Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdalla Ali Ben Salim
الكاتب الليبي عبدالله علي بن سليم

Wednesday, 18 July, 2007

 

الانتصاف من أهـل الجهل والانحراف ( الفيتوري ) (2)

عـبدالله عـلي بن سليم

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كشف لنا الأخ الفاضل أبو يعرب الليبي – تولى الله جزاءه بالحسنى في الدنيا والآخرة- عن سرقات لعبدالحكيم الفيتوري في منتهى الجلاء أتت بنيان تطاوله من القواعد فخر السقف على رأس صاحب الإشكاليات، فخارت قواه، وتلجلج لسانه بعذر أقبح من ذنبه كما ذكر الأخ رمضان ميزران جزاه الله خيرا، وأنا أقتفي أثر الأخوين الفاضلين و(الفضل للمتقدم) بتعليق على جزئية في اعتذار الفيتوري حيث قال : (بل كتاب التحرير والتنوير لابن عاشور في بعض المواضع ينقل صفحات الكاملة من الزمخشري وابن عطية ورشيد رضا في تفسير المنار ولا يذكر المصادر ولا يشير إليها ).

وأقول إن ابن عاشور قد قال في خطبة التحرير والتنوير:(وإن أهم التفاسير تفسير الكشاف والمحرر الوجيز لابن عطية..........)وذكر تفاسير كثيرة ألى أن قال :((وتفسير محمد بن جرير الطبري وكتاب درة التنزيل لفخر الدين الرازي وربما ينسب للراغب الأصفهاني) ثم قال – وهو محل الشاهد - (ولغرض الاختصار أعرض عن العزو إليها ) فليس على ابن عاشور جناح بعد هذا وقد ذكر مصادره وطريقته فيما يأخذ منها، أما تفسير المنار فلم يذكره ابن عاشور في أهم التفاسير عنده، ونطلب من الرويبضة إثبات أن ابن عاشور ينفل الصفحات الكاملة منه، مع أن ابن عاشور أفصح من صاحب المنار لغة وأبلغ منه قولا.
وأغلب نقول ابن عاشور عمن ذكرهم بالمعنى وهو لا يقل عنهم بلاغة قول وفصاحة لسان، ومجال التفسير واسع جدا تزاحمت عليه أقلام العلماء من لدن ظهوره، وأخذ بعضهم من بعض، والرويبضة ينقل مباحث غيره كاملة في مجال قصير ضيق، وهو لا يقارب من ينقل عنهم – وهم مخطئون – لا تعبيرا ولا تقريرا، وأقرب دليل على ذلك قوله هنا (صفحات الكاملة) الدال على جهله بوجوب تطابق النعت والمنعوت تعريفا أو تنكيرا، وقل أن يخالفها عوام بلادنا في عاميتهم، وهو أمي في هذه المبادي. ومن العجيب أن يقارن نفسه – وقد بهت – بهؤلاء العلماء وهو لا يصلح للمقارنة بأضعف تلميذ لطالب في آخر حلقات دروسهم.

قال الساذج السطحي: ( ويمكن لنا بعد هذه المقدمة المؤجزة الانتقال من الإيجاز إلى الإطناب في تفصيل النظم الكلي القرآني وكيف قرر الحقيقة العيسوية وأبطل الخرافة الاسطورية التي أعتمدها أهل الكتاب ثم انتقلت إلى المسلمين !!.
التعليق:-

1- رجع الرويبضة إلى التعبير الخاطئ (النظم الكلي للقرآن) وقد عرفت أيها القارئ الكريم ما فيه وأما ادعاؤه أن (النظم الكلي) ابطل الخرافة الاسطورية المعتمدة عند اهل الكتاب (نزول عيسى عليه السلام) فهو زعم بين البطلان مبني على جهل عظيم بلغة القرآن ودلائل خطابه كما سيأتي، كما أن الحديث يأبى هذا وسنتعرض لذلك.

قال س.س اصطفاء آل عمران: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني، إنك أنت السميع العليم، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى، وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم).

- اصطفاء مريم: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين).

- تكفيل زكريا لها: (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا).

التعليق:

لقد تقدم ان قلنا ان التعبير ب(تكفيل زكريا لها) خطأ إذ معناه أن فاعل التكفيل هو زكريا وليس كذلك كما فصلنا ذلك في الجزء السابق من المقال.

-قال س.س البشرى بعيسى: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين).

- بعث جبريل لنفح الروح: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قال كذلك، قال ربك هو على هين، ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا).

التعليق:-

قول الرويضة بعث جبريل...(فأرسلنا...مقضيا) لقد ترك الرويبضة ثلاث آيات إذ الآيات هكذا (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{17} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{18} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{19} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً)
- فانظر أيها القارئ الكريم كيف اختزل هذا الجاهل ثلاث آيات دون ان يشير بفراغ أو نقاط متتابعة وركب آيتين لا ينتظم بينهما سياق ولا يتم بهما معنى ولعل الفرز والتصنيف والفك والتركيب شمل هذه الآيات فأخرجها على هذا المنوال وهكذا الأمانة والنجابة والبحوث الوافية. قاتل الله الجهل وأهله.

قال س.س الحمل بعيسى: فحملته فانتبذت به مكانا قصي.
- حالة المخاض به: فأجاءها المحاض إلى جذع النخلة.
- ولادته: فأتت به قومها تحمله.

التعليق:-

قوله ولادته (فأتت به قومها تحمله) خطأ وإن ورد وجها في التفسير بالرأي لبعض السلف إذ الآية التي تدل على ولادته هي قوله سبحانه وتعالى بعد آية المخاض (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) فالمنادي هو عيسى بعد سقوطه على الأرض مباشرة ولو كان المنادي الملك ما لزم أن يكون من تحتها خصوصا أن الضمائر السابقة واللاحقة إنما هي لعيسى عليه السلام

-قال س.س مريم وقومها: (قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا). - عيسى يكلم الناس في المهد: (فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا.

التعليق:-

آية(فأشارت اليه..الآية)لاتدل على تكليمه الناس في المهد وإنما تدل على إشارة مريم إليه بأن يكلموه واستنكارهم متعجبين أن يكلموا صبيا في المهد وأما الآية التي تدل على تكليمه الناس في المهد فما ترتب على اشارتها واستنكارهم وهو قوله سبحانه في الآيات التالية (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً{30} وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً{31} وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً{32} وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً{33}

- قال س.س عيسى يكلم الناس كهلا: ( ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين
-معجزاته: (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأبريء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم.
- التكليفات الشرعية: (إن الله ربي وربكم فاعبدوه). (قال إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا). (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا

التعليق:-

لم يذكر الرويبضة أيات أخرى تدخل في التكاليف الشرعية مثل قوله تعالى(ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم , وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون)وهي مكتنفة بالآيات التي ذكرها ولا أدري لمَ أسقطها؟ أللفك والتركيب أم للفرز والتصنيف؟

-قال س.س عيسى يبشر بمحمد من بعد وفاته: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد).

التعليق:-

نص الآية (ومبشرا برسول من بعدي اسمه احمد) أي يتلوني فليس بيني وبينه رسول،، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي ) رواه البخاري ومسلم
والبعدية هنا واضحة لا تحتاج إلى تقدير، فإن قدَّرتَ فيبعُدُ أن يكون المعنى من بعد وفاتي، إذ تقدير من بعد توفيتي أو رفعي يوهم أن يأتي الرسول المبشر به من بعد التوفية أو الرفع مباشرة، فتقدبر من بعد رسالتي (أي زمنها) - إن احتيج إلى تقدير - أولى .

قال س.س محاولة قتله: ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ).

-التعليق:-

لقد قلنا سابقا ونكرر أن ما في الآية ادعاء قتله وليست محاولته والفرق بينهما واضح.

قال س.س اختلاف الناس في قتله: (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله أليه ا
. وفاته ورفعه: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا).

- شهادة القرآن بموته: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ). (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليم).

التعليق:-

لقد ذكر القرآن توفيته وهي أعم من أن تكون موتا كما سيأتي

قال س.س : وقد استدل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على وفاته وعدم مسؤوليته على أمته من بعده بوفاة عيسى، فقال: يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا. . . ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ). (صحيح البخاري، فتح الباري

التعليق

لا تكون التوفية بمعنى الموت بمجرد تمثل الرسول صلى الله عليه وسلم بالآية لاحتمال أن تكون بمعنى النوم أو القبض، ويكون تمثل الرسول عليه الصلاة والسلام بها من استعمال المشترك (التوفية) في أحد معانيه (الموت) لتساويها في إثبات براءة الرسولين (عيسى ومحمد) عليهما الصلاة والسلام مما أحدثت الأمتان بعدهما إذ في كل منها انقطاعا عن المدعويين وعدم علم بما يجري لهم أو يصدر عنهم.
ثم لو قلنا إن التوفية بمعنى الموت كما هو قول ابن عاشور فلا مانع من أن يحيي الله عيسى وينزله آخر الزمان معجزة له وإكراما وخصوصية ولا عجب في ذلك فقد خلقه الله بدون أب على غير سنة غيره من المخلوقين وأنطقه في المهد وكان من معجزاته إحياء الموتى، فلم لا يكرمه الله بذلك إرغاما لليهود الذين أرادوا قتله وتبكيتا للنصارى الذين حرفوا إنجيله، أو كما قيل استجابة لدعائه أن يجعله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لما رأى لهم من الكرامة ومعجزةٍ لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي جدد دين عيسى ونفى عنه تحريف الغالين، مع أن أكثر من قال بموت عيسى عليه السلام من المفسرين قد خصه (الموت) بوقت معين كثلاث ساعات أو سبع أو ثلاثة أيام ثم أحياه الله ورفعه، وبعضهم جعل ذلك على التقديم والتأخير وقالوا :( معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إليّ ومطهِّرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا)
ولا بد لابن عاشور أن يدعي روحنته قبل رفعه كما قال في رفع إدريس إذا فسر برفع عيسى عليهما السلام، لأن ابن عاشور يرى الرفع جسديا على ظاهره لأنه ضرورة لغوية كما سيأتي، وإن أخطأ في إمكان حمل النزول على غير ظاهره تبعا للسعد. وحمل التوفية على القبض أو النوم أولى من الاضطرار لهذه التكلفات كما سيأتي تفصيله.

قال س.س- شهادة القرآن بعدم رجوع الأموات إلى الدنيا أبدا:(قال فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون)،(إنك ميت وإنهم ميتون)،(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..)،(وحرام على قرية أهلكناها أنهم إليها لا يرجعون)

التعليق:-

ونحن نقول يا أيها الأفَّاك لا يوجد عاقل يقول إن الموتى (هكذا بالإطلاق) يرجعون إلى الحياة الدنيا فضلا عن العلماء الذين قالوا بنزول عيسى عليه السلام كما جاءت بذلك الأحاديث، حتى تقحم شهادة بعض الآيات - خطأ - على ذلك، وإنما قالوا إن ذلك خصوصية له لتواتر الأحاديث بذلك كما سيأتي
بل إن القرآن لم يعن بإثبات عدم رجوع الأموات إلى الدنيا، لأنه أمر معلوم للناس جميعا، ولأنه يدعوا أناسًا ينكرون البعثَ يوم القيامة، فعدم رجوع الموتى إلى الحياة الدنيا مُتقرِّرٌ عندهم ثابت لديهم يشاهدونه، بل ويستدلون به على عدم البعث يوم القيامة الذي يدعون إلى الإيمان به، كما قال الله تعالى عنهم: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }الجاثية25 )وكقوله سبحانه ( إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (36) أ والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولذلك قص الله عليهم موت بعض الناس وإحياء الله إياهم كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، وكقتيل بني إسرائيل، وكإحياء الطير لإبراهيم وكخلق عيسى من الطين كهيئة الطير بإذن الله، وكإحيائه الموتى بإذن الله، وضرب لهم مثلا بإحياء الأرض الميتة ونومة أصحاب الكهف وشِبْهِ ذلك ليثبت أنه سبحانه قد أحيا بعض الناس لحكمة عظيمة في كل حادثة من هذه الحوادث، ومن أحيا البعض من الناس بعد موتهم والأرض بعد موتها، وأنام أصحاب الكهف قروناً، ثم بعثهم قادر أن يحيي الناس جميعا لحكمة أعظم، وهي الفصل بين الناس بإثابة المطيع المهتدي والانتصاف من الضال المنحرف والظالم المتجبر.
وإن ذكر القرآن في بعض آياته عدم رجوع الأموات إلى الحياة الدنيا فليس لتقرير هذه الحقيقة، بل لأغراض أخرى كالاعتبار بها مثل قوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ }يس31 أو لتفظيع حالة الهلاك وفجأته فلا يستطيع الحائق به التوصية ولا الرجوع إلى الأهل فيتفقدهم كما في قوله تعالى في نفس السورة {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ }يس50 وهكذا
ولم يوفق الرويبضة في أن يأتي بآية واحدة تدل صراحة على ان الموتى لا يرجعون إلى الحياة الدنيا، مع وجود أكثر من آية في القرآن تدل على ذلك.
فآية الأعراف (قال فيها....) ليس فيها شهادة صريحة بعدم الرجوع للحياة الدنيا بل قصارى معناها: أن الأرض هي مستقر حياة آدم وزوجه ومن يأتي من ذريته وسيكون قرارهم بعد الموت في بطنها كما سيكون خروجهم عند البعث منها، فقوله سبحانه وتعالى: (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) وِزَانُ قولِهِ سبحانه: (ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياءً وأمواتًا) مع زيادة معنى الخروج ليس إلا.
وآية الزمر (إنك ميت....) أيضا لم تصرح بذلك بل معناها:أن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يموت كما سيموت خصومه، وفي تاليتها: (ثم إنكم يوم القيامة عند ريكم تختصمون) أي أن الفصل في تخاصمهم سيكون يوم القيامة بين يدي الله.
وآية آل عمران: (وما محمد إلا رسول إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) أي هو كغيره من الرسل قبله، يعتريه ما يعتريهم وليس بدعا منهم (أفإين مات ....) استنكار لأن يكون موت الرسول أو قتله سببا لانقلاب الناس إلى الكفر بعد الإيمان، إذِ الدينُ لله ولا ارتباط للثبات عليه بموت الرسول صلى الله وسلم أو قتله، وليس في الآية شهادة بعدم رجوع الموتى إلى الدنيا كما زعم الساذج.

وأما قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) فجعلها بعض المفسرين من المشكل وتوسع علماء التفسير في استجلاء ما تحتمله صياغتها من وجوه المعاني وملخصها أربعة:
1-وحرام على قرية قدرنا إهلاكها رجوعُهُم عن ضلالهم إلى الإيمان والتوبة وعليه تكون (لا) زائدةً صلة للتوكيد.
2- وحرامٌ على قرية أهلكناها عدمُ رجوعهم إلى الآخرة وتكون لا نافية - على أصلها هنا – أي فهم راجعون إلينا فمجازَوْنَ على أعمالهم فهو إثباتٌ للبعث بنفي ضده، أي ما من قرية أهلكناها فانقرضت من الدنيا إلا وهم راجعون إلينا بالبعث.
3- أو يكون (حرام) بمعنى اليمين (القسم) أي ويمين منا على قرية قدرنا إهلاكها أنهم لا يرجعون إلى الإيمان لأن الله علم ذلك منهم فقدر إهلاكهم. انتهى من ابن عاشور بتصرف قليل. وقد قال بها غيره إلا الثالث. والله أعلم.
4 – أن يكون (حرام) بمعنى واجب وحكاه ابن عاشور بصيغة (قيل) فكأنه يستضعفه، أي وواجب على قرية قدرنا إهلاكها أنهم لا يرجعون إلى الإيمان والتوبة، وفُسِّر الرجوعُ بالرجوعِ إلى الدنيا في هذا الوجه وفي الوجه الأول، وضعفه القرطبي بأنه لا يتعلق بذكره غرض إذ من المعلوم لكل أحد أن المُهلَكين لا يرجعون إلى الحياة الدنيا، ولم يعرج عليه ابن عاشور، ولكن الرويبضة الجاهل يعتمده بل ويجعله شهادة من القرآن (والشهادة التبيين والإظهار). ولمََّا لم يُذْكَرْ في الآية إلى أي شيء الرجوع اجتهد العلماء في تعيين المرجوع إليه فأتى الرويبضة بأضعف شيء قيل، وجعله شهادة من القرآن على أن الموتى لا يرجعون إلى الدنيا، ولا يحتاج إلى دليل، فهو ضِغْثٌ على إبَّالة.

قال س. س : وقد ذكر مسلم في صحيحه المحاورة التي كانت بين المولى عز وجل والشهداء(... قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا ... فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون).(تفسير ابن كثير) (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ... الحق من ربك فلا تكن من الممترين) (ذلك عيسى ابن مريم ، قول الحق الذي فيه يمترون).

التعليق : -

أقول :نص حديث مسلم هكذا (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ح و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنْ الْأَعْمَشِ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا).

فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن النص مختلف وليس في حديث مسلم (فيقول الرب جل جلاله : إني كتبت أنهم أنهم إليها لا يرجعون) أما جملة( إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون ) فلم أجدها لا في مسلم ولا في غيره من كتب الحديث التي تيسر لي الرجوع إليها.
ولعل الإمام ابن كثير كتبه من حفظه وبالمعنى فمزج بين حديثين، إذ معنى الجملة ورد بصيغة (قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون) عند الترمذي وابن ماجه ونص حديث الترمذي - حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري قال سمعت طلحة بن خراش قال سمعت جابر بن عبد الله يقول : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا جابر ما لي أراك منكسرا ؟ قلت يا رسول الله استشهد أبي قتل يوم أحد وترك عيالا ودينا قال أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قال قلت بلى يا رسول الله قال ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحا فقال يا عبدي تمن علي أعطك قال يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب عز وجل إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال وأنزلت هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } الآية
قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه
وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئا من هذا ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم ورواه علي بن عبد الله بن المديني وغير واحد من كبار أهل الحديث هكذا عن موسى بن إبراهيم
قال الشيخ الألباني : حسن
ورواه بنفس المعنى أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم وأفضل أحكام العلماء على الأحاديث التي وردت فيها هذه الصيغة أو ما بمعناها الحسن أو صحة الإسناد أو جودته. وكان الأجدر بالباحث (النجيب)أن يأتي يالحديث من مصدره الذي ذكره ابتداء (صحيح مسلم)وهو موجود بين يديه لا من تفسير ابن كثير رحمه الله.
ومهما يكن الأمر فالجملة الوردة في حديث الترمذي (قال الرب عز وجل إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون ) أو ما في معناها الوارد في غيره تشهد أن الموتى لا يرجعون إلى الحياة الدنيا، لكنها –كآيتي سورة يس التي ذكرناها سابقا- لم ترد لتقرير هذه الحقيقة لدى أحياء الدنيا، بل ردا على عبد الله بن حرام رضي الله عنه لما رأى ما أكرمه الله به من الأجر على أن قُتل في سبيله، وقال له يا عبدي تمن علي أعطك، فسأل ربه أن يحييه ( يرجعه إلى الدنيا)فبقتل فيه ثانية.

أما الآيات التي أردف بها الرويبضة الحديث فمعناها واضح من سياقاتها ولا علاقة لها بمراد الساذج السطحي وفهومه، وكانت عادةً منه أن يقفي أوهامه بآية أو أكثر ليوهم القارئ دلالتها على ما أراد، ودون ذلك خرط القتاد.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home