Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi Khalifa Agoub (Ahmad Abdallah)

Sunday, 26 February, 2006

أحداث بنغازي
بين قراءة الحدث ومحاولات توظيفه
(*)

د. فتحي خليفة محمد عـقوب

في بنغازي .. أُزهقت أرواح، واختل أمنٌ، وأُحْرِقَتْ مُمتلكاتٌ، ذَعرَ الناسُ مما وقع، ومما قد يقع مما تخفيه الأيام في جعبتها .. وما علينا عند الصدمة الأولى إلا الصبر والاسترجاع، طمعاً في الوعد الصادق بالصلوات والرحمة والهداية .. وكالعادة أعقب دوي الحدث دوي إعلامي موازِن، سالتْ به صفحات المواقع الليبية على وجه الخصوص، تروي ما حصل، وتشهد بما سمعت، أوما رأتْ، ورأينا إقبالاً غزيراً للمُحللين والمُعلِّلين والمُعلقين والمُتنبئين، كلُّهم يحاول قراءة الحدث، كلٌّ على شاكلته، وكلٌّ يُغني لليلاه .. فتباينت وجهات النظر وتباعدت زوايا نظر أصحابها إلى حدٍّ ما، إلا أنه يمكن تصنيف تلك التباينات إجمالاً في ثلاث مواقف هي :

الموقف الأول : موقف تخديري بارد، وكأن الأمر لا يعنيه بشكل مباشر، فنجده يقلل من قيمة الحدث أو يكتفي بإبداء الأسف والحزن الداخلي والشعور العاطفي المجرّد، وقد يتمادى هذا الموقف فينتهج أسلوباً " تخديرياً " يُوهم الناس بحالةٍ من الاستقرار وعودة الأمور إلى نصابها ولسان حاله يقول "كأن شيئا لم يكن" !..

الموقف الثاني : موقف استثاري أو تفجيري حماسي، يُبالغ في التوصيف ويُغالي في التوظيف يستثير الجماهير الغاضبة للتصعيد والثورة، وهذا قد يكون منطلقه شدّة غيرته وحماسته وتعاطفه مع أبناء وطنه في هذه المحنة، وقد يكون غير ذلك، من خلال الدعوة للتصعيد والتفجير للخروج من الأزمة ..

الثالث : موقف التعقّل والتّوسّط .. ذلك الموقف الناظر للحدث وفق معطياته وفي سياقه الزماني والمكاني وبناءً على دوافعه الظاهرة والكامنة ووفق مختلف ظروفه، وهو مع كل ذلك يرى أن التمسُّكَ بالمصلحة الوطنية العليا يُحتم على الجميع التهدئة ولزوم النظرة العقلية الواعية، والالتفاف حولها، مع الحرص الشديد على عدم التسبب في مزيدٍ من المآسي، وضرورة البحث عن الأسباب الحقيقية والتجرّد لذلك البحث مهما كانت نتيجتُه .. ومثل هذا الموقف التنويري في اعتقادي لابد أن يصل إلى نهايات مرضيّة من خلال نظرة معتدلة شاملة، منسجمة مع الحقائق على أرض الواقع وتعتمد خط سير متزن معه ..

أعتقد أن كلا الموقفين القابعين في أقصى طرفي اليمين والشمال يتجاوزا عدّة أمور جوهرية في الموضوع .. ويمكننا أن نُقرِّرَ بدايةً أن الموقف التخديري قليل الحضور وقد ندر الاحتفاء به والاهتمام .. أما الموقف الذي اعتبرناه تفجيرياً أوتصعيدياً يُؤخذ عليه عدم سلوك الطريق العلاجي الصحيح في مواجهة الحدث؛ إذ إنَّ الاستثارة والتصعيد هنا لا محل لهما من الإعراب؛ لا مِن حيث المشروعية ابتداءً(1)، ولا مِن حيث الإمكان والقدرة عليه انتهاءً، فضلاً عن الجدوى وما قد تَجلُبُه مثل هذه الأعمال من مصالح، وبخاصةٍ أنَّ المُستثيرين أنفسهم غالباً ما يَقبَعون على بعد آلاف الأميال، في ظلٍّ رغيدٍ وبحبوحة من العيش وتراه يُهيّجُ النَّاسَ ويستثيرهم ظناً منه أنَّ تبني المواقف هو نفس وقوفها أو نحو ذلك، فهلا لنفسه كان ذا التعليم؟!.. وقد نسي هذا الصنف ذو التوجّه "التفجيري" أو تناسى أن التحريض بمجرده وفي حدّ ذاته ليس موقفاً وطنياً فضلا عن كونه ليس في الاتجاه الصحيح وبخاصةٍ عندما يكون غير مَبنيٍّ على دراسةٍ وافيةٍ مُستوفيةٍ للأوضاع والمُعطيات وما يترتب عليه مِن آثار.. فهل يمكننا – وفقا للمعطيات المتاحة – أن نعتبر التصعيد والتفجير خروجاً من الأزمة أم تفاقماً لها؟.. ويا تُرى، في مصلحة مَن حرق المستشفى ومبنى الضمان الاجتماعي ونحوه من المؤسسات الخدمية التي لا علاقة لها من بعيد ولا من قريب !.. أجزم بأن المسألة تحتاج إلى قراءة أدق، تقوم على نظر أعمق وتفكير أليق، وفقاً لقاعدة المشروعية، ينسجم مع الواقع والحقائق، ولا ينجرف وراء العواطف والحماسيات ..

مَن يسبق الأحداث تكبو خيله        ومن استقر مع الجليد يثلج!
إنَّ الجمود أو الجحود تخلـف        أو رقدة لم ينتظرها المسرح

قد يكون للعديد من المواقف وواقفيها مبرراً في أول الأمر، فلقد رأينا حالة من الذهول عند انتشار الأخبار وحال تواردها، فعينٌ على الحدث وتطوراته وتوابعه الحاضرة، وأخرى تحاول أن تستشرف المستقبل القريب، ويد على الصدر خوفاً، وأخرى تلزم الرأس المُصاب بالدوار والاضطراب .. فالحدث كبير في حقيقته، ولكن لا مناص من التعامل معه على هذا الأساس، ومَن استخفَّ بما حَدَثَ، هيّأَ نفسَه لما هو أدهى وأمر ربّما ..

لقد كانت بداية الحدث مظاهرة شعبية ذات هدف ديني خرجت غيرة للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لا أحد ينبغي أن يعترض على هذا مادامت المسيرة الاحتجاجية في طريقها ولم تخرج عن غرضها والهدف المرسوم لها .. وجاء التدخل الأمني لفضِّ المظاهرة وفقاً لخلط وخطأ في النظرة وبالتالي في التعامل مع المظاهرة، ذلك الخلط المتكرر في كثير من بلدان العالم الإسلامي يكمن في التعامل مع المظاهرة ذات الوسائل السلمية على أنها وسيلة تغيير مباشرة أو بالقوة، مع أنه كان ينبغي أن يُنظر إليها ويُتعامل معها - مهما اتسع نطاقها مادامت في إطار المظاهرة السلمية – على أنها وسيلة تعبير وحسب، ولا أقول إن هذا الخطأ يقع فيه رجال الأمن والأجهزة الأمنية المسؤولة فقط، بل يقع فيه كذلك أصحاب النظرة التفجيرية المستثيرين للناس دون سابق توعية وفي غير الاتجاه الصحيح؛ فالجهات الأمنية كان ينبغي أن لا تتعامل مع ما تراه من أخطاء المتظاهرين بهذا العنف، لأنها لا تمس النظام العام وإنْ ترتّبَ عليها ضرر فهو محدود يَسهل تداركه بالنظر إلى ما حدث لاحقاً(2)، وأما من جهة ذوي النهج التفجيري فكان ينبغي لهم ألا يحملوا الأمور ما لا تحتمله، وألا يكلفوا الناس ما لايطيقون، وألا يُطالبوهم بما لم يدخل في حساباتهم أساساً وهو تغيير النظام!.. فلا حاجة بنا لمزيد من الإرباك، ولا التورط في خسائر أكبر لأننا جميعا نعي وندرك مآلات الأمور جيدا .. ولا حاجة بنا للخوض في تجارب قد سبق أمثالها ومحاولات مكررة من هذا النوع أو أكبر منه .. أما استجلاب حوادث تاريخية سابقة في ظروف مختلفة ومن فئات معينة وضد أشخاص بعينهم فأعتقد أنه قياس مع الفارق لا ينتج حكماً يمكن سحبه على الحالة الحاضرة ..

إن ما وقع يُتيح لنا زاوية للتأمل في أسباب ما نعانيه منذ عقود من مشكلات عميقة تتصل ببعض المواقف التي نختارها والطرق التي نقارب بها الشأن الوطني عموما .. و "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" هذا منطق العقل والحكمة، فرغم إدراكي أن الموقف المعتدل ينبغي ألا تدفعه شماتته بالنظام أو حماسته مع الجماهير الغاضبة إلى موقف الاستثارة والتحريض غير المدروس بل غير المبرّر لا شرعا ولا عقلاً بل قد يكون مَجلبةً لكثير من التبكيت والتأنيب، إلا أنه يمكننا القول بأن تكرر الأخطاء في مثل هذه المواقف الحسّاسة مرة تلو المرة يُشير إلى أمور خطيرة تعاني منها البنية الثقافية للمعارضين والمؤيدين على حدٍّ سواء حين يتبادلون التهم ويبادرون في محاولات توظيفٍ للحدث قبل نضج دراستهم له الحدث، ومقارنته بما سبق، ووضعه في سياقه ..

لا أدعي إطلاقاً أني أملك مثل هذه الدراسة الوافية المستوفية للحدث أوالقدرة الكاملة على صياغتها ولكني أؤيد نهج الدرس والفحص أولاً، بل وأحرّض عليه وأستعد لدعمه بكل ما أستطيع .. لأني أراه مخرجا وحيداً للأزمة .. وفي الوقت ذاته أجزم – في حدود دائرة المتاح - بأن العفوية وعدم الدراسة وغياب التعبئة والتوعية الكافية تجعل استمرارية مثل هذا النوع من الأعمال الجماهيرية وفي مثل ظروف ليبيا وأوضاعها الراهنة أمراً غير متصوّر أساساً فضلا عن انتظامه وإمكانية استثماره والتعويل عليه .. وإنّ قراءة الحدث من زوايا مختلفة، أي بالمنهج الوسطي المرتكز على دائرة واسعة ذات قدرة مرنة تتسع بحثاً عن أيّة معلومة، وفي نفس الوقت لها ميزة عالية بالانقباض عن أي فكرة مدسوسة والإعراض عنها، هي القراءة الصحيحة، يمكنها رؤية الحدث في إطاره الزمني وفي أجوائه وفي ظل تداعياته التي زامنته ..

فإذا ما لاحظنا مثلاً أن ردود فعل الجماهير لِمَا تُواجَه به عفويّة وغير مستمرة فإنَّ هذا يضعنا أمام حقيقة أخرى قد تغيب عن الكثيرين ولكن غيابها على النظام أشد خطراً وأفتك ببنية المجتمع .. إذا أننا إذا تأملنا فيما وراء ذلك الشعور الداخلي المكتوم الذي يتصاعد إلى أن يصل إلى درجة الانفجار، فينفجر عند أول فرصة أو حدث معين يمنحه الفرصة؛ فسنجد أن هذا التحرك المدمر أحياناً يتعلق بالأساس في غياب فرصة التمثيل السياسي والتعبير عن الرأي بحرية أو بعبارة أخرى "التنفيس"؛ فبالتالي تضطر تلك الجماهير للتعبير عن شعورها بطرق أخرى مادامت عاجزةً عن التعبير عنه من خلال القنوات السياسية القانونية من أحزاب أوجماعات أو هيئات أومُؤسسات المجتمع المدني الفاعلة .. وبالتالي مادام التحرك ليس في هذا الإطار فإنه سيبقى خارج إطار الوضع الطبيعي وليس هذا في مصلحة أحد لا النظام ولا أفراد المجتمع المكبوتين المحرومين الممنوعين من كل شيء .. ومن جهة أخرى فإنَّ وجود مساحات للعمل السياسي الحرّ القانوني يمنح تلك التحركات الجماهيرية العفوية صفة التنظيم والاستمرارية والفاعلية، ويحدُّ بصورة كبيرة من حِدّة ردة فعل الجماهير، ويجعل لها إطارا يُوصلَها لِمَا تُريد - إنْ وعته - من خلال آليات العمل السياسي القانونية المُتاحة للجميع أولاً، كما أنه يضع النظام أمام الصورة الحقيقية لإرادة الجماهير فعنئذ يمكنه التعامل مع ذلك في دائرة الضوء إنْ أراد ..

فإلى متى ستستمر حالة الاحتقان والكبت المؤدية بالتالي إلى مزيد من الخسائر لايريدها أحد ولا يتمناها ولا يعمل لها عاقل ..؟!

*   *   *

إن استخدام القراءة العقلية في الحكم على الاشياء أيَّاً كانت يعني في ما يعني قبول الواقع كما هو وليس كما نريد له أن يكون، فالعقل لا يملك تغيير الحقيقة أو تزييفها، بل عليه التعامل معها بحالتها الآنية الماثلة فيعبر عنها ويعكس واقعها بغض النظر عما ينتجه واقعها أو "طبيعة الحدث" سواء بالسلب أو الايجاب .. أما أنه يستعجل فلا يستثمر كل الأبعاد المتاحة له، ويتعمد تناول الحدث وفق ما تراه عينه ويخلد في ذاكرته، أي قراءة الحدث قراءة مباشرة لا تتجاوز حالة الثأر النفسي أو هيجان المشاعر في لحظة سخط .. فهذا دون أدنى شكٍّ مُجانبة للموضوعية مجانبة تامة .. وإنَّ حدثاًً كهذا لا يُحسَم بثورةٍ كلاميّةٍ، أو خطابات حماسيّة، تَستجيش العواطف الكامنة وتُثيرُ المشاعر المُلتهِبة، لكنها غالباً لا تُلامس أطراف القضية، ولا تبحث في خلفياتها وما يقف وراءها، فنجدها تستسهل الاكتفاء بالتجريم والتخوين والتخمين، رغم كون كل ذلك ممكن، ولكن قد يفهم على أنه هروب من مواجهة الحدث والتعامل معه!.. إذ لا يكفي هذا القدر لأن يكون تعاملنا مع الحدث عقلانياً .. وإنما تكون مواجهة الحدث والتعامل معه بنظرٍ عميقٍ، وتفكيكٍ لأبعاده دقيق، وتقصٍّ للخلفيات، للوصول إلى الكوامن الحقيقية .. وعملية كهذه أعتقد أنها تحتاج لاطلاع واسع على الواقع وقرب منه، وكمٍّ مِنَ المعلومات الموثّقة التي قد يفتقدها أكثرُنا، كما تحتاج لقدرٍ من الخبرة في التعامل مع هكذا أحداث يمنح القارئ للحدث قدرةً على تركيب أجزاء الصورة الذهنية ليصل إلى مرحلة حسن قراءة الحدث، ومِن ثم يُؤذن له بأن يبحث في توظيفه أواقتراح خطوات عملية للتعامل معه ..

ولكن كيف يمكن أن يتم ذلك التوظيف ليُؤتي ثمارا نافعة ؟..

إنَّ العمل الواعي الجاد والنافع هو التوظيف الأمثل للأحداث، وذلك من خلال عدّة نقاط يمكن حصرها في التالي :
1. بناء وعيٍ عام بخلفيات الحدث وتداعياته؛ فيجب أن يُثمر الحدث وعياً وإدراكاً سليماً وتصوراً جيداً، ولوسائل الإعلام هنا دور جيد وهام إذا أحسنت استثماره، لكنها قد تساهم في قتل الوعي وتغييبه في حال انجرارها وراء أحد منهجي التخدير أوالتفجير.
2. إحياء المفاهيم الشرعية الغائبة أو المُغيّبة (3)، وتوعية الناس بالمقاصد الشرعية في مثل هذه الأحداث، وموقف الشريعة الإسلامية من هكذا تصرفات، وفي مثل هذه المناسبات يكون الطرق وهو ساخن أبلغ تأثيراً وأقرب إلى الفهوم لأنه واقع قائم لا صورة ذهنية مجردة، مع ضرورة تركيز ذلك الوعي أيضاً على البعد التربوي في المسألة، ففي الشدائد نحتاج إلى قيم الصبر والحلم والتلاحم والتفاؤل والبر .. وهذه فرصة ينبغي استغلالها لعرض الإسلام وموقفه بصفائه وبهائه ونقائه للجميع، أولاً لتبريئة ساحته مما يُكال له، ثم لتوعية أبنائه به.
3. الدعوة إلى الفاعلية والإيجابية، فيجب أن نحدد واجباتنا ابتداءً، وما يتحتم علينا فعله ؟ ثم نحدد بعد ذلك ماهو الممكن من هذا الواجب، وماذا نستطيع أن نفعل تجاه أنفسنا وتجاه إخواننا في بنغازي وغيرها من ربوع ليبيا الحبيبة.
4. التأكيد على كسر الحواجز بين أفراد المجتمع وبخاصة فئة الشباب وبين أهل التوجيه والفكر والثقافة والوعي ليستقوا من معينهم ويتغذوا فكراً واعياً وثقافة أصيلة لا تلجئهم ولا تسلمهم للتصرفات غير المدروسة أوغير المشروعة.
5. التأكيد على تحقيق التلاحم الوطني بين كافة أطياف المجتمع ونبذ التنازع والخصام، إنه ليس من مصلحة الإسلام – وهو المحرك الأساس لخروج المظاهرات أول مرة - ولا من مصلحة الوطن أن ينشغل أفراده في بعضهم بعضاً لا باللسان ولا بالسنان. وإنه لمِنَ الخطورة بمكان أن يتأول أحدٌ مهما كان حاله ومنصبه وجاهه وشعبيته قتل المسلم بتأويل أوبغيره، قال تعالى ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ..) الآية.
6. إحياء قضية الوطن ومشروعه .. وتذكير ركاب السفينة جميعاً بسفينتهم وبقضيتهم الكبرى والأساسية، وهنا ثمّة فرص كبيرة يمكن اقتناصها أيضاً، بوعيٍ، وبحكمةٍ، وبعد نظر وتمعّن في المآلات والأبعاد الحقيقية، بعيداً عن تصفية الحسابات والثارات التي ستنال السفينة خرقاً وبالتالي لا أعتقد بأن عاقلاً سيقول "عليّ وعلى أعدائي" .. والحذر كل الحذر من امتداد آثار الحدث إلى الأماكن الأكثر حساسيةً وبالتالي ستزيد الخسائر وتقل المصالح ونعود لدوامة الصراع غير المتكافئ وغير الواعي ..

على أن مما ينبغي استصحابه دائماً أن الغاية تكمن في قراءة الحدث أو الموقف بصورة محايدة ومتجردة، والنظر إلى ذات الحدث وتحليله، بسبر أغواره من منظورٍ معرفي وفكري، بمعنى الوصول إلى حالة "تسمية الأشياء بأسمائها" أي قراءة وضعيتها الراهنة بالارتهان إلى الموضوعية التي هي تكريسٌ لمفهوم العقلانية للوصول إلى الحقيقة .. وعلى كل حال .. فإنّ ما بعد الحدث قد يكون أشد وأعتى من ذات الحدث، وتوابع الحدث قد تكون أبلغ دلالة من الحدث نفسه(4)، مع رجاء ألا نقع جميعاً – ونحن بعيدون عن بيئة الحدث ومكانه – في مأزق التضليل ومتاهات التأويل .. وعندها تتضاعف جناية خطأ القراءة، وتفدح المُصيبة بسوء التوظيف للحدث .. غير أن الملاحظ على بعض الكتابات والآراء النزوع للرؤية الأحادية المرتهنة لقاعدة "مع أو ضد"، وهؤلاء بذلك يحاولون – بقصد أوبدونه - الهروب من الطرح الموضوعي المتجرِّد المُستنِد الى المُعالجة المنهجية العلمية والشجاعة الأدبية في الرؤية والتعليل والمواجهة ..

خلاصة القول، أن جدارتنا في قراءة الحدث الراهن وهضم تداعياته وتفاعلاته الواقعة والمحتملة، بطريقة كلية، أوسع من التحزب والتحيز وأقرب إلى الحوار والشفافية، قد تؤهلنا في نتائجها المُحصلة إلى استشراف مستقبل مشروع الوطن وقضيته على مختلف الأصعدة، للوصول إلى بلورة مواقف حقيقية أو صياغة توجّه عام يصبُّ في المصلحة الحقيقية لا المُتوهمة، البعيدة لا القريبة، الثابتة لا الآنية، بعيداً عن الاستعجال، ومن جانب آخر هذا في الوقت ذاته يُرتّب على المهتمين بهذا الشأن مزيدا من توسيع النظرة وشموليتها خارج نطاق الخصوصية الليبية، حيث يقتضي منا حسن قراءة لأوضاع المنطقة والعالم حولنا، من زاوية عقلانية، وثيقة الصلة بواقعية حدث هذه الأيام .. وكما يُقال فإن الحدث الكبير يولّد أسئلة كبرى .. لذا فلعل من المفيد هنا الإشارة إلي أن الوعي بالحادثة يكون له الحضور الأوفق من الحادثة عينها، فالأمر لا يَرتبط بتوجهٍ ما نحو تطبيق شعار وتدبيج فرضياته على صعيد الواقع بل إن الأثر الذي يُحدثه هذا الحادث في وعي المجتمع هو الأبلغ، حيث يكون له الأثر الأهم في تمثّل محصلة تلك القراءة، وإبرازها للواقع، ومن هنا يبرز الوعي العميق بالحدث ويقوم بدوره في تشكيل معالم تفسير الحوادث والتعامل معها مستقبلاً ..

وأرجو التوفيق لنا جميعاً ..

والسلام عليكم ..

د. فتحي خليفة محمد عـقوب
________________________________________________

(*) سبق لـي نشر هذا المقال في موقع المنارة للإعلام بتاريخ 26/2/2006م، على رابط :
http://www.almanaralink.com/gadhya/2006/0206/260206/1.htm
(1) ليس هذا استباقا للأحكام وإفتاء بتحريم أعمال المظاهرات أو المسيرات ونحوها، ولكن هذا دعوة للنظر لأعمال العنف بصفة عامة ومدى مشروعيتها وعدمه في المشروعات الوطنية الهادفة لتغيير الأوضاع السائدة .. لعلنا نرى قريبا عملاً ليبيّاً جادًاً من هذا القبيل ..
(2) وأما تمزيق صور العقيد القذافي واستهداف مركز دراسات الكتاب الأخضر ونحو ذلك من رموز النظام فقد جاء ردة فعل لما بدر من رجال الأجهزة الأمنية من عنف وقسوة في التعامل، وبالتالي هم من يُسأل عن نتائج ذلك وهم من يحاسبون عليه أولا لتغييرهم مجرى المظاهرة السلمية باعتمادهم أسلوب العنف ذاك ..
(3) هذا التغييب من أكبر مخاطر التعامل مع القضايا الوطنية، فغالبية من المعارضين والمؤيدين لا يضعون قيمةً للأبعاد الشرعية في حساباتهم عند تناولهم لكثير من المسائل الشرعية المتصلة بالشأن الوطني في أقوالهم وأفعالهم، وكأنهم يتناسون أن المجتمع الليبي مسلم مهما ضعفت درايته بدينه وفهمه الفهم الصحيح، فإنه لا يقف عند حدودٍ ما وقوفه عند الحدود الشرعية متى ما اتضحت له معالمها وارتسمتْ أمامه حقيقة الموقف الشرعي الواضح المؤصَّل المدروس الذي يُقدمه أهل القدرة العلمية، ومحل الثقة لديهم، أما غير ذلك فلن يجد طريقاً إلى قلوبهم وعقولهم، وبالتالي لو تبناه بعضهم فإنه تَبنٍ مُؤقّت وفي ظروفٍ استثنائية كالتي تمر بها البلاد الآن .. ولكنها تفتقد لقاعدة الاستمرارية؛ لأنها ليست نابعة من ثابت (الإسلام)، ولا تحمل لمسةً تستنير بأنوار الحكمة الشرعية .. وهذا يعود بنا إلى خلل عميق في الثقافة الليبية المعاصرة، وهو افتقادها للبعد الشرعي غالباً أو الاكتفاء بقشريّات من الثقافة الشرعية لتزيين المقالات أو إظهار العضلات لأرهاب الإسلاميين أو لمبارزتهم فقط .. ولكن هذا لا يكفي ولا يُصلح بل يزيد الإرباك ويعمق الخلل !..
(4) إذ توابع الحدث إما تكشف عن دلالات جديدة تسد الخلل وتُغطي الثغرات، فينكشف الخطاء والاستعجال والتسرّع، أو تعمّق الاضطراب في قراءة الحدث وبالتالي الدوران في الدوائر المفرغة والبداية دائما من الصفر!..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home