Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdalla Ali Ben Salim
الكاتب الليبي عبدالله علي بن سليم

Thursday, 31 May, 2007

 

الانتصاف من أهـل الجهل والانحراف ( الفيتوري ) (1)

عـبدالله عـلي بن سليم

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) ، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، الذين نصروا الله وأعلوا كلمته، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وبلغوا هذه الشريعة إلينا محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، وكانوا خير مثال في فهمها والدعوة إليها، ثم تناقلها من بعدهم التابعون، ثم من تبعهم من العلماء، كابراً عن كابر إلى يومنا هذا، فرضي الله عنهم ورضوا عنه، ورحم من اتبع سبيلهم واقتفى دليلهم، وبعد

فإن ساحة الانترنت خصوصًا في مواقع بلادنا تعج بكتابات كثيرة يكثر فيها الهرج، ويختلط فيها الحابل بالنابل، ومعظم الأقلام من سفهاء الأحلام الذين ليسوا أهلا لأن يوجهوا أو يكتبوا، مما جعل الكثير من الناس في فوضى عقلية، تفقدهم التمييز بين الحق والباطل والصحيح والخطأ والعالم والجاهل، بسبب ما ينشر في مقالات كثير من أدعياء العلم والدعوة، حتى لبسوا على الناس الكثير من المفاهيم، فمن تزوير للتاريخ وتزكية وإطراء من لا يستحق المدح من المنحرفين والضالين، إلى ادعاء المرجعية والفتيا من غير المؤهلين، ولكن أفظع هذه الأمور وأسوأها وأشدها طعنا في دين الله وحملة رسالته من الصحابة والتابعين وأفذاذ العلماء، وطمساً وتشكيكاً في ثوابت الدين هو ما يكتبه المدعو عبدالحكيم الفيتوري، في إشكالياته المنقولة عمن سبقه، وما زاد عليهم إلا الجهل والعيوب في الاستنتاج والأسلوب، وكثرة التهويل والضجيج والعويل.

وحيث إن هذه الشخصية مجهولة لكثير من القراء فلا بد من إلقاء الضوء على نشأته وتدرجه حتى وصل إلى ما وصل إليه، فقد نشأت هذه الشخصية في محيط يغلب عليه الجهل، إذ كان عسكريا مستجدا في الحرس، أو جنديا أول، ولقد سمعت أنه ترقى قبل خروجه، إما إلى جندي أول، أو إلى نايب عريف، ويغلب على أمثاله من العسكريين - إن لم يكونوا أميين - أن يكونوا ممن فشلوا في دراستهم ولا يتجاوز مستواهم بعض سني المرحلة الابتدائية أو الإعدادية، ولم نعلم مستواه على وجه التحديد، إلا أنه لم يأخذ الشهادة الثانوية قطعا، إذ كان قد زورها في الباكستان، ليدخل امتحان الشهادة الجامعية في البنجاب، فهو لم يدرس سنوات الجامعة، وإنما دخل الامتحان الجامعي الأخير، وأخذ الماجستير من نفس الجامعة - وما أدراك ما هي - أومن جامعة تسمى (جامعة إفريقيا العالمية بالسودان) التي أخذ الدكتوراه منها، وكلا الجامعتين (البنجاب وافريقيا) وضعت لغير الناطقين بالعربية، وهم جمهور طلابهما، وواضح - والحال كذلك - انك لو وضعت شخصا يتكلم العربية، ومحا أميته بشىء من القراءة والكتابة، بين طلاب هاتين الجامعتين لوجدته متميزا ويسهل عليه جدا نيل أي شهادة منهما، وبهذا تمكن هذا الجندي الأول من إرخاء الستر على نشأته الجاهلة، وماضيه الوضيع(1) ، وتمكن كذلك من نشر اضطراباته الذهنية، وحقده الحاد على الدراسة المنهجية ومعاهدها وأهلها قديما وحديثا، كلمزهم بالعقلية المسجدية (هكذا دون وازع من دين أو حياء) والعقل السلفي وغير ذلك، ومن جهل شيئا عاداه. وإذا نظرنا إلى شهاداته التي تلت الثانوية - على ما بها - نظرة أكاديمية منهجية، كانت باطلة كلها، لأنه زوّر الثانوية، (ولعله لم يأخذ الإعدادية أو الابتدائية أيضا) ولم يدرس سنوات الجامعة، وما بني على الباطل فهو باطل، مع أن هذه الشهادات لم تعد تعني شيئا، فقد أخذها كل من هب ودب، بَلْهَ(2) مَنْ زَوَّر الشهادات واختزل السنين.

هذا وقد أثرت هذه القفزات الدراسية تزويرا وتجاوزا في طفراته الفكرية ومزاعمه الإشكالية بعد ذلك، وتقلب تقلبات فكرية وتنظيمية لا تخلو من دخن، وقد يتظاهر بالانتماء إلى تيار، ويعمل في مؤسساته، وهو في الواقع منتظم في غيره، كما حصل له عندما كان يدير مركز المنار بمدينة كاردف. وكما كان ديدن بعض الحزبيين من قصار النظر وضعاف الدين، في صناعة المؤرخين والمراجع والمفتين، اصطنعوا هذا الجاهل فصار مدرسا في كلية لندن المفتوحة، يطبع سفاسف من وساوس جهله وزخرف قوله واصفا نفسه على أغلفتها بأنه أستاذ الأصول والمقاصد والتفسير في كلية لندن المفتوحة.
لقد هزلت حتى بدا من هزالها       كلاها وحتى سامها كل مفلس

بل إنه عرّف نفسه على الغلاف الأخير لكتيبه (فصول من مرسل مكحول) بأشياء؛ كباحثٍ بكذا ومؤسس كذا ومحاضرٍ بكذا، وفي هذا الكذب لأدنى ملابسة، وختمها بأنه يشغل حالياً مدير مركز مقاصد للدراسات الإنسانية ببريطانيا. وقبل أن نتكلم عن هذا المركز نقول: لقد نسي أنه عميد (الكلية المقاصدية) كذلك، وأما هذا المركز، فلا وجود له في دنيا الناس، إلاَّ أن يكون على يسار الخارج من (الكلية المقاصدية) في فيافي الأخيلة والأوهام، ونحن نتحدى الرويبضة أن يثبت وجود مركز يحمل هذا الاسم في بريطانيا، وللتسهيل عليه فليثبته على وجه الأرض. ثم كيف يكون مركز مقاصد للدراسات الإنسانية! مقاصدُ مَنْ؟ وأي جانب من الدراسات الإنسانية تتعلق به هذه المقاصد؟ اللهم إلاَّ أن يكون مركز مقاصد الجاهلين ومرضى العقول والمعتوهين، أو يكون مركز مفاسد بالفاء الموحَّدة والسين فحصل تحريف مطبعي ازدادت به الفاء نقطةً وتفخمت السين فصارت صاداً، وعلى كلا الوجهين فلن يُنازَع إدارتَه ولن يُنافَس عليه لأن مقرَّه بين كتفيه.

وكيفما قلبت الأمر وجدته لم يتأسس علميّاً، ولذلك جاء في كل ما يصدر عنه خلطاً وخطأً كثيراً في انتفاش ولغط يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ولقد سمعته بأذني يقرأ القرآن، فيخطئ ويلحن كثيرًا، حتى في الآيات التي يستدل بها، وله فتاوى قولية مخزية في حل فروج النساء النصرانيات، سمعها منه كثير من الناس، وأنا منهم، فقد قال لي: إنه يحل ذلك بلا عقد ولا مهر ولا شهود، وحجته في ذلك أنه ليس لهن حرمة، هذا غير فتاوى الربا وشبهها.

ومقالاته الكثيرة شاهدة على جهله، فهو بعد أن يضع تلك الصورة الجميلة والنظارة على عينيه أمَارَة مُثافنة الاطلاع واللوذعية وعمق البحث، يستهل مقالاته متبختراً مختالاً زاعماً التجديد، مغلطاً لسلف الأمة وعلمائها ، بأسلوب ينقصه أدنى درجات الأدب، كما يتميز بالجهل وعدم الموضوعية، ولقد كنا نظن أن لا حاجة للرد عليه؛ لأن مقالاته تحمل الرد في طياتها، بما اشتملت عليه من جهل فاضح، وعبارة مفككة، ولحن فاحش، وأسلوب في التدليل لا يصدر ممن شم رائحة العلم أو سلامة العقيدة، فضلا عن مدعي التجديد وحل المشكلات، وآخر دليل على ذلك ما أشكل عليه من أحاديث نزول عيسى عليه السلام، التي ختمها بأن اعتقاد ذلك اعتقاد ساذَج سطحي، ونظراً لأن في هذا الكلام سوء أدب مع حديث رسول الله صلى الله وسلم، وتحقيراً لسلف الأمة وأئمتها، فقد اخترنا له في هذا الردّ لقب الساذج السطحي (س . س.) الذي كلما ذكرناه في هذه الردود، إنما نعني به عبدالحكيم الفيتوري، وهذا أقل جزاء يناله الجهلة من فلتاء الأقلام عندما يتطاولون على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رواته من الصحابة الكرام وحملة الإسلام من الأئمة الأعلام.
وعلم الله أني ما كنت أريد أن ألتفت إليه، وتأخرت بردي طمعا أن يتراجع برد بعض الإخوة عليه، فلما سمد في ضلاله حيفاً وجنفا، وسدر في عيب العلماء واستنقاصهم سلفاً وخلفا، وفتن بعض الناس بما قال جهلاً وصلفا، صار الرد عليه فرض عين، حتى يتبين التلبيس ويتضح الصبح لذي عينين، والله أسال أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وينفعني به حين قدومي عليه، ومثولي بين يديه، وإن قسوت على المردود عليه، فالمقصود رضا الله، والذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانتصار لحملتها الأسلاف، والانتصاف من أهل الجهل والانحراف.
ومن هنا نأخذ في الردّ عليه فنقول:

قال س.س : حقيقة هذه المقالات الثلاث (نزول عيسى عليه السلام في القرآن)، و (نزول عيسى عليه السلام في التوارة والإنجيل)، و (نزول عيسى عليه السلام في الأحاديث) هي دراسة وافية قمت بها بعد نقاش منطقي مع بعض الزملاء النجباء في العام الماضي بمناسبة عيد الميلاد (الكرسمس Christmas)، وقد أرتأيت أن أنشر مقتطفات من هذه الدراسة بمناسبة عيد ميلاد هذا العام.

ونحن نقول: يالها من دراسة ما أوفاها، وياله من نقاش منطقي، فتبارك العيدان، وتبارك النقاش والنشر، وتبارك ما بينهما، وليهنكم العلم والنجابة معشر الدارس وزملائه.
وإذا سخَّر الإله أُناسا       لنجيب فإنهم نُجباء

ثم قال س.س : القصد منها تقرير أهداف منهجية ثلاثة، أولها: أن القرآن الكريم حق مطلق، وحكم فصل (إنه لقول فصل، وما هو بالهزل).
التعليق:
أقول: ماذا يعني بحق مطلق؟ مطلق مِِِمّه؟ أمن التقييد بالسنة النبوية؟ وعند ذلك يذهب تفسير كثير من السنة للقرآن وتقييدها له، وهذا يعود على إلغاء كثير من أمور الشريعة، ثم يستدل بقوله تعالى (إنَه لقولٌ فصلٌ)، فهل من يقول بتقييد السنة بالقرآن بل وزيادتها أحكاماً وأخباراً عليه يطعن في أن القرآن قول فصل أو أنه ليس بالهزل! أم أن هذا س.س. لا يعي ما يقول، ثم ما صلة نزول عيسى عليه السلام الثابت في الأحاديث الصحيحة، التي لا يوجد في القرآن ما يخالفها - كما سيأتي - بالطعن في أنه قول فصل وليس بالهزل؟ كما يوهم كلام هذا الرويبضة المختبط، أم مطلق عن المعارضة؟ فالأحاديث الصحيحة التي أشكلت عليه ليس فيها أي معارضة للقرآن، إلا لدى تحريفات الجاهلين من أمثاله كما سيأتي، ثم انظر أيها القارئ الكريم، وقارن بين نقده للأحاديث الصحيحة (أحاديث نزول عيسى وغيرها) مدعيا معارضتها للقرآن وبين تصحيحه لحديث مرسل ولا أصل له - حديث مكحول (لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب) - مع معارضته لنصوص صريحة قواطع مطلقة من الكتاب والسنة، ولو سلمنا ما ركبه - من عنت وتكلف وسوء تصرف في الفهم والنقل - في تصحيحه لكان لا يقارن - صحةً واتصالَ سند أو تواترًا- بالأحاديث التي نقدها بادعاء المعارضة للقرآن، التي لو سُلـّمَت- جدلا- لكانت كالسهى وهى (المعارضة) في حديث مكحول مطلع الشمس والقمر، وسنتعرض لذلك في موضعه، أقول قارن بين الموضعين لتعلم أن صاحب الفك والفرز تنازعه الموبقان الجهل والهوى.

قال س.س : ثانيهما: نقد متون الأحاديث بردها إلى أصول القرآن الكريم (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)
التعليق :
1- قوله (ثانيهما) غلط إذ لا يضاف (ثاني) إلى ضمير المثنى إلا إذا كان المعدود شيئين وهو يتكلم عن أهداف منهجية ثلاثة - على حد قوله - فكيف ينقد متون الأحاديث بردها إلى أصول القرآن من لم يتقن البَدَهِيّات من أحكام المثنى.
2 - ماذا يعني هذا س.س. بقوله نقد متون الأحاديث الخ، فنحن إزاء أحاديث صحيحة، ثبتت بسند صحيح، فالمختبط يدعي أنها مخالفة لأصول القرآن، وتعود عليها بالإبطال والإفساد _كما سيأتي في هَذيَانِهِ، وهذه المخالفة لأصول القرآن من أوهامه وجهالاته، ولذلك لم يقل بهذه المخالفة والعود على أصول القرآن بالإبطال والإفساد أحد، ممن تكلموا في أحاديث نزول عيسى، وإنما اتكئوا على إعلالها، أو على أنها آحاد لا يؤخذ بها في العقائد -وإن كانوا مخطئين في ذلك، كما سيأتي تفصيله- ثم كيف تستقيم هذه المخالفة والرسول صلى الله عليه وسلم المبين للقرآن هو الناطق بهذه الأحاديث، فهل فاته صلى الله عليه وسلم أنها مخالفه لأصول القرآن ونطق بها؟ فيكون فيها تجهيل للرسول صلى الله عليه وسلم، أم لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يدعي هذا الرويبضة، بل أخطأ أبو هريرة رضي الله عنه، الذي تواترت عنه هذه الأحاديث في نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد أخذها من كعب الأحبار (رغم أنها قد صحت عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم) فيكون فيه تخطئة لأبي هريرة وغيره من الصحابة وتجهيل لهم، ولمن رووها عنهم من علماء التابعين ومن تلاهم وتبعهم على عقيدة نزول عيسى عليه السلام من العلماء؛ إذ لم يدركوا أن هذه الأحاديث مخالفة لنصوص القرآن، وتعود عليها بالإبطال والإفساد، ومن المنتجات البشرية التي تأثرت بالجانب الخيالي والأسطوري، كما أدرك ذلك هذا النابغة (جندي أول + تزوير الثانوية)، ثم ما صلة استدلاله بقوله تعالى (وإنه لكتاب عزيز) فهل في أحاديث نزول عيسى عليه السلام ما يناقض عزّة القرآن، أو يخالف حقيقة أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما يوهم ذكر هذا المتهوك لهذه الآية هنا.

قال س.س: ثالثهما: فرز الحقائق الإيمانية من المنتجات البشرية التي تأثرت بالجانب الخيالي والأسطوري المعتمد والسائد في ثقافات تلك العصور، والتي شوشت بصورة ما على مكانة القرآن الاستدلالية والتوجيهية والإلزامية (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)
التعليق:
1- قوله (ثالثهما) غلط كما تقدم، فهو في الحديث عن هدفه المنهجي الثالث، -حسب زعمه- وما زال يضيفه إلى ضمير المثنى، ويرحم الله من قال: قفل باب الاجتهاد فترة من الزمن، ثم فتح على مصراعيه فدخل منه الناس والماعز.
2- كيف يكون المنهج الخيالي والأسطوري هو السائد والمعتمد في ثقافة تلك العصور، وهي عصور الإسلام الأولى، فكيف يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الجانب الأسطوري والخيالي هو السائد والمؤثر في صحابته، وهم الذين ربوا على يديه، ولا ينفيه، بل كيف لم يدركوه هم وينفوه، وقد تركهم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ثم يأتي هذا السنّور متبختراً مختالا، ويفرز الجانب الخيالي عن الحقائق الإيمانية! وحق له ذلك فالسائد والمعتمد في ثقافة عصره هو المنهج الحق والإيمان والحكمة والهدى!
ثم بعد ذلك هل شوشت حسب قول س.س. هذه الأحاديث وأشباهها على مكانة القرآن الاستدلالية؟ يعني أنها أضعفت الاستدلال به، أم شوشت على مكانته التوجيهية؟ فلم يعد هو الموجه للأمة بالصورة المطلوبة، نظراً لتصديقهم بأحاديث نزول عيسى عليه السلام، أم أنها - كما يقول - شوشت على دلالته الإلزامية؟ فلم تعد - بسبب هذه الأحاديث - فروضه وما أمر به قوية واضحة جلية، وهي عصور الإسلام الزاهرة وخير قرونه، قال صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) التي بلغ تطبيق القرآن وفهمه وحياة الناس به فيها غاية مجده وأوج كماله، خلاف عصر الرويبضة الذي لولا ما فيه من فساد وضعة لم يجد هو ولا أمثاله من ينشر لهم أو يستمع إليهم، أم أنها ألفاظ تعوّد عليها تنتهي بـ ( ـــيّة) ’’الإلزامية، التوجيهية، الاستدلالية، المقاصدية، الكلاسيكية، الاستراتيجية ... ‘‘ ليستر بها إفلاسه، وانتكاسه في منهجيته وإبلاسه، وخلطه الحق بالباطل وإلباسه، وحتى يُظنَّ أنه من فطاحلة الأصولية.
3- لا صلة لآية {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }(فصلت 26) بالمنهج الخيالي والأسطوري - بصرف النظر عن سيادته واعتماده – إذ مدَّعاه أنه (المنهج الخيالي والأسطوري) من أهل الكتاب، والسورة مكية بالإجماع، ولا وجود لهم بمكة، ثم إن الآية صُدّرت بذكر الذين كفروا وهم مشركو مكة، ومعنى الآية (لا تسمعوا لهذا القرآن) أي: لا تصغوا ولا تستمعوا له أبداً حتى لا يتأثر به الناس، (والغوا فيه) أي شوشوا عليه - في حالة قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم له - ؛ فاللغو يشمل كل ما يخفي ألفاظ القرآن، أي يشكك فيها كما يقول ابن عاشور: قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان أبو جهل وغيره يطردون الناس عنه، ويقولون لهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، وكانوا يأتون بالمكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز وما يحضرهم من الأقوال يصخبون بها، ومعنى (لعلكم تغلبون) كما يقول ابن عاشور: رجاء أن تغلبوا محمداً بصرف من يتوقع أن يتبعه إذا سمع قراءته، وهذا مشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبهم؛ إذ كان الذين يسمعون يداخل قلوبهم فيؤمنون، أي فإذ لم تفعلوا فهو غالبكم. اهـ من التحرير والتنوير. وبنحو ذلك قال غيره من المفسرين، فإذا كانت الآية بهذا المعنى - وإنها لكذلك - فهي أبعد ما تكون عن مراد المتهوِّك بإقحامها هنا، إذ هي تتحدث عن نهي المشركين عن سماع القرآن وأمرهم باللغو فيه أثناء قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم له، حتى لا يتبين من قراءته شيء، فلا يتأثر به أحد، وليس المراد تأثيرَ أمثال هاته الأحاديث المتوهّمَ من هذا االرِّبوي الغبي على نصوص القرآن.

قال س.س.: في هذا المقال نتحدث عن المنهج القرآني في تقريره بمنطقية واضحة لحقيقة عيسى ابن مريم عليه السلام منذ الولادة إلى الوفاة. ثم نتناول بعض تأويلات هذا الخطاب القرآني المنطقي من قبل الأذهان المشحونة ببعض روايات الآحاد.
التعليق:
قوله (الأذهان المشحونة ببعض روايات الآحاد) سوء أدب من الرويبضة مع علماء السلف والخلف، لزعمه أنهم أولوا الآيات الواردة في عيسى عليه السلام، بأذهانهم التي شحنت ببعض روايات الآحاد، ولووا أعناق آي القرآن لتوافقها، كما سيأتي في هذيانه.
وأقول : يا من لا تحسن قراءة القرآن ولا الأساسيات من أحكام المثنى، يا من شحن ذهنه بالجهل المركب والهوى والمراسيل وزلات العلماء وضعيف الأقاويل، أقصر فما أنت بهنّاك، والله إنك لأمي أمام هؤلاء الراسخين من العلماء.
ولكن كما قيل :
إذا عيـَّر الطائيَّ بالبخلِ مادرٌ        وعيّر قُسًّـا بالفَهَاهَـةِ بـاقلُ
وقال السُّهَى للشمس أنتِ خفِيَّةٌ      وقال الدُّجَى للصبـحِ لونـكِ حائلُ
وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهةً     وفاخرتِ الشُّهْبَ الحَصَى والجَنَادِلُ
فيا موتُ زُرْ إن الحياةَ ذميمـةٌ       ويا نفـسُ جدِّي إن دَهْـرَكِ هازِلُ

قال س.س : أولا: المنهج القرآني في تقرير حقيقة عيسى عليه السلام: اعتمد النظم الكلي القرآني في عرضه لحقيقة عيسى عليه السلام من قبل ولادته إلى وموته بأساليب متنوعة كالإطناب والإسهاب والإيجاز
التعليق :
1- قوله : اعتمد النظم الكلي للقرآن ... بأساليب متنوعة. لم يبين اعتماد النظم الكلي على مه؟ إذ أن اعتمد يتعدى إلى المعتمد عليه بـ (على) ولم يأت به، ولعل الأسلوب تواسع عليه - رغم ضيقه - وشغل بمتعلق (عَرضه) عن ذلك، وهل الذي اشتمل على ذكر عيسى عليه السلام النظم الكلي للقرآن أو الجزئي ؟ ثم ما معنى النظم الكلي للقرآن، الذي ما فتئ يلوكه ويستند إليه في قصص وأغراض جزئية في القرآن الكريم؟ ما معنى ياء النسب؟ ولم لم يعبر بالقرآن فقط؟ فيقول اعتمد القران مثلا وهو مؤد للغرض، أقول ما فعل ذلك إلا لجهله بمعنى (النظم الكلي للقرآن) وبوظيفة ياء النسب هنا، ثم ليفخم العبارة، وليرمي إلى أنه قد أتقن النظم الكلي والجزئي، وهيهات؛ فإن مآل معنى (النظم الكلي للقرآن) كل نظم القرآن، فبإمكانك أن تقول (النظم الكلي للقرآن) يتميز بالإعجاز البلاغي والفصاحة التي لا تدرك مثلا، لأن الإعجاز البلاغي والفصاحة العليا لا يتخلفان في كل نظم القرآن، أما أن تأتي إلى أمر جزئي لم يأخذ من القرآن إلا آيات يسيرة، كالحديث عن قصة عيسى عليه السلام مثلا، أو غيرها مما ورد في القرآن من خبر أو حكم، ثم تستند في تبيان ذلك على (النظم الكلي للقرآن) فلا، ومن هنا تعلم أيها القارئ الكريم أن كل السياقات التي أقحم فيها الرويبضة هذا التعبير (النظم الكلي للقرآن) كان متهوكا مخطئا، وكأني بهذا الجاهل العابث - وهو يدحرج هذا الفظ الشريف في كل مكان جذلان مُنتشياً - يظن أنه من الإبداع الذي لم يسبق إليه، ولو نطق هذا اللفظ لضج من عبث اتخاذه مُتّكا، ولو كان يدري ما المحاورة اشتكى...
2- الإسهاب ليس من الأساليب البلاغية، لان معناه – إذا تعلق بالقول - كثرة الكلام، فإن كان في خطأ جعلوا اسم الفاعل منه (مسهَب) بفتح الهاء على صيغة اسم المفعول-على غير قياس- فيمكن أن نقول مثلا (عبد الحكيم الفيتوري مسهَبٌ) بفتح الهاء، أي كثير الكلام في الخطأ، وقد يُعنى به كثرة الكلام مطلقا، ويروى عن ابن عمر رضى الله عنهما: أكره أن أكون من المسهَبين، بفتح الهاء أي الكثيري الكلام. وتكسر هاء اسم فاعله على الأصل - وهو بهذا المعنى- أيضا. ولهذا أهمل الإسهاب علماء البلاغة، الذين ما وضعوا علم المعاني والبيان والبديع، إلا لتبيان الإعجاز في كلام البديع، سبحانه وتعالى - عن أن يكون في كلامه إسهاب - علوا كبيرا، واعتاضوا عنه بالإطناب اصطلاحا لهم في الدلالة على زيادة الكلام على المعنى - في الأصل - لنكتة بلاغية، لأن من معاني الإطناب - في اللغة - البلاغةَ في المنطق والوصف، وما أبدعه من اصطلاح، فلله درّهم. وويل للمتقحم على القول في كتاب الله - بغير علم - مما كتبت يداه.

قال س.س : في سورة آل عمران كان الإيجاز في قصة الحمل بمريم عليها السلام وولادتها وتسميتها ثم اصطفائها وتكفيل زكريا إياها.
التعليق :
1- أن قصة الحمل بمريم وولادتها وتسميتها وتكفيلها زكريا ثم اصطفائها ذكرت في سورة آل عمران فقط ولم تذكر في سورة مريم، والمقارنة بين الأسلوبين يفترض أن تكون في نفس القصة.
2- أن قصة الحمل وما عطف عليها لم تذكر موجزة كما يقول، وأنا أتحدى الرويبضة أن يأتي بإيجاز واحد في آيات آل عمران التي ذكرها، ويبين لنا نوعه، بل إن أئمة البلاغة وأساطينها يذكرون آية الحمل (قالت ربي إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) شاهدًا على الإطناب بالاعتراض. وليهن أولئك الأئمة الأفذاذ العلم والنجابة، وليخسأ العسكري مزور الثانوية وزملاؤه، ولو أراد الجندي الأول مزيدا من البيان فنحن مستعدون لأن نعلمه ونمر به على آيات آل عمران التي ذكرها، ونبين له أن الآيات كلها قد خلت من الإيجاز، وأنها تتردد بين الإطناب والمساواة، ونحن نعتقد أنه لم يسمع بالمساواة، وشغل عنها بالإسهاب، فليعلم أنها ليست المساواة التي يدعي زملاؤه من ذوي الرتب العليا تطبيقها في بلداننا، فتلك معدومة هناك شأن الإيجاز الذي يدعيه زميلهم في آيات آل عمران، بل إن المساواة أن يكون الأسلوب التعبيري على قدر المعنى - في الأصل - دون زيادة أو نقص.
3- ليس من البلاغة أن تتوالى أساليب الإيجاز أو الإطناب أو المساواة في الكلام بكثرة، بل الأصل التنوع والتفنن حسب مقاصد البلغاء ومقامات الخطاب، خصوصا كتاب الله الذي هو من البلاغة بمكان الإعجاز، فإنه لا يؤتى بأي من هذه الأساليب إلا لنكتة بلاغية، وهي تختلف من مقام لآخر، ومن آية لأخرى غالبا.
4- أن الرويبضة ذكر اصطفاء مريم قبل تكفيلها في مقدمته الموجزة كما يقول، وبعد أن انتقل من الإيجاز إلى الإطناب كما زعم، مع أن الاصطفاء ذكر بعد التكفيل بخمس آيات، ثم عبَّر عن التكفيل في مقدمته بـ (تكفيل زكريا إياها) وفي إطنابه بـ (تكفيل زكريا لها) ما يوهم أن فاعل التكفيل هو زكريا، والصواب أن فاعل ذلك هو الله تعالى إذ أن قراءة وكفّلها زكريا بتشديد الفاء معناها وكفلها- ربها- زكريا، أي جعل زكريا لها كافلاً فالفاعل ضمير مستترٌ يعود على (ربُّها) المذكور في صدر الآية، أي فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفّلها (أي هو) زكريا، ولذلك لما قرأ أبوبكر عن عاصم وكفـّلها زكرياء بتشديد فاء كفلها وبهمز في آخر زكرياء ظهرت الفتحة على الهمزة نصبا على المفعولية. وأما قراءة تخفيف الفاء من كفلها فالفاعل زكرياء نعم، ولكن ليس المصدر التكفيل، وزكرياء ممدود لا مقصور.

قال س.س : وفي سورة مريم كان الأطناب، حيث جاء ذكر أصطفائها واختارها لمهمة الحمل بعيسى، ومجيء الملك، ثم فترة الحمل، ثم الولادة، ثم تسميته بالمسيح عيسى ابن مريم، ثم تكلمه في المهد.
ونحن نقول في هذا الكلام أغلاط كثيرة:
1- ادعاؤه الإطناب في الآيات التي أشار إليها في سورة مريم والحق أن هذه الآيات يغلب عليها المساواة، ويندر فيها الإطناب والإيجاز، وأتحدى الرويبضة أن يثبت مدّعاه، ويبين الإطناب ونوعه في كل آية من هذه الآيات.
2- ادعاؤه ذكر الاصطفاء في سورة مريم وهو لم يذكر إلا في آل عمران، فإن قال عنيت اختيارها لمهمة الحمل، قلنا لا فالاصطفاء أعم من هذا ومتقدم على التبشير بعيسى، فضلاً عن حمله، كما هو سياق آيات آل عمران قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } آل عمران42 {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }آل عمران43 {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ{44} إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ{45} وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ{46}
3- قول الرويبضة: ثم تسمبته بالمسيح عيسى ابن مريم غلط؛ إذ أن تسميته بالمسيح عيسى ابن مريم إنما ذكرت في سورة آل عمران فقط، قال الله تعالى:{إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}آل عمران45 ولم تذكر في سورة مريم كما ادعى الأفّاك، وأما قوله تعالى في سورة مريم {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ }مريم34 فليس فيه لفظ ( المسيح) ثم هو ليس تسمية له، بل حديث عنه بعد رفعه بمدد طويلة، وتفنيد لمزاعم النصارى فيه، كأي مقام ذكر فيه عيسى ابن مريم في القرآن، والتسمية قد وقعت عند التبشير به وقبل وجوده، والأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، ولكن قطعا لأي سبب قد يتخذه الساذج السطحي للتهويش.

قال س.س: وفي سورة آل عمران والنساء والمائدة؛ فقد كان الاسهاب في ذكر المعجزات التي جرت على يد المسيح.
التعليق :
1- هذا هو التمثيل للقسم الثالث من الأساليب البلاغية - على مذهب هذا الرويبضة الجاهل- وهو الإسهاب (وقد تقدم معناه) تعالى كلام الباري عن ذلك، وتبّاً لهذا السفيه المسهَب.
2- تعداد معجزات عيسى عليه السلام إنما كان في آل عمران والمائدة فقط، وعلى سبيل المساواة، أما في سورة النساء فلم تذكر منها إلا معجزة رفعه وهو- عند الرويبضة كما سيأتي- رفع منزلة، يقع جنسه لآحاد المؤمنين (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فليس الرفع - على مذهبه - معجزة، ونحن نهيب بالقراء الكرام أن يفتحوا المصحف ويبحثوا عن ذكر معجزات عيسى عليه السلام في سورة النساء - في أي أسلوب - كما ذكرت في آل عمران والمائدة، ليعلموا مقدار نجابة هذا الدارس المحنك وأمانته في النقل حتى في آيات القرآن الكريم، التي لا يكلفه التثبت منها إلا أن يفتح المصحف، ويمرّ بأنامله الآثمة على آيات سورة النساء، ولم يكلف نفسه عناء ذلك، ولكن لا تعذلوه في ذلك، ولا تزرموه وذروه منشغلاً عن ذلك مستغرقاً مسهَباً في الفك والتركيب والفرز والتصنيف.

قال س.س : ثم كان الإيجاز في قصة محاولة قتله وصلبه، والتأكيد على وفاته وموته ورفعه
التعليق:
1- قوله (ثم كان الإيجاز في قصة محاولة قتله وصلبه) ليس ثَم إيجاز بل مساواة وإطناب وقد ذكرت بالتفصيل في سورة النساء قال الله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157
2- ليس ما ذكر هنا قصة محاولة قتله بل ادعاء قتله، وفرق بين ادعاء القتل ومحاولته، ولم يذكر الموت فضلا عن تأكيده، وادعاء الإيجاز فيه، بل ذكر ادعاء قتله، وأنهم وقعوا على شبهه فقتلوه، وهم مختلفون في ذالك شاكون، وليس لهم يقين بدعواهم، وأكد القرآن توفيته ورفعه في آل عمران، ولم يذكر موته فضلا عن تأكيدها- كما سيأتي - ولو ذكرها وأكد عليها ما كان مجال للاختلاف فيها بين المفسرين من السلف والخلف، أما ادعاء القتل والتأكيد على نفيه بالنص (وما قتلوه) وبطريق الأولى (وما صلبوه) - لان الصلب قد يستعمل للتعزير ولا يكون معه قتل بل يصلب تعذيبا وتأديبا ثم يترك - والتأكيد على التوفية والرفع، فقد ذكرت على سبيل المساواة أو الإطناب، ولا إيجاز إلا إذا قيل بادعاء الصلب - وعلى تكلف - فضلا عن أن مجيء الإيجاز في كل ما ذكر خلاف البلاغة كما تقدم. وأتحدى الرويبضة - كالعادة - أن يأتي بالإيجاز فيما ذَكَر، ويبين نوعه، وأنَّى له ذالك؟

قال س.س : واللافت للنظر على الرغم من أن القرآن استعمل كل الأساليب البلاغية من إطناب وإسهاب وإيجاز في قصة عيسى لم يذكر رجوعه إلى الدنيا ولم يعدها من مناقبه، ولم يعتبرها من معجزاته المتعددة والمتنوعة التي تم تسجيلها في النص الخاتم الذي تكفل الله بحفظه (إنا نحن نزل الذكر وإنا له لحافظون).!!
التعليق :
1- لقد عرفت - مما تقدم - أيها القارئ الكريم أن الإسهاب ليس من الأساليب البلاغية، وأن هذا الرويبضة الجاهل أبعد ما يكون عن معرفة الأساليب البلاغية، ولم يمح أميته في ذلك وإنما يخبط خبط عشواء، يالك من قنبرة بمعمر      خلا لك الجو فبيضي واصفري
2- قول الرويبضة (لم يذكر رجوعه إلى الدنيا ولم يعدها من مناقبه، ولم يعتبرها من معجزاته...) غلط في استعمال ضمير المؤنث (يعدها) (يعتبرها) ومعادها (رجوعه) المذكر اللفظ، لا يتخرج له إلا بتمحل، لكنه يهون أمام خطئه في ضمير المثنى سابقا، وهو أمّيٌّ في هذه الأمور الأولية.
3- قوله ( ولم يعدها من مناقبه) يتبادر منه - خصوصا مع عطف عدم الاعتبار عليه - أن فعل (يعدّ)هنا هو مضارع (عدّ) المتعدي لمفعولين وهو من أخوات ظن عملاً ومعنىً، فلا يليق أن يسند إلى القرآن. أما مصدره في قول ابن عاشور(في عد مزاياه) ففعله (عدّ) بمعنى أحصى وحسب (بفتح السين) كما هو واضح.
4- أما أن القرآن لم يذكر نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان أو (رجوعه إلى الدنيا) كما عبر الرويبضة، ولم يعدَّ ذلك من مناقبه (على حد تعبيره) ولا اعتبره من معجزاته، فأقول : إسهاب من الرويبضة، فعدم عد ذلك من المناقب، (على حد قوله) وعدم اعتباره من المعجزات، فرع عن ذكرهِ وهو لم يكن، ثم ليس هذا نتاج فكره، ولا اللافت لنظره، وإنما هو من كلام ابن عاشور، حيث قال: (ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه أنه ينزل في آخر الزمان) ولم يزد عليه الرويبضة إلا سوء الأسلوب وفساد الاستنتاج. وسنتعرض لمناقشة ابن عاشور، عندما يتعرض الرويبضة لنقل هذا الكلام وغيره من ابن عاشور، لكننا سنتعرض هنا لحكمة عدم ذكر نزوله عليه السلام آخر الزمان ضمن آياته (معجزاته) المسطورة في القرآن، فأقول - ومن الله أسأل الهداية والحكمة والرضا والقبول:
1- عدم ذكر النزول في القرآن - صراحة - لا ينهض دليلا على أن القرآن لا يعتبرها من آياته (معجزاته)، فكثير من الآيات (المعجزات) التي كانت لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لم تذكر في القرآن، ولا نستطيع القول بأن القرآن لم يعتبرها من آياته (معجزاته) إذ كل ما ورد في السنة من أخبار الغيب وغيرها معتبر شرعا، حسب أدلة القرآن نفسه، فال الله تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وقال: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) وقال {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى }النجم3. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ومن العجيب أن هذا العسكري (الجندي الأول) بإنكاره آية (معجزة) نزول عيسى عليه السلام بحجة أن القرآن لا يعتبرها من معجزاته، حيث لم يذكرها، قد وافق رأي عسكري آخر، أنكر أن يكون لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم معجزات، لأنها لم تذكر في القرآن، كما ذكرت معجزات موسى وعيسى. فسبحان من جمع بين الرأيين، رغم اختلاف المشربين، وصرف النوى والبين.
2- إذا كان خبر نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان لم يذكر - صراحة - في القرآن، فذلك لحكمة يعلمها الله، وينبغي التسليم بذلك ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) سبحانه وتعالى. وإذا ساغ الاجتهاد في ذلك قلت: لعل الحكمة في ذلك أن الآية (المعجزة) تأتي مقترنة بدعوى النبوة والرسالة غالبا، وقد جاء عيسى قومه بالحكمة والآيات البينات (المعجزات) لما جاء برسالته وشريعته، وكانت آياته (معجزاته) متزامنة مع دعوته ورسالته، برهانا على صدقه، وبَهْرًا للمدعوين بما لا يقدر الخلق على مثله، ليعلموا أنه رسول الله الذي كانت الآيات بإذنه، واستقر أنه عليه السلام رسول من الله سبحانه وتعالى، وانتهى ذكر آياته - على الوجه الصريح - بآية رفعه عليه السلام.
أما نزوله آخر الزمان فلن يأتي برسالة مستقلة، يدعو إليها، ويحتاج إلى الآيات في البرهنة عليها، وإنما يأتي تابعا لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حكما عدلا بشريعته ناصرا لدينه، تبكيتا لليهود الذين كفروا به، وادعوا قتله، وقطعا لشبهة النصارى الذين غلوا فيه وضلوا سبيله، أو- كما قال بعض العلماء أيضا - استجابة لدعائه، إذ جاء في الأثر أنه دعا الله أن يجعله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن عيسى عليه السلام لم تقر عينه برؤية أمة تتبعه. والله أعلم.
ولئن كان النزول آخر الزمان آية لعيسى عليه السلام، فلعله - على نحو أهم - آيةٌ لمحمد صلى الله عليه وسلم، ودليل من دلائل نبوته، لأنه تصديق لما اخبر به وتأييد لشريعته ونصر لها.
ونخلص من هذا كله بأن آية نزوله آخر الزمان لم تقترن بدعوى الرسالة، ولا زامنت عصر قومه الذين بعث إليهم، فلم تكن أهميتها في إثبات رسالته شأن آياته الأول، حتى تقرن بها، وتسطر معها في القرآن، وإنما اكتفي القرآن بذكر مقدمتها وهو الرفع، وبإشارة لطيفة إليها في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) على أحد تفاسير أهل العلم، ولعله الأوجه كما سنتعرض لذلك في موضعه. ثم إن بسطها في السنة - كما سيأتي - قد كفى ووفى. والله أعلم.
2- قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9
الذكر هو القرآن المجيد والحفظ الذي تكفل الله به في هذه الآية يشمل ألفاظه وحفظها من الزيادة والنقصان والتبديل والتحريف، ويشمل كذلك معاني الذكر، فهي محفوظة أيضا من تحريف الجاهلين وتأويلات المبطلين، فما من منحرف في معنى من معاني القرآن إلا وقد قيض الله له من ينفي تحريفه ويدحض تأويله وانتحاله، ومن حفظ معاني الكتاب حفظ السنة أيضاً، إذ هي المبينة لتلك المعاني والحارسة لها عن أن تنالها تحريفات الغالين وتأويلات الجاهلين وانتحال المبطلين، وقد قيض الله لهذه السنة المباركة المبينة للكتاب أفذاذ العلماء فقاموا بتصفيتها وفصل الصحيح منها عن غيره بقسطاس مستقيم في النقد والتجريح والتصحيح والتضعيف، فلم يُبقوا لرويبضة مجالاً ولا لجاهلٍ تحريفاً وانتحالاً، فجزاهم الله خيرًا،ً وضاعف أجورهم، على نصرهم الحق ورفعهم لأعلامه، وإن رام استنقاصهم جاهل فقد رام والجوزاء دون مرامه .

يتبع إن شاء الله ...
________________________

(1) المقصود بوضاعة ماضيه وضاعة وظيفته أي عدم رفعتها وأن لا صلة لها بالتعلم والتعليم ليس إلاَّ.
(2) بله اسم فعلٍ بمعنى دع


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home