Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdalla Ali Ben Salim
الكاتب الليبي عبدالله علي بن سليم

Sunday, 8 July, 2007

 

الانتصاف من أهـل الجهل والانحراف ( محمد رحومة ) (1)

عـبدالله عـلي بن سليم

بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً، أعتذر للقراء الكرام عن تأخري – بسبب بعض الشواغل - في تقديم الحلقة الثانية من مقالي (الانتصاف من أهل الجهل والانحراف) الذي أعجب بعض الإخوة الكرام وقرّظوه بتعليقاتهم الطيبة جزاهم الله خيراٌ وجعل عملي وعملهم خالصا لوجهه الكريم، وأثار حفيظة رويبضة آخر حاول جاهدا أن يظاهر أخاه فجاء بما يشاكل عقله ويناسب مثله، ولقد تركته حتى فرغ، وقرأت كل ما قال فوجدت الجويهل البقباق لم يصب في شيء من تعليقاته. والحقَّ أقول إنه على الرغم من جهل الفيتوري وانحرافه فإن الرويبضة الآخير أسوأ قيلاً وأضل سبيلاً

(كلا الأخوين ضَرَّاطٌ ولكن * * * شِهابُ الدين أضْرَطُ من أخيه)

ولكم يسرني أن يدرج هذا البيت في قائمة مؤاخذاته عليَّ (إني وحقك سخطه يرضين) وكان الأجدر له أن يدرج كل جملة كتبتها ضمن هذه القائمة، فإني لم أكتب ما كتبت لأرضيَ أمثاله، كما أني إذ أعلق على كلام الجهلة المنحرفين لا أقصد حوارهم – فهم أصحاب جهل وهوى- بقدر ما أقصد إلى تحذير الناس من غيِّهم وانحرافهم.

وسأضرب بعض الأمثلة للقارئ الكريم على جهل الرويبضة الأخير وزيغه وتحريفه الكلم عن مواضعه:

1- تهوينه من أخطاء الفيتوري اللغوية بحجة أن ابن تيمية كان خَطَّأَ سيبويه في أكثر من أربعين مسألة وأن أبا حنيفة لحن ثلاث مرات، وهذا إبعاد للنجعة وتنظير في غير محله وقياس مع فارق عظيم تجاهله الرويبضة ليقلل من شأن أخطاء شريكه في الجهل والهوى، إذ أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر ذلك لأبي حيان – لماأكثر من الاستشهاد بكلام سيبويه دليلا على ما يذهب إليه - رحمهم الله جميعا،ً فقال له ابن تيمية:(لقد أخطأ سيبويه في ثمانين مسألة في الكتاب[1] ما تعرفها أنت).

فإذا كان الخطأ في هذه المسائل قد وقع فيه إمام النحاة، ولا يعرف المسائل أبوحيان – وهو المتبحر في النحو وصاحب ارتشاف الضَرَبِ والبحر المحيط في التفسير وغيرها، فهي من دقيق المسائل فكيف تقاس بأخطاء الأميين (الفيتوري) في استعمال ضمير المثنى والتأنيث والتذكير والحديث بجهلٍ تامٍّ عن بلاغة القرآن وتغيير معاني الآيات بالزج بها في غير مواضعها وأشباه هذا، أم كيف تقاس بتَطَلُّبِ بعض الجُهَّال (الرويبضة الأخير) جوابًا لإن النافية في قوله تعالى: (ولقد مكنَّاهم فيما إن مكنَّاكم فيه) {سورة الأحقاف}.

وأما لحن أبي حنيفة ثلاث مرات على فرض ثبوته فهو لحن قولي، وهو كل اللحن الذي كان منه في حياته التي امتدت سبعين عاما أو يزيد، فكيف يقاس هذا بأخطاء من لا يحسن قراءة كتاب الله أمامه في بدهيات وأوليات كالتي ذكرنا آنفا وغيرها في التعبير والتقرير استغرق التعليق عليها ست صفحات، ولم نتجاوز من هذيانه بعدُ عشرين سطرًا، أو بأخطاء من لم يسمع بإن النافية مع كثرتها في القرآن ويَحسِبُ أنها شرطية فيسأل عن جوابها، ويُقِرُّ بأنه قد يخطئ كثيرًا في الإملاء أو يقع له لحن كثير في ما يكتبُ، ويدعي أنه باحث في أدلة الكتاب والسنة وأنه مجتهد، ويتهكم باتفاق العلماء وأشخاصهم، وبلمز الصحابة. والجاهل المتعنتُ لا يساوي شسع نعالهم.

2- كلامه في الإسهاب:

قال الرويبضة: "ووقفت على كلام لصاحب البحر المحيط رحمه الله، لا أدرى هل هو خطا مطبعى أم زلة قلم ، فقد قال فى تفسير قوله تعالى: ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم . انتهى ، وهو حسن لكن فيه إسهاب".

ونحن نقول إن الرويبضة ظن أن أبا حيان قد نسب الإسهاب إلى الآية، فحكم على الكلام بأنه خطأ مطبعي أو زلة قلم، إذاً فهو موافقٌ على أن الإسهاب لا يجوز أن ينسب لآيات الله، وهل قلنا في ردنا على الفيتوري إلا ذلك؟ مع أن أبا حيان إنما نسب الإسهاب لكلام الزمخشري، وإليكم أيها القراء الكرام نصَّ كلام أبي حيان كاملاً مصورًا من تفسيره (البحر المحيط)، قال: وقرأ قتادة والأعمش : بل متعتَ ، بتاء الخطاب ، ورواها يعقوب عن نافع . قال صاحب اللوامح : وهي من مناجاة إبراهيم عليه السلام ربه تعالى . والظاهر أنه من مناجاة محمد صلى الله عليه وسلم ، أي : قال يا رب بل متعت . وقرأ الأعمش : متعنا، بنون العظمة ، وهي تعضد قراءة الجمهور .

{ حتى جاءهم الحق } ، وهو القرآن؛ { ورسول مبين } ، هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الزمخشري : فإن قلت : فما وجه من قرأ : بل متعت ، بفتح التاء؟ قلت : كأن الله تعالى اعترض على ذاته في قوله : {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون } ، فقال : بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق ، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد . وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم ، لأنه إذا متعهم بزيادة النعم ، وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان ، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً ، فمثاله : أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ، ثم يقبل على نفسه فيقول : أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله . فإن قلت : قد جعل مجيء الحق والرسول غاية للتمتيع ، ثم أردفه قوله : { ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر } ، فما طريقة هذا النظم ومؤداه؟ قلت : المراد بالتمتيع : ما هو سبب له ، وهو اشتغالهم بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته . فقال عز وعلا : بل اشتغلوا عن التوحيد { حتى جاءهم الحق ورسول مبين } ، فخيل بهذه الغاية أنهم ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال : { ولما جاءهم الحق } ، جاءوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها ، وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ، ومكابرة الرسول ومعاداته ، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه ، والإصرار على أفعال الكفرة ، والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد صلى الله عليه وسلم من أهل زمانه بقولهم : { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم . انتهى ، وهو حسن لكن فيه إسهاب .

فأنت ترى أيها القارئ الكريم بكل وضوح أن أبا حيان إنما نسب الإسهاب لكلام الزمخشري في توجيه قراءة من فتح التاء من قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء..) على الخطاب، وربطِ معاني الآيات بعضها ببعض على هذه القراءة بعدما استحسنه، ولكن الرويبضة بتر النص فخرج بما خرج به، وما يغنيه في دفاعه عن الفيتوري من شىء، إذ أن أبا حيان يعيب كلام الزمخشري بعدما استحسن معناه بالإسهاب، والرويبضة الأخير حسب فهمه لكلام أبي حيان يستكبر نسبة الإسهاب إلى الآية منه، ويتردد بين كونها تحريف طباعة أو زلة قلم، مع أن الإسهاب في كلام الفيتوري ليس له معنى في اللغة أصلاً.

فقد أخطأ الفيتوري في ذكر الإسهاب ثلاثَ مراتٍ:

أخطأ أولا في اعتباره أسلوبا بلاغيا، وأخطأ ثانيا في نسبته إلى الآيات التي ذكرها لأن الإسهاب عيبٌ في كلام المخلوقين فكيف بكلام الخالق سبحانه، وأخطأ ثالثا في معناه اللغوي، إذ جعله قسيما لأسلوبي البلاغة الإطناب والإيجاز، ولا قسيم لهما غير المساواة، وهي لا تتفق مع الإسهاب في شيء، ولو جعل الإسهابَ بدل الإطناب لقلنا إنه - وإن جَلَّ خطؤه في ميزان البلاغة - لم يبعد كثيرا جدًا، فبينهما عموم وخصوص وجْهي، لكن الفيتوري جعله مقابلاً وقسيما للإطناب والإيجاز، فصار معناه غائما بل لا معنى له، ولا يمكن – والحال هذا - أن يوصف به كلام الخالق ولا كلام المخلوقين، ودخل به الفيتوري في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعض.

وقد أرسل للرويبضة الأخير بعض الإخوة الكرام رسالة هذا نصها: "الأخ محمد رحومة لقد قلت في مقالك : ((ووقفت على كلام لصاحب البحر المحيط رحمه الله، لا أدرى هل هو خطأ مطبعى أم زلة قلم ، فقد قال فى تفسير قوله تعالى: ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ، وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم . انتهى ، وهو حسن لكن فيه إسهاب)).

أولا : لا يجوز أن تستدل بكلام وأنت تشك أن فيه خطأ أو زلل ، وسبب شكك أنه لا يعقل أن يقول أحد من علماء المسلمين عن نظم آية في كتاب الله أنه حسن ثم يستدرك بما يدل على خلل فيه.

ثانيا : بالرجوع إلى تفسير البحر المحيط يتضح أن أبا حيان نقل عن تفسير الزمخشري كلاما له في قول الله عز وجل ((بَلْ مَتَّعْت هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقّ وَرَسُول مُبِين وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقّ قَالُوا هَذَا سِحْر وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآن عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)) ، ثم قال أبو حيان بعد أن أنهى النقل : ((وهو حسن لكن فيه إسهاب)) يقصد كلام الزمخشري على الآية ، ولم يقصد كلام الله عز وجل.

وأيضا أحب أن أنبهك أن هناك فرق بين الأخطاء اللغوية التي ذكرها ابن تيمية عن سيبويه ، وبين أخطاء الفيتوري النحوية ، فأخطاء سيبويه كانت في دقائق من علم اللغة ، حتى أن ابن تيمية قال أن أبا حيان (وهو من المتخصصين في النحو) لا يعرفها ، يقول صاحب الرد الوافر : ((وهذه القصة ذكرها الحافظ العلامة أبو الفداء اسماعيل بن كثير في تاريخه وهي أن أبا حيان تكلم مع الشيخ تقي الدين في مسألة في النحو فقطعه ابن تيمية فيها وألزمه الحجة ، فذكر أبو حيان كلام سيبويه ، فقال ابن تيمية : (يفشر سيبويه ، أسيبويه نبي النحو أرسله الله به حتى يكون معصوما ، سيبويه أخطأ في الكتاب[2] في ثمانين موضعا لا تفهمها أنت ولا هو) هذا الكلام أو نحوه على ما سمعته من جماعة أخبروا به عن هذه الواقعة))

بينما ذكر عبد الله سليم للفيتوري أخطاء نحوية محددة ، ليبين أن حصيلته اللغوية لا تؤهله لأن يتكلم في مجال لغة القرآن الكريم ، فإن كان لك علم لترد فلتفعل ، وإلا فلا تحاول أن تبرر له أخطاؤه بأخطاء غيره بارك الله فيك".

فأجاب بما نصه : "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ما ذكرته بخصوص كلام صاحب البحر المحيط، فحق وتسرع منى فى عدم التثبت فى النقل ولا أملك لك إلا الشكر والدعاء بظهر الغيب، ويبقى كلام بن جنى كافيا للتدليل على ما قلت ، كما أن ماذكره السيد عبدالله لن يغير فى الموضوع شيئا، فهذه المآخذ على كلام الفيتورى لن تغير فى صلب المسألة بإعتبارها ثانوية، ولو تمعنت فى كتابات الفيتورى وكتابتى لوجدت كومة من الاخطاء الإملائية والنحوية، فأنا يا صديقى باحث ولن يثنينى خطأ فى نحو وغيره، كلما يعنينى إثارة العقول لنفكر فى القديم والحديث، كما أحب ان أثير موضوعا لتفكر فيه، وهو أن الأساليب البلاغية برمتها مبنية على إستقراء كلام العرب، وتبقى دلالتها ظنية لا قطعية فى الحكم على آيات القرآن الكريم، ومثال واحد يكفى لإثارة البحث والتفكير، ولضيق المقام ، سأتوسع فيها فى مقالة قادمة، ولا تحرمنا من ملاحظاتكم ونقدكم ، وبارك الله فيك".

التعليق:-

أولا: الذي تتطلبه الأمانة ووازع الدين أن ينشر ما اعترف به من خطأ في فهمه لكلام صاحب البحر المحيط للقرَّاء حتى يُزيل ما ارتكبه من سوء فهمٍ في هذا الموضع ويعتذر منه أما أن يبقيه بدون نشر فهو دليل على سوء الطوية وضعف الوازع الديني.

أما ادعاؤه أن كلام ابن جني يبقى دليلا على ما قال وأن المثال الواحد الذي ذكره (الإسهاب) يكفي لإثارة البحث فسندحضه في الفقرة التالية لدى حديثنا على كلام ابن جني.

وأما قوله إن أخطاءه وأخطاء زميله قي النحو لن تثنيه عن البحث وأن أحكام علم البلاغة (هكذا بالإطلاق) ظنية ..

فلقد اتفق علماء الأصول على أن من شروط الاجتهاد والنظر في أدلة الكتاب والسنة الإلمام بعلوم الآلة وفي مقدمتها علما النحو والبلاغة.

وأما الحديث عن بلاغة القرآن وإعجازه فاشترطوا له التضلع في علم الإعراب وعلمي المعاني والبيان يقول الزمخشري في هذا الصدد : - "لا يتصدى منهم احد لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق الا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة وتعب في التنقير عنها ازمنة وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله وحرص على استيضاح معجزة رسول الله بعد ان يكون آخذا من سائر العلوم بحظ جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ كثير المطالعات طويل المراجعات قد رجع زمانا ورجع اليه ورد ورد عليه فارسا في علم الإعراب مقدما في حملة الكتاب...إلى آخر كلامه.

ولم يزل العلماء يرون ضرورة تعلم النحو وغيره من علوم الآلة، قال أحدهم[3] رحمه الله:-

النحو قنطرة للعلم والأدب * * * فاسلك سبيلاً له إن كنت ذا طلب

أما على كلام هذا الرويبضة فلا ضرورة لتعلم النحو أو البلاغة فضلا عن اتقانهما لمن يبحث ويجتهد في الكتاب والسنة فالخطأ في النحو لا يعني الباحث وأحكام البلاغة ظنية. ولا التفات لما تزخر به المكتبة الإسلامية من مراجع فن البلاغة التي صرفت فيه أعمار المتبحرين في هذا المجال ولا إلى ما اكتشفوه من نكات إعجاز القرآن ولطائف بلاغته فدلائل البلاغة (عند البقباق) ظنية وبلاغة القرآن ليست معجزةكما هرف بذلك في سابق هذيانه[4].

إذن لا تهتموا بهذه العلوم، ولا تحفلوا بها، وارفعوا الحظر، فليتكلم في بلاغة كتاب الله من شاء (ولو لم يمح أميته بقراءة كتاب واحد في مبادئ علم البلاغة ) بما شاء ولو خالف جميع من أفنوا أعمارهم في ممارسة الأساليب وفن القول بل خالف بدهيات اللغة ودلائل الألفاظ،

لا يعنيكم ذلك وتشجعوا وادخلوا حلبة البحث والاجتهاد وتبوءوا سدة الفتوى والتدريس فقد هاجت الدواب وتكادمت فكسرت باب الاجتهاد وولجته وتوسطت عرضه فزاحمت الأناسي فيه، وصار لها – والأمر لله – القدح المعلى في الفتوى والبحوث.

واعلموا أنكم لستم في عصر ابن بطة والبربهاري بل في زمن الفيتوري والبربصاري وقد قدما لكم مثلا من البحوث والفتوى يشبه لعب الأطفال وعبث السكارى، فالمهم أن يثيرا العقول ولو ألقت بها الإثارة في غيابات الجهل ومزالق الانحراف.

ولذلك يغضب البقباق، ويحمر أنفه، ويتشنج لتتبع أغلاط أخيه حتى يسكت صوت النقد في هذه العلوم فيمضيا في عبثهما بنصوص الكتاب والسنة آمنَين من تتبع دقيق يفضح جهلهما ويثبت للعقلاء عدم أهليتهما لما تجشماه

- نقله لكلام ابن جني في المحتسب محاولا بذلك تخفيف الخطأ في نسبة الفيتوري الإسهاب إلى القرآن حيث وقع فيه علماء آخرون وزعمه أن كلام ابن جني يبقى كافيا للتدليل على ما قال.

وهذا نص كلام ابن جني: (قرأ الضحاك : (( الحمد لله فَطَرَ السموات والأرضَ)) . قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله (سبحانه) وذكر النعمة التي استحقَّ بها الحمد وأفرد ذلك في الجملة التي هي (جعل) بما فيها من الضمير فكان أذهبَ في معنى الثناء لأنه جملة ٌ بعدَ جملةٍ. وكلما زاد الإسهاب في الثناء أو الذمِّ كان أبلغ فيهما.

ونحن نقول: كتاب ابن جني أصلاً ألف في توجيه القرآءات الشاذة، التي لا يجوز القراءة بها ومراد ابن جني من الإسهاب في الثناء االإيغال والزيادة فيه بكثرة الجمل في هذه الآية بتقدير أو بغيره لكن بقيدالدلالة على زيادة المعنى بالإكثار (أذهب في معنى الثناء) بمعنى أعمق وأقوى ولم يعن به المعنى المطلق للإسهاب، (كثرة الكلام دون فائدة) وخص بلاغته بمقام المدح والذم، ولم يقل الإسهاب في الكلام في المدح حتى يكون مجرد زيادة كلام وإنما قال الإسهاب في المدح (أي إكثار المدح بزيادة معانيه أو بقوتها) ثم هو لم ينسب الإسهاب للقرآن مباشرة بل ذكره وكأنما يضع قاعدة لبلاغة المدح والذم بزيادة المعاني أوقوتها ولو عنى أسلوباً بلاغياً في الكلام (مطلقا)كالإطناب عند أهل البلاغة لما خصه بالمدح والذم، لأن الإطناب محمود في كل مقامٍ يستدعيه لعدم انفكاكه عن نكتة بلاغية، وهكذا ينبغي أن يفهم كلام العلماء مع أن ابن جني كان يتكلم في توجيه رواية شاذة لا يقرأ بها أحد اليوم ولا تجوز القراءة بها فتأمَّل.

ولو سلَّمنا جدلاً أن الإسهاب (الإكثار من الكلام مطلقاً) من أساليب البلاغة كما فهم الرويبضة من كلام ابن جني لما نفعه في الدفاع عن أخيه (الفيتوري)، لأن الفيتوري لم يخص الإسهاب بمقام المدح والذم ولم يستخدمه في معناه اللغوي(الإكثار من الكلام) بل جعله مقابلاً للإطناب والإيجاز، وليس له - والحالة هذه - معنى كما تقدَّم، فمعنى الإسهاب في كلام ابن جني مهما اهتز به الرويبضة الأخير، واضطرب يميناً وشمالاً مختلف في معناه وماصدقه وما أسند إليه اختلافا تاما عنه في كلام الفيتوري الذي هو غائم غير معروف بل معدومٌ ولا يأتي على ذكره أحدٌ إلاَّ إذا دخل في ظلمات من الجهل بعضها فوق بعضٍ، إذا أخرج يده لم يكد يراها.

ولديَّ دليل آخر من كلام الرويبضة الأخير نفسه يبرهن فيه - دون شعور - على فداحة خطأ الفيتوري في إطلاق الإسهاب على كلام الله سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا، فقد وصف كلامي في الرَّد على الفيتوري بأنه بقبقة، وهو يقصد الذم قطعاً، ثم فسر البقبقة بالإسهاب في الكلام، إذن فالبقبقةُ الإسهابُ في الكلام، والإسهابُ في الكلام هو البقبقةُ ضرورةَ أن اللفظ المفسر هو عينُ ما يفسر به، فإذا قال الفيتوري: "اعتمد النظم الكلي القرآني في عرضه لحقيقة عيسى عليه السلام من قبل ولادته إلى وموته بأساليب متنوعة كالإطناب والإسهاب والإيجاز، وقال: فقد كان الاسهاب في ذكر المعجزات التي جرت على يد المسيح. وقال: واللافت للنظر على الرغم من أن القرآن استعمل كل الأساليب البلاغية من إطناب وإسهاب وإيجاز في قصة عيسى".

فهل يمكن للفيتوري أن يضع البقبقة بدل الإسهاب هنا ؟ ويكون الخطب يسيرًا، ما رأيك؟

أم هل تستطيع أنت أيها الرويبضة (الأخير) أن تعيد عبارات الفيتوري هذه، وتستبدل فقط البقبقة بالإسهاب لأن معناهما واحدٌ حسب نقلك أنت وتفسيرك، ويكون خطؤك كخطأ ابن جني على فرض وقوعه.

ألا ترى أنك قد بُهتَّ وسُقط في يدك وعلمت أنك قد ضللت، وعرفتَ من صاحب البقبقة أنا أو أنت؟ والله العظيم لو لم يكن لك إلاَّ هذه الغلطة - وكان عندك شيءٌ من الحياء والعقل - لتُبتَ من كل انحراف سطَّرته يداك - وما أكثرَهُ - واستغفرتَ ربك منه، واعتذرتَ لي وللقراء الكرام على سُوء أدبك وما أضعت من أوقاتنا من يوم أن مسكت القلم إلى هذه اللحظة، فكيف والأغلاط لا تحصى مع التلبيس البيِّن والمنهج المنحرف، وما هذه السقطةُ إلا نقطةٌ من بحرٍ من الأغلاط المنكرة، والتي سنأتي على شيءٍ منها في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

وللمقال بقية تتبع قريباً إن شاء الله تعالى ...
________________________

[1] الكتاب هنا هو كتاب سيبويه كما هو اصطلاح النحاة عند إطلاق الكتاب.
[2] في نص الرسالة (القرآن) وصوابها الكتاب ولذلك غيرناها.
[3] هو الشيخ رحومه الصاري رحمه الله، وليس لنا إلاَّ أن نقول: (نعم الجدود ولكن بئسما نسلوا).
[4] له مقال سابق يُنكِرُ فيه الإعجاز البلاغي للقرآن سنتناوله في مقال قادم إن شاء الله تعالى.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home