Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi Khalifa Agoub (Ahmad Abdallah)

Tuesday, 18 April, 2006

   

نحو الموضوعـية (3)

د. فتحي خليفة محمد عـقوب

إشكاليات التعميم واختلالات الثقافة(*)

سبقت الإشارة إلى أنَّ غياب النظرة التفصيلية أو غياب محاولات استفصال الأمور ستؤدي إلى المزيد من احتمالات الخطأ في إصدار الأحكام الاجتهادية، وبالتالي إلى دخول غياهب جُبِّ التّضَارب والتناقض، من خلال إصدار الأحكام العامة في القضايا الإنسانية، أو تعميم أحكام مُستنبَطَةٍ وفقاً لواقع تجربةٍ ومُمارسةٍ خاطئةٍ على كل الدوائر والمَجَالات، وبخاصّةٍ إذا كانتْ الظاهرةُ مَحلَّ النقاش أو موطن الخلاف غاية في التعقيد والتداخل بغيرها، بحيث يكون من الصعوبة بمكان الوصول إلى حكم واحد يشمل كل تلك العوامل المشترِكة في تكوين الظاهرة أو القضية المحكوم عليها، ومن هنا كانت الدعوة للتثبت والأناة وتفصيل ما يحتاج للتفصيل بدل التعميم المرفوض علمياً ومنطقياً، والذي لا محصِّلة له إلا إثارة الضغائن وزيادة الأحقاد وتوسيع هوة الخلاف والتنازع دون جدوى ..

3- التعـميم ينافي الموضوعـية

إن الواقعية التي تفرض نفسها بكل مكوناتها وتعقيداتها تجعل من أولويات متطلبات مرحلتنا ثقلاً حقيقياً على المثقفين وتلقي بين ظهرانيهم بمسؤوليات جسام يتوقف عليها وعلى مدى إدراكها وحسن التعامل معها إخفاقُهم ونجاحُهم، فضلاً عن ارتقائهم ومواكبتهم لحاجة أمتهم ومجتمعهم وقضاياهم الوطنية، بل إنَّ رؤاهم وتصوراتهم ومشروعاتهم الإصلاحية رهينةُ كل ذلك .. فحجمُ الزاد الثقافي المطلوب ونوعيته أصبحا مُختلفين اختلافا كبيراً عما كان قبل سنوات إن لم نقل قبل أيام .. بل يمكن القول دون مبالغة البتة أنَّ رأسَ المفاصل الثقافية التي تمنح المثقّف القدرة على التأثير في مجتمعه وبيئته نوعيةُ الثقافة ومدى قدرتها على الاستيعاب لمشكلات العصر وتطلعات أهله وكسبهم لصالح مشروعٍ مُعيّن .. ومِن جانب آخر إذا ما تفاعلت تلك الثقافة ومكوناتها مع الإبداع الكامن والحرقة الصادقة والهم المسيطر في نفس المثقَّف وشعوره، فحينئذ فقط يُؤذنُ له بالمساهمة في إحداث تغيير أصيل يكون أبلغ تأثيراً من كل الأنظمة والقوانين والمذاهب والحركات مهما كان وراءها من قوة تنفيذية أو هيمنة سياسية أو ضرورة اجتماعية ..

لا شكّ أنه يظهر جليّاً للمتتبع المثقّف أو حتى نصف المثقّف! أنَّ أوساطنا الثقافية بل والعلمية تعيش قدراً من الاختلالات التي نلمس آثارها السلبية في واقع حياتنا، وما إشكالية التعميم إلا واحدة منها، فالبعض – مثلاً - يحلو له أنْ يصنّف الناس كلهم بتصنيف واحدٍ، ومعاملة واحدةٍ دونما نظر إلى كل حالةٍ وكلِّ شخص وكلِّ موقف على حدة، فتجد البعض من المتثاقفين يعتبر النصارى جميعاً صنفاً واحداً، والمسلمين جميعاً صنفاً واحداً، والعلمانيين جميعاً صنفاً واحداً، وغيرهم كذلك ..الخ. إنَّ هذه المنهجية فضلاً عن مصادمتها لشرع الله، فإنها في الوقت ذاته تصادم أيضاً سنّة التنوع الكوني والاختلاف الخلقي الذي نَظَمَ الله تعالى الخَلْقَ على نظامه، ومن هذا التصادم مع تلكم السنة الكونية تتالت التصادامات وتوالت، ومن ذلك تصادم قيم التعامل الإنساني السليم..

وإنَّ مما يدعوا للعجب والاستغراب هنا أننا نقرأ سُنّة الاختلاف في كل مكونات الحياة والمخلوقات وأنواعها، والتي لا يُنكرها عاقل، فلِمَ لا نتعامل أيضاً مع البشر بهذا المعيار الكوني؟ وَلِمَ يحلو للبعض أن ينظر بعين واحدة ويكتفي بها لإصدار حكمه ومن ثم تعميمه؟ قد يكون ذلك عملاً أووفقاً لقاعدة " لوا الفساد " !!.. لِمَاذا يبقى لدينا القدرة الفائقة والمتميزة على صنع الأعداء والخصوم دون استجلاب الأصدقاء والأصحاب؟!..

الإسلام علّمنا أنَّ الأعداء – رغم اشتراكهم في وصف العداوة – ليسو سواء!.. يقول تعالى (ليْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) .. ويقول تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
بل ترشدنا نصوص من الكتاب والسنة مباركات كثيرةُ العدد إلى أن على المسلم التزام جانب العدل على جميع أحواله، بل حتى في التفريق بين الألوان والأنواع والأشكال والأشخاص والأعيان .. تأمل الآيات من سورة فاطر: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ... وما يستوي الأعمى والبصير * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ * إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ * وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور) وفي المائدة قوله تعالى (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ) وفي فاطر أيضاً يقول تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جُددٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختلفٌ ألوانُها وغرابيبُ سُود ومن الناس والدَّوابِّ والأنعام مُختلفٌ ألوانُه إنّما يخشى اللهَ مِن عبادِهِ العُلَمَاءُ إنَّ الله عزيز غفور) وغيرها من الآيات التي ترشد إلى النظر في اختلاف الأشياء، بل وتُطالب المسلم بمنهج الحق والتفريق بين المختلفات كما تطالبه بالتسوية بين المتساويات سواء بسواء ما استطاع إلى ذلك سبيلا .. فتعميمُ الأحكام في مُجمله وتفاصيله غير مَرضيٍّ وليس مقبولاً بحالٍ، بل قد قرّر فقهاؤنا الكرام عليهم من الله الرحمة والرضوان في قواعد الفقه وأصوله العديد من القواعد التي تغذّي هذا المنهج وتعضده وتؤكّد عليه ومن ذلك قولهم : "لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغير الأماكن والأشخاص والأزمان".. وهي من قواعد الفقه الكلية المندرجة تحت القاعدة الكلية الكبرى المُجمع عليها "العادة محكّمة".. فهذا معيار من معايير إصدار الأحكام، يُعلّمنا الشرعُ أنْ لا نستعجل في إصدار الأحكام التي مبناها على متغيّر– العُرف مثلاً– بل يَجب أخذُ مُتغيرات الزمان والمكان والأشخاص بالاعتبار عند القيام بعملية إصدار مثل تلك الأحكام ولا ينبغي إهدار ذلك التغير بتعميم الأحكام على كل تلك الاعتبارات المختلفة.

إنَّ العدل الذي قلّ نصيره وعزّ مؤيّدوه، هو في الحقيقة ميزان الموضوعية ودليلها الكاشف بل هو غايتها ومنتهى مُرادها .. ففي أفق العدل تحلّق الموضوعية وتجد بغيتها وتَنشد ضالتها، يبدأ تكوّن ذلك الميزان على مستوى الشخصية بقدرة الإنسان على إحداث التوازن الروحي والجسدي، المادي والمعنوي في شئون نفسه خاصة، ثم في معالجاته لمُعطيات الحياة عامة من حوله بميزانٍ من الإنصاف وفي رويّة التمحيصِ والتّدقيق .. وإذا كان وَضْعُ فضيلةٍ في غير موضعها مُشينا ومزرياً و لا يخرج عن وصف الجَور، فإنه ما من حال من أحوال الدين وأمور الدنيا إلا والعدل فيه زينةٌ وكمال لأنه إما دحضٌ لباطل أو إبرامٌ لحق، وقد أخبر المولى عزّ شأنه بأنه إنما أقام السماوات والأرض بالقسط، وبه يَجزي الله الذين أساؤوا بما عملوا ويَجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وللعدل ألطاف تتهيأ بركاتها في مَعاش الناس ومعادهم، وفي شؤون الكون وأحواله المختلفة، لذا متى ما اختلت تلك السُّنة في عالم الأشياء كانت نهاية الكون، ومتى ما اختلّتْ في عالم الأفكار كانت نهايته كذلك، وبالمقابل كلّما كبرتْ مساحة التطبيق كلما رَتَعَ العدل وازدان وانتعشت الموضوعية ووجدت مكانها الصحيح.

إنَّ الإنسان متى ما نظر بعينٍ راجحة فسيكتشف أن من عظائم ما أصيبت به مجتمعاتنا من نكبات إنما ينطوي تحت فوضى الحكم التعميمي سواء في مستوى الأنظمة والحكومات أو الأفراد والمجتمعات، حتى استمرأنا ذلك التعميم واعتدناه وصار ديدناً، فاستتبع ذلك تضخيم أسوار الانعزالية وتعزيز مُبرراتها، وساد الكفّ عن سماحة التعامل والتعايش وغلب سوء الظن على حسنه، رغم أن الخالق سبحانه وتعالى مع كمال علمه وجلال قدره وله المثل الأعلى دائماً لم يستعمل ذلك التعميم في حق قوم مادام في الأمر فسحة وما بقي للتصحيح إمكان، يقول تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) !.. مما يُمكننا أن نفهم أن الاستثناء سنة التعقل والتعميم آفة الحكم المستعجل .. وهذا كله وغيره إنما يؤكّد على أن العدل هو أول بنود الموضوعية وأوثق عراها وأقوى دعائمها فينبغي تدعيمه وتاكيده والدعوة إليه دائما ..

من صور ذلك العدل الذي تناط به الموضوعية وأظهر مظاهره الجليلة ضرورة الاعتراف بكل خير للغير ولو كان خَصْماً !.. فتوضعُ المعايب والمثالب في نفس الميزان جنباً إلى جنب مع الخيرات والمروءات، وقد جاء نحو هذا الاعتراف للآخر بما فيه من صفات الحسن ومميزات المروءة في الحديث الشريف: (الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول الذي حضره زمن الجاهلية: (لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أُحبُّ أن لي به حُمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبتُ)، فلم يمنعه بغضه للجاهليين والجاهلية التي ما أرسله الله إلا لاجتثاثها من القلوب والعقول لم يمنعه كل ذلك من إنصافها وذكر ما فيها من محاسن، ولم يعدم في الجاهلية الضاربة في عمق الشرك والكفر أن يذكر ما فيها من نور وخير ولو كان بصيصاً، ولا غرابة في ذلك فهو القائل عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) .. فهو يحمل من الأخلاق أرفعها ومن الإنصاف أرقاه وأسماه، وهذا فارق جوهري بين الإنسان الموضوعي وغيره .. إنها الأخلاق ترفع أقواما وتضع آخرين ..

ثم مع كل ذلك فإنه لن تكتمل جوانب الموضوعية ما لم نُنزلِ الناسَ منازلهم، حيث يَظلَّ لأهل الفضل فضلهم الذي يُحفظ ويُصان، والحفاوة التي تناسب قدرهم مهما كانت زاوية الخلاف معهم، وهذا بقدر ما يُقلِّلْ من زوايا التعصّب الحزبي ويُضيّق الخناق على الغلو والتطرف الفكري فإنه في الوقت ذاته يُساهم بقوة في ردم الهوّة، ويزيد من حالة التقارب والتصافي ويقلل من التباعد والتجافي، فقد كان الرجل من سراة قومه ومبرّزيهم وكبارهم يَقدم على النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه وهو كافر فيُكرمه النبي عليه الصلاة والسلام ويُنزله المنزل اللائق به في قومه، ولا يخفى ما في السيرة من حسن تعامله صلى الله عليه وسلم مع مَن يفِدُ عليه من وفود العرب وقبائلهم، ثم وصيته لأصحابه في مرض موته أن يدواموا على ذلك وأن يُجيزوا الوفود على ما كان يُجيزهم هو عليه كل ذلك وإنْ لم يدخلوا في الإسلام أويقتنعوا بعقيدته حتى !..

كما أنَّ إيثار الحق على حظوظ النفس وأهوائها هو الآخر على درجة كبيرة ومكانة خطيرة من الأهمية في أمور الفكر والعلم والعمل الوطني الصادق، حيث يحمل ذلك صاحبه على البحث عن الحق والحرص على التشبث به، وكم سجّل لنا تاريخ أمتنا صوراً رائعةً في ذلك سطرها علماؤنا الأجلاء وفقهاؤنا المبجّلين .. وهذا الشافعي يحكي على لسان حالهم أن "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيي غيري خطأ يحتمل الصواب" .. فرغم تبريره المنطقي عليه رحمة الله لرأيه بالصوابية غير المُحتكرة، نجده يحتفظ للآخر بمساحة كافية أن يُبرهن عمّا لديه من حق ويُقيم عليه الدليل ليرجع إليه هو متى ما توفّرت لذلك الشروط الموضوعية والعلمية .. ونتيجة لذلك كان أولئك الأفذاذ مُثُلاً عمليّةً للقاعدة النبوية (لا يُؤمنُ أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه) (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) فإذا كنتَ تَنتظرُ أن يَقبل الناس ما لديك من حق، فكن أنت كذلك على نفس الاستعداد وبقدر كافٍ من الجديّة، فالناس كذلك لهم عواطف وتحكمهم نفسيات وطباع يُصيبها الحزن بالجفاء كما تفرح بالموادّة والمواصلة، تهنأ قلوبهم بالكلمة الطيبة كما تتشاحن أفئدتهم بالكلمة المثيرة أو الخبيثة، يُثيرهم العصبية والتحامل، وتكسبهم بالعدل والإنصاف ..

ومن الأمثلة العملية للموضوعية هنا، والتي سادت قروناً طويلةً في حياة أمتنا، وطبّقها علماء المسلمين تطبيقا عمليّاً، مسألة التثبت من القول حين وروده وسماعه، فما أكثر ما تُهضَم الحقوق وتُستباح الحرمات في القيل والقال، وما أقسى جور حكم يستند على نَقَلَةٍ مِن ذي ضغينةٍ أو نفسٍ سقيمة لايرى في الناس خير ولا يعرف من الغيبة مجنة!.. فقد وضع علماءُ الحديث عليهم رضوان الله ورحمته قواعد موضوعية لم يعرف تاريخ البشرية لها مثيلاً ولا يتجرّأ ناقد مهما أوتي من العلم أن يَقدح في موضوعيتها أو يشكك في حياديتها، قواعدُ نقدِ الرّاوي والرواية؛ ففي مجال نقد الرواة اعتمدوا قاعدة العدالة التي قالوا في توصيفها صاحبها "العدل" بأنه هو: مَن عُرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به، وتوقّي ما نُهي عنه، وتجنب الفواحش المسقطة، وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في اللفظ مما يثلم الدين والمروءة، فمَن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه، ومعروف بالصدق في حديثه .. ويستشهد الخطيب البغدادي رحمه الله على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : (مَن عاملَ النَّاسَ فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم، فهو من كملتْ مروءتُه وظهرتْ عدالتُه ووجبتْ أخوّتُه وحرُمتْ غيبتُه)، وأما في مجال نقد الروايات فقد كان من موضوعية أحكامهم أن قسّموا الأحاديث إلى المصطلحات الشهيرة الفارقة من : صحيح، وحسن، وضعيف وما يندرج تحتها من تقسيمات فالضعيف عندهم ليس شيئا واحداً ودفعة واحدة يُترك بل هو انواع منجبر وغير منجبر، وبحسب نوع الضعف وسببه هناك قواعد حاكمة لكل ذلك .. هذه قواعد علمية موضوعية تشمل الحكم على القائل والمقول على حدٍّ سواء بطريقة فريدة أزعم أنه لا مثيل لها .. "أولئك أجدادي فجئني بمثلهم" ..

أما بهاء الموضوعية وجلالها الذي يظهر في حرص المرء على الاستفادة من نافع غيره، ويخالط كل قوم على ما عندهم من خير، ولو كانوا مخالفين، فالحياة البشرية في نمائها تستفيد من مخترعات العقل الإنساني المتفتح على سنن الكون والتي تعمل في عمارته واستعماره، فلا يمنع العاقلُ نفسَه من الاستفادة مما لدى الغير من مُعطيات التجارب الإنسانية مادامت متصفةً بالصحة وما كانت في مأمن من عصبية معاداة دينه وعقيدته، وهذا يستلزم احترام المسلم لجهود الآخرين واجتهادهم، حيث الاعتراف بحق الجميع في الاجتهاد ..

وهكذا، متى ما لزم الإنسان ناصية العدل، وألزم نفسه حياديته، فإنَّ بناء الإنصاف في شخصية المرء سيشمخ ليناطح الذرى، ليصبح سليقة فكريّة، وطبيعة خُلُقيّة، لذلك كان التنبيه في الحلقات السابقة إلى ضرورة أن يُراجع الناس أحكامهم وأن يُعيدو قراءة تعميماتهم وبخاصة موقفهم من الإسلام أولاً، ثم نظرتهم للإسلاميين والتفريق بينهما من جهة، والتفريق بين الإسلاميين أنفسهم وبين ما يُنسب إليهم أومَن ينتسب إليهم .. فيا له مِن عبث، تلك الكتابات وذلك الغثاء الذي يطفو على سطح المواقع وصفحات إنترنت، والذي لا يرى إلا اللونين الأبيض والأسود، بل بعضها لا يرى إلا الثاني منهما .. ذلك السواد الحالك في التعامل مع الآخر وبخاصة لو كان ذلك الآخر إسلاميّاً .. بطبيعة الحال أنا لا أعفي الإسلاميين من تلك النظرة التعميمة والخصلة الذميمة لأنهم في أوّل المطاف ونهايته بشر يعتريهم ما يعتري البشر .. لكننا حين نرى تلك التعميمات الكبيرة وجرّات الأقلام الساذجة التي تنطلق من هنا وهناك مستغلّةً ضعف المطالعة لدى القرّاء أو قلة المتابعة ومن البعض الآخر لتروّج لأفكارها أو تحقق أغراضها .. ندرك حقّا مدى افتقادها للموضوعية .. فما أسهل أن يقول الكاتب "الإسلاميين قالوا.." أو "الإسلاموية فعلتْ أو رأتْ أو .." أو غير ذلك .. وكأني بالكاتب ينظر من بُرجٍ عاجيٍّ يستطلع مِن عليّته تلكَ أساطيلَ الإسلاميين وكتائبهم وفرقهم وجماعاتهم وأفرادهم وصغارهم وكبارهم وشرقيهم وغربيهم، ومثقفهم وشرعيّهم، والرابض في أقصى طرفهم يمينا وشمالاً بما في ذلك القابع في بحبوحة الوسط يجمّع ويؤسس للعدل ويحاول أن يمسك من كل بطرف، كلُّ أولئك أحصاهم كاتبُنا الموسوعي وعدّهم عدّا ونطق بحكمه – الذي لا يُخطئ – فيهم جميعاً جملة وتفصيلا توفيرا للوقت والجهد على نفسه وعلى القرّاء الكرام !.. وفي الوقت ذاته ليس أمام الإسلاميين بعد ذلك إلا أن يُحنوا الرؤوس تواضعا لقلمه وأسلوبه العربي الراقي الأخّاذ وعبقريته الفذّة وتحليلاته المنطقيّة وإلا.. فهم أعداء الثقافة والفهم الصحيح ومنكري الحكمة والعقلانية والرشد لا يفقهون شيئاً !!..

يا له من كبر واحتقار للعقول حين تصدر الأحكام على هذا النحو !.. ألا يستحي أولئك - مع قلّة اطلاعهم ومتابعتهم وفقر ثقافتهم حول الإسلاميين وما وصل إليه خطابهم من تطور ورقي جعله في المكانة التي هو عليها رغم جهل الجاهلين - ألا يستحي أولئك الفقراء من إصدار أحكام هي في الحقيقة مُضحكةٌ مُبكيّة فضلا عن كونها مَهزلة في نظر العلم والثقافة وأدب الكتابة وأساسياتها تَنمُّ عن حالٍ أقرب ما يوصف به الانحطاط إنْ لم يكن السفول ؟!..

إنَّ البعض الذي يُصرُّ على دمغ الحركة الإسلامية والإسلاميين عموماً بما انطبع في ذهنه من تصور قاصر ومعلومات بالية وسجل مختلَق، مع عدم اعترافه بأيّ إنجاز حقيقي وصلت إليه الحركات الإسلامية في مكابرة ومعاندة عجيبة .. نجده يدعو لكل ذلك ويأخذ الأمر بهذه البساطة ويمر عليه مرور الكرام .. دون أن يُدرك ما طوَّره التيار الإسلامي من خطاب جعل من مطالبه سواء تطبيق الشريعة أو غيره مطالبَ شعبيًّةً تمرُّ عبر الإرادة الشعبية والاختيار الحر، ذلك الاختيار الذي عجز عن قياده غيرهم، لأسباب كثيرة يصعب حصرها هنا .. ولا يتم فرضه على الناس فرضًا كما يزعم ويدّعي .. وهذا جهل من جهالات بقايا التيارات التي عفى عليها الزمن حتى أفلست، تُضمُّ إلى جهالات سابقة ولاحقة ربما جهالات تنسى أوتتناسى ما قام به التيار الإسلامي من تطوير وتنظيم لعلاقة السلطة السياسية بالمجتمع، ورؤيته لعملية تداول السلطة وآليات كل ذلك، ضمن إطار ثقافة شعوبنا وعقائدها وموروثها الديني والثقافي ..

وبالتالي – وتحت تأثيرات ذلك الجهل والتجاهل رأينا هؤلاء الكتاب - سواء البارز منهم أوالمغمور - يعتبرون الإسلام والحركة الإسلامية – جملة وتفصيلا وبمختلف فصائلها وتياراتها ورموزها هكذا كتلةً واحدةً - العائق الأبرز أمام التحول الديمقراطي في الدول العربية والإسلامية، ويُرجعون عدم إقبال تلك الدول على النهج الديمقراطي إلى الثقافة الإسلامية، وإلى ممانعة الحركة الإسلامية للتوجُّه الديمقراطي، وعملها على تعويقه !!.. والغريب في الأمر أيها القارئ الكريم أن ذلك التحول الديمقراطي الذي ما فتئ الجميع يدعون إليه ويطالبون به ويعقدون عليه آمال التغيير ويبنون عليه مشاريع الإصلاح، ما إن يكون وسيلة لوصول الإسلاميين حتى ينقلب من أمل إلى ألم، ومن وسيلة حضارية إلى جهالة تستغفل الجماهير وتضللهم ..
مثل هذه المهزلة تذكرني بسؤال طرح على الأستاذ خالد مشعل في حوار مع قناة الجزيرة : هل صحيح ما ادعت السلطة من قيامكم – حماس – بتزوير نتائج انتخابات البلديات ؟ فابتسم الأستاذ مجيباً ومعتبراً هذا أمرا فريدا أن تكون حماس أول حركة إسلامية معارضة تتهم بذلك حيث جرتْ العادة أن الأنظمة السلطوية هي التي تقوم بهذا العمل وتتهمها الأحزاب المعارضة بذلك، إذن نحن أمام تجربة فريدة للمعارضة التي تنجح في تزوير الانتخابات لصالحها !!.. ولكنه الإفلاس الحقيقي .. هو الدافع لهكذا تهم غير معقولة وغير واقعية وتبعث على السخرية إن لم يكن الاشمئزاز .. آن الأوان للاستيقاظ والانتباه .. وليعلم الجميع هنا أن ردود الفعل المتصاعدة ضد الإسلام والإسلاميين عموما طبيعية جدا وتأي في سياقها المتوقع تماماً بل إنها مازالت قاصرة عن ذلك حتى .. إذ ما كان لمن يرى مشروعه ينهار ويتهاوى أن يقف مكتوف اليد، بل أدهى من ذلك أن لا يجد ما يدفع به إلا أن يتمسك بقشّة، قشّة لعلها – في أحلام يقظة أولئك – أن تقسّم ظهر البعير!.. وليت هؤلاء الكتاب والأدباء والمفكرين "البارزين" كلّفوا أنفسهم عناء البحث والمطالعة بدلا من شحذ الصورة الذهية المترسبة في أعماق وجذور أفكارهم بكمٍ من الصور القاتمة التي يَستلبونها من هنا وهناك .. فتجد الكثير منهم عندما يتكلم عن الإسلام يحدثك عن ابن لادن أو طالبان أو الشيشان أو نحو ذلك وكأن لا إسلام في الدنيا إلا هذا وعلى النحو الذي عرفه وتلقّفه من وسائل الإعلام الذي انبرى لمهاجمته وصدّ الناس عنه !.. ألا يكلف هؤلاء أنفسهم عناء النظر حتى ولو في جهود الكتاب الغربيين الذين يمدحون على إنصافهم وسعة نظرتهم، أوتلك الجهود التي تبذلها مراكز البحث العلمي والدراسات الإسلامية في العديد من المجالات أو ما يصدر عن المجامع الإسلامية الفقهية من اجتهادات وأحكام في قضايا معاصرة وما يجود به مفكرو الأمة الإسلامية من كتابات راقية ونظرات موضوعية مستندة لهدي الوحي الإلهي مسترشدة بمقاصد الشرع وغاياته ..

نتيجة لهذا التحامل غير الموضوعي على جهود الإسلاميين جملة وتفصيلاً كانت التناقضات والاضطرابات في الآراء والمواقف لدى بعض أولئك الكتاب الذين غدو وما برحوا يُقيمون تلازمًا حتميًّا بين الإسلام والمسلمين وكأنهما وجهان لعملة واحدة!.. لقد كان الأجدر دائما وأبداً بالمنادين بالموضوعية المتغنين بالإنصاف والعدل والرشد والعقلانية أن يُبقوا للودّ بقيّة تقرّب ولا تبعّد، وتساهم في تفهّم ما لدى الآخرين وتقديم ما لديهم لتأسيس حالة من التحاور والتفاهم تُبقي على مشروع الوطن وسفينته بدل الفوضى والاضطراب .. أيُّ جناية نجنيها حينما نستنكر حق بقيّة الرّكاب في الركوب وفي ممارسة حقّهم الذي نمارسه .. أليست سفينة الوطن ومشروعه ؟!.. فلما الاحتكار ؟!.. "ومن احتكر فقد أخطاء" !..

بعيداً عن الإغراق في التنظير نقول: إن التشابك والتعقيد الذي غدا طبيعة العصر، وتعدد القنوات الإعلامية والفضائية وتنوع النوافذ الثقافية التي تُعنى بتشكيل الرأي العام بل وصياغة العقلية نفسها وفقاً لمذاهب وأفكار وملل ونحل في وسط ضجيج إعلامي صارخ وجو محموم يفرض علينا فرضاً إعادة النظر في موارد ثقافتنا و وسائلها وتقنياتها وأدواتها لتواكب روح العصر من جهة، ولكي لا تخرج عن نهج الموضوعية والإنصاف من جهة أخرى، ومَن أتقن ذلك وأجاد التعامل معه فهو الموعود بالتأثير وتحقيق الإنجازات الجليلة، وكلامي هنا ليس عن المبادئ والمُنطلقات وإنما عن الوسائل والأدوات التي تخضع لها .. لذا فإنه ليس من المبالغة هنا ترديد كلمة العلامة القرضاوي حين قال : "أكره التعميم في الأحكام، إنَّ التعميم في الأحكام لا يَتورّط فيه عالمٌ يحترمُ نفسه ويَحترم غيره " ..

وللحديث بقيّة إنْ كان في العمر بقيّة ..

والسلام عليكم ..

Ahmad_lah@maktoob.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال على صفحة موقع مؤسسة المنارة للإعلام بتاريخ 8/4/2006.
- انظر مؤشرا على أفول نجم التيارات المنفصلة عن تراث الأمة وعقيدتها البعيدة عن آمالها وآلامها وتزايد شعبية التيارات الإسلامية بعامة .. الإسلاميون في الواقع السياسي العربي، على هذا الرابط :
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/78A46A99-C897-45EB-B68B-ABF82E797506.htm
انظر مثلا مقال : "أسباب الحضور الشعبي المتقدّم" .. لاحظ في المقال سقوط نبوءات المفترين بانحسار تيار الصحوة الإسلامية من مختلف الكتاب الشرقيين والغربيين.. ثم يمضي الكاتب (سعد الدين العثماني) قائلاً: وليست ملاحظة الصحوة الإيمانية عالميا وإسلاميا هي السبب الوحيد الذي جعل المعطى الهوياتي معطى أساسيا في القضية، بل إن صعود الإسلاميين لا يرتبط فقط بالجانب السياسي، ولكن أيضا وأساساً بجوانب الحياة الاجتماعية والثقافية. فالكتاب الديني والإسلامي هو الأكثر مبيعا، والإقبال على المساجد يزداد يوما بعد يوم، والبرامج الدينية في القنوات هي الأكثر مشاهدة من بين سيل البرامج الأخرى، و"الحجاب" ظاهرة تنتشر بقوة بين النساء من مختلف الفئات، حتى أن كثيرا من الدول ذهبت إلى التضييق عليهن، إنها صحوة اجتماعية ذات أبعاد مختلفة، وليس الحضور السياسي للإسلاميين إلا مظهرا ونتيجة لذلك الحضور في المجتمع. ومن نتائج هذا العامل الأول أن الحركة الإسلامية الإصلاحية لم تكن صدى لدعوات أو توجهات خارجية أو جاءت استجابة لتحديات وظروف غريبة عن واقع بلدانها، بل نبعت من واقع شعوبها. ولذلك فإنها لم تعان من حالة اغتراب اجتماعي أو سياسي أو ثقافي في محيطها. وقد أدركت منذ البداية أنها تتحرك في مجتمع يقوم على قاعدة فكرية هي نفسها القاعدة التي تؤمن بها شعوبها. وهذا ما جعلها أقرب إلى تلك الشعوب وإلى وجدانها.. انتهى
فالحضور السياسي جاء نتيجة لحضور مجتمعي واسع وليس مجرد توظيف ساذج للدين والعقيدة .. هذا فرق جدير بالملاحظة والانتباه من قبل المنصفين ..
- من أمثال : الدكتور محمد سليم العوا، والشيخ راشد الغنوشي، والشيخ فيصل مولوي، والدكتور القرضاوي، وعشرات آخرين في مئات من المنتديات العلمية والمواقع الإلكترونية لا يمكن حصرهم هنا من محللين ونقاد وكتاب ومفكرين إسلاميين تنتشر كتاباتهم في المواقع والصحف والمجلات وهي في متناول من رام الوصول إليها.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home