدرته على تثبيت هذا الاجماع بتحقيق برنامجه الذى دعا اليه على ارض الواقع ..
وانا لااقصد بالاجماع الاغلبية المطلقة.. فهذا امر متعذر فى الكثير من المسائل ..
وانما الاجماع المطلوب ـ حسب قواعد الاسلوب الديمقراطى ـ لتمرير البرنامج.. او المشروع .
ففى بلد مثل سويسرا بمقدورك الدعوة الى انشاء جمعية او مؤسسة لحماية (الكلاموديموناس) مثلاً.. هذا اذا أفلحت فى إقناع أشخاص أخرين بفكرة الدفاع عن المخلوقات وحيدة الخلية.. وإنقاذها من التلاشي الناجم عن الإهمال المقصود من جهة الحكومة لهذه الكائنات المسكينة.. وان كنت تملك موهبة خارقة في خلق الحجج واستطعت تجميع مائة ألف توقيع مناصر لمشروعك.. حينها يدخل المشروع للتصويت عليه في البرلمان.. ثم يطرح للاستفاء الشعبي ..
ولو حدث وانشرح صدر احد الاحزاب المتخصصة فى تعداد (سوايا) الحكومة لمبادرتك.. فهذه بالنسبة لك (جنة وفيها الكعك) ..
وسوف يشرع محرروا جريدة الحزب فى التقاط الصورة لسيادتكم والى جانبك المخلوق المقارب على الانقراض.. وفوقها (بالبنط العريض) الرجل الذى انقذ البكتيريا من عبث الحكومة ..
واذا كثرت الضغوط.. والمطالب على الحكومة فقد تسارع بتبني هذا المشروع ودعمه.. لتفويت الفرصة على خصومها لاسقاطها..
ارايتم.. الفكرة دفعها شخص واحد الى الواجهة..
وتسمى هذه العملية بحق المبادهة او المبادرة (droit d'initiative) .. تجمهر حول رايتها عدد من المواطنين.. صارت مؤسسة مستقلة.. احتضنها احد الأحزاب الداعية إلى حماية البيئة.. جاعلاً منها رأس الجسر لاقتحام مبنى الحكومة.. انتبه احد دهاقنة الحكومة الى نذر العواصف التي تتجمع في الأفق.. اقنع بقية الرفاق باستثمار الفكرة تحت مشروع الحكومة الداعي الى التنمية الشاملة..
غير ان الحكومة بحكم الواقع.. او بحكم الامكانات.. او بحكم اى مبرر أخر.. حقيقى.. او وهمى.. لا يكون بوسعها تلبية (كل) رغبات.. (كل) مواطنيها.. فى (كل) الظروف.. وقدرتها على ذلك.. كقدرة الحوذي على تصنيع الجبن من لبن العصافير..
وإذ ذاك تتشكل منطقة (قضاء الحاجات.. والرغبات).. والتى ينطلق افراد.. او مؤسسات.. او احزاب للعمل على تحقيقها.. واشباعها ..
ففى الخمسينات من القرن الماضى جلست سيدة امريكية سوداء فى احد المقاعد المخصصة للبيض فى وسائل النقل العام فى امريكا.. غير ان السائق اشار بضرورة انتقالها الى مكانها المناسب فى الخلف حيث مقاعد السود.. وذلك بحسب القانون.. لكن السيدة تشبثت بمقعدها كأنه معنى لحياتها نفسها.. ورفضت الانصياع لتحذيرات السائق ..
واليوم يخصص مقعد فى الحافلات العامة فى ولاية (الاباما) لصورة السيدة (روزا باركسى).. في ذكرى وفاتها سنوياً.. تكريماً لدورها فى القضاء على قانون عنصري بغيض ..
وصارت رمزاً لتجمعات الحقوق المدنية فى العالم ..
كما ان تراخى دور الدولة.. أدى إلى ظهور (التجمع الاجتماعي العالمي) ..
فمع إنطلاق (الليبرالية الجديدة).. وسيطرة رؤوس الأموال الضخمة.. وتمدد الشركات العملاقة إلى ما وراء القارات.. وتهديد الطبقة الوسطى في عقر دارها.. هذه الطبقة التي تلعب الدور الجوهرى فى الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي .. وتلخص جريدة (LE MONDE) الفرنسية.. الواسعة الانتشار هذا الوضع برسم ساخر لغوريلا ضخمة تستحوذ على نصيب الغوريلا الصغرى من الموز.. فتحاول الصغرى الدفاع عن حقها بالقول "لكن قانون التجارة.." ..
فترد الغوريلا العملاقة "لكن قانون القوة .."
فكان لزاماً والوضع كذلك ان يتكون (المنتدى الاجتماعى).. تحت شعار " عالماً أخر ممكناً".. ورغب مؤسسوه فى تسمية هذا التجمع الجديد بـ (المسار) أو (المنتدى).. وليس (منظمة ) ..
وهم بهذه الصفة لا يريدون (إتخاذ مواقف).. وإنما (توليد مواقف) ..وهذا المسار متعدد ومتنوع.. فلا تصبغه طائفة.. ولا حكومة.. ولا حزب.. ومن هذا التعريف (المنتدى المفتوح ) يستمد عناصر قوته الخلاقة.. وقد بدأت فكرته بزعيمين برازيليين من نشطاء الحركات الاجتماعية ..
ففي ابريل من العام 2000 ذهب كل من (تشيكو ويتاكير).. و(اودين غراجيو).. الى فرنسا لمقابلة (بيرنارد كاسينى) مدير (لوموند دبلوماتيك).. ونشأ حلف بين نشطاء التحرك الشعبي والنخب المثقفة فى العالم ..
وبعدها بخمسة أعوام أمسى هذا المنتدى خط التماس الرئيسي في مواجهة مخاطر العولمة.
ويحدث أن تتحول حركة نشاط اجتماعي مستقلة إلى حزب سياسي ..
كما هو الحال مع (حركة الخضر).. وبعد ان زادت وتيرة نشاطاتها فى الدفاع عن البيئة.. تحولت إلى (حزب الخضر).. الذي انتشر فى الكثير من دول العالم.. ومن بينها بريطانيا.. وايرلندا.. وكولومبيا.. والهند.. وباكستان.. واتسعت اهدافه لتشمل الدعوة الى مبداء اللاعنف.. والمساوة.. واحترام وحماية التنوع الثقافي.. والعرقي.. والديني.. وتعزيز السلام العالمي ..

وأخيراً..
هذا ما استطعت لملمته.. من قرآتى المتناثرة ..
وفى تجارب الآخرين ما يغنى عن البداية من نقطة الصفر.. والتجول في اللامكان ..
وحتى نتمكن من كتابة (N.G.O) (المنظمات غير الحكومية).. على واجهة احدى العمارات في عاصمتنا الجميلة (طرابلس)..
يبقى الشكر لكل الاقلام التى نقشت بمدادها حول هذا الموضوع.

اسعـد العـقيلي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home