Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi Khalifa Agoub (Ahmad Abdallah)

Friday, 17 February, 2006

كلام لابد منه في المسألة الدنماركية

( مناقشة هادئة لمقال الكاتب آدم الرقيق )

د. فتحي خليفة محمد عـقوب

قضية الرسوم الكرتونية التي نالت من شخص الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يحلو للبعض أن يعتبرها نزهة أوربية عابرة كما يحلو للبعض الآخر أن يجعلها فرصة للنيل من أمة المسلمين بوصفها أمة همجيّةً فوضوية لا تعرف مصلحتها ولا تحسن قياس الأمور والنظر في المآلات ..

بدايةً أسجل بكل وضوح وصراحة أني لا أقرُّ ولا أجد مستنداً شرعيّاً ولا مبرراً عقلياً لبعض التصرفات غير المقبولة التي بدرت من بعض عوام المسلمين في لحظات غضب وانفعال سبقها كبتٌ واضطهاد في ظروف ظلم واستعباد .. إلى آخره من الأوصاف التي تلقي بظلالها على خلفية ردود الأفعال تلك وتضعنا أمام الصورة في مُجمل تجلياتها .. فحينها فقط ستصغر في أعيننا صغارها وتكبر كبارها .. ونتصف بشيءٍ من الموضوعية والإنصاف مع الآخرين فضلا عن بني قومنا وجلدتنا "المسلمين" ..

كما لا يفوتني التذكير بان الموضوعية لها لوازمها ومعاييرها من البحث في الأسباب والبواعث واستجلاب خلفية الماضي بأبعاده واستشراف مستقبل الحدث بكل مكوناته واستحضار الأبعاد الشرعية والسياسية وغيرها لحادثة كهذه ليتسنى لنا بعد ذلك الخوض فيها، لا أن ننظر إلى الحالة الراهنة وفقاً لبيانات الأمس وتطورات اليوم واستشراف الغد القريب .. إنه تجنٍّ كبير وهضم لحق البحث والتحليل .. وليعلم الأخ الكاتب أنه حينما يكتب فقد عرّض نفسَه وقلمَه للنقد وبالتالي فليعرف ما يكتب .. وليلتزم بقواعد الموضوعية وبالمنهجية الملائمة للمقام ليسلم أولاً وليؤدي رسالته ثانياً ..

على كل حال لا أطيل .. أمامي مقال الأخ الكريم آدم الرقيق أكرمه الله بعنوان "صراع حضارات... أم سوء تعامل مع الأزمة؟ " ..
حقيقةً ما عرفته عن الأخ الكريم آدم وغيرته الإسلامية وعمق نظرته وتحليله الذي عودنا عليه في مقالات سبقت يجعلني أجزم بأنه ما كتب مقاله إلا بقصد التوجيه وإكمال النقص ومعالجة الخلل الذي رآه كما رأيناه في بعض ردود الفعل الغاضبة من جموع المسلمين في أنحاء العالم .. هذا حقُّ الكاتب عليَّ أوفيه إياه أولاً .. وإنْ كنت لا أتفق معه في كثيرٍ مما جاء في مقاله المذكور آنفاً .. كما أشير بدايةً إلى أن مقالي هذا في الأصل عبارة عن مسودة مقالٍ حول الموضوع كنت بصدد إعداده ثم اطلعت أثناء إعدادي إيّاها على مقال الأخ آدم ففتح لي آفاقاً أخرى رأيتُ ألا يفوتني ذكرها .. ولذلك وإنْ كنتُ سأحلل بعض عباراته وأناقش بعض مقدماته إلا أني لن أقصد شخصه لا بشكل مباشر ولا غير مباشر..

أخي الكريم .. الأخوة القراء الكرام ..

عندما نعالج موضوعاً يتعلق بشخص نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم فلسنا حينئذ بصدد أمرٍ عاديٍ أو أمام شخصية عادية مهما كان لها وزنها وأثرها في تاريخ البشرية .. وإنما نحن بصدد الحديث عن نبيٍّ رسول مما يضفي على الحدث أهمية خاصة حيث يجعله "مسألةُ دين" أي أن يؤخذ الموضوع برمته على أنه نيلٌ من الدين نفسِه وليس من شخص محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .. إذ من أين عرفنا هذا الدين إلا من خلال الصادق الأمين أجل من وطِئَ الثَرى وخالطت أنفاسه دنيا الورى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ..
بالتالي فأيُّ دينٍ وأيُّ أتباع له نحن إنْ رضينا المَساس بشخصِ الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام .. فماذا بقي بعد ذلك ؟ لنتشبث به ؟.. هذا البعد الديني العقدي للموضوع لا يجوز إهماله بحال .. وحتى على فرض عدم التسليم بوجودِ أبعادٍ دينية لنشر الرسوم ابتداءً إلا أننا لا نسلم البتة بأنه لم يوظف من قبل المتطرفين من أعداء الإسلام للنيل من الدين الإسلامي ومن كرامة الأمة الإسلامية بعامةٍ .. فضلا عن عدم التسليم بخلفيات الصراع بين الدين الإسلامي باعتباره دين الله الذي رضيه لخلقه وبوصفه خاتمة الرسالات وبين الأديان المنسوخة المحرّفة الباطلة من النصرانية واليهودية وغيرها .. هذه منطلقات للبدء ..

فإذا جئنا إلى المسألة من نواحيها الأخرى وتأثير الحملة الإعلامية عليها والتوظيف الخبيث لها من جانب، والتداعيات التي تلت الحادث من إصرارٍ على تكرار نشر الصور بعد ظهور آثارها السلبية من جانب ثم ارتفاع وتيرة الغضب الجماهيري العارم بين شعوب المنطقة الإسلامية عموماً من جانب آخر.. كما لا نُغفِل أيضا جانب الإيجابيات سواء في التعامل الراشد المُعتدل من قبل علماء المسلمين بقيادة العلامة الدكتور القرضاوي وصناديد آخرين، إضافة للتوظيف الدعوي للحادث من قبل بعض المؤسسات والجمعيات الإسلامية التي لم تُشغِل نفسها بتبرير ولا تمرير وإنما جعلت من الحادث فرصة لتسويق الدعوة الإسلامية والتعريف بنبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام بين الأوربيين الباحثين عن الحقيقة أو الخالية أذهانُهم وفطرهم من لوثات الحقد الصليبي الماكر .. وليس خبر الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة ببعيد .. حيث تضاعفت أعداد المسلمين الجدد بشكل مُلفِت وجدير بالاعتبار، و وراء كلِّ محنةٍ منحة .. فلا ننس هنا جانب التقدير الإلهي ذو الحكمة المطلقة التي تقف وراء نصرة دين الله ولو بعد حين ولو من خلال الظروف القاسية والمحن المتتالية .. ليشتد عود المسلمين وبأسهم، وليُفيقوا من سباتهم وينظروا في حالهم وما وصلوا إليه ..

ألج موضوع التعليق الذي أتاحه لنا الأخ آدم من خلال مقالته والذي أرجوه أن يكون واسع الصدر لما سأقوله وليعلم أني لم أكتب حرفا واحدا إلا بعد أن علمت أني أكتبه حرصاً عليه ونصحاً لإخواننا المسلمين بعامة ولدين الله ولرسوله عليه الصلاة والسلام ولكتابه ..

التعـليق

أولا : بعد مقدمتك التي دخلها شيءٌ من الخلط وبخاصة إقحامك للبيئة وتأثيرها على احترام الإنسان للمقدّس من أديان وأنبياء وغير ذلك بعد إقحام الفلسفة والمنطق الذي ما رأيناه في سطورك التالية، وبالتالي أصبتنا بحالة من الحيرة من أول وهلة، وبخاصة عندما قلت لنا وقبل استكمال مقدماتك : " إذاً فالميزان الذي وُزِنَتْ به المشكلة غير متكافئ " .. هنا أخي اسمح لي على الأقل باستفسار عن نوع التكافؤ المقصود ؟ بأيِّ اعتبار ومِن أية حيثية تقصد ؟ بطبيعة الحال يستحيل أن تتكافأ كلُّ موازين التفكير البشري بمعنى أن تتفق في النظرة ؟ وبالتالي فلا يمكنك أن تفتح المجال لكل فكرٍ ومفكر أن يضع لنفسه ميزاناً يحجر علينا أن نحاسبه عليه محاسبةً موضوعية !.. إذن لا لقاء ولا تفاهم إن لم يكن هناك قواعد عامة وموازين ثابتة يتحاكم إليها الجميع ويُصدرون أحكامهم وفقاً لها لتلقى قبولاً لدى الآخرين .. وإلا فقل لي أخي الكريم .. ومِن قولِكَ نُحاكِمُك: اعترفتَ أن شعوب الشرق (وهو مصطلح يُستعمل بمعنى عام يشمل كافة الشعوب الإسلامية أو ذات الغالبية المسلمة ولو لم يكن في الشرق موطنها) تحترم المقدّسات الدينية وغيرها من الرموز حتى الوطنية والمحلية .. ثم أيضاً وصفت الأغلبية في الغرب بأنها لا شعور لهم بهذه المقدسات ولا بالرموز سواء الدينية أو الوطنية !.. من حق غيري ألا يسلم لك بهذه بل ينقضها فبأي معيار جعلت الغلبية في الغرب على هذا النحو ؟!.. لكني لن أجادل في القلة والكثرة ولكني أجادلك في هل هذا الاختلاف كافٍ أن يُعطي لغربيٍّ واحدٍ أن يَجرح شعور أو ينال من مُقدّسات الشرق كلِّه (مليار ونصف فقط لا غير) ؟!.. حتى تطالبنا بعد ذلك أن نخلع عقولنا وعواطفنا تجاه عقيدتنا وديننا ونبينا تسليماً للغرب بما اعتادوا عليه !.. فما أملكُ أنا ـ وأفترض ورائي المليار ونصف مسلم كذلك ـ للغرب السافر الذي لا يحترم فطرةً ولا ديناً ولا خلقاً ولا يعرف مقدّساً في برودٍ وبلادة حسٍّ وذوق وضيعة ؟!.. هل هذا في رأيك مبرر يكفي لنطالب شعوبنا الإسلامية بالصمت أو بالرضا والتهدئة وفقاً للميزان الذي تفضَّلتَ به .. إنْ صحَّ ما تقول أخي العزيز فخذ لديك هذه إذن : إن أشدَّ الليبيين عاميةً على الإطلاق لهو أعقلُ وأنضَجُ فكراً وأرفعُ ذوقاً وأكملُ خُلُقاً مِن أكبر مثقفي الغرب مهما كان مستواه ومنصبه ودرجته العلمية .. فكم سمعنا صغاراً وعقلنا كباراً قول الليبيين : " كُلْ ما يُعجبُكَ والبَس ما يُعجِبُ النَّاس"!!.. رأيتَ أين هذا مِن ذاك ؟؟.. أخي المحترم .. أوَليس احترام آراء الناس وأفكارهم فضلا عن دينهم ومعتقداتهم ومقدّساتهم أمرٌ أجدر وأليق بالمراعاة والاحترام من مراعاة شعور الناس في أن تلبس ما ينسجم وعادتهم بدل أنْ تلبس ما ينسجم مع ميلك وتفضيلك الشخصي مراعاةً للذوق العام ؟؟!.. مع العلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد " نهى عن لباس الشهرة " !.. وقس على ذلك .. لو كان الإنسان يحترم إنسانيته ويتخلّص من حقده الضغين وخلفيته الصليبية ضد الإسلام والمسلمين هل يسمح لنفسه أن يتفوه بذات شفةٍ تُثير عليه مليار ونصف إنسان ؟؟!!.. ويكفي أن أقول إنسان دَعْ الإسلامَ جانباً هنا .. أوَليس الشرقيون بشراً كالغربيين ولهم حقوق البشرية ؟!.. ومازال أخي الكريم سيأتيك في هذا الكثير من مظاهر ازدواجية المعايير والخروج عن الموضوعية بل العقلانية من أساسها لدى الغرب كان عليك أن تفطن له وتضعه ضمن معطياتكَ ..

ثانياً : لقد تضمن المقال تسويةً بين مختلفات اختلافا كليّاً .. أشركتَها في الحكم ثم في الوصف بالرعونة !.. فمتى كانت المقاطعة (وهي من أفتك أسلحة المسلمين التي لا يملكون منها الكثير) كالفوضى والشغب والإجبار؟!.. ثم متى كانت رُعونةً!! وهي مؤيّدةٌ بفتاوى سديدة لجهابذة من العلماء .. لا على سبيل الندب والاستحباب بل الوجوب والحتم لأدلة يطول شرحها وتفصيلها ولا يتسع لها المقام هي متاحةٌ على صفحات إنترنت تجدها في مظانّها .. أما إنْ كنت تقصد أنَّ هناك نوعاً من المقاطعة لبضائع لا ينبغي مقاطعتها .. أو هناك ما هو أولى فهذا ترشيد وتوجيه تُشكر عليه وهو مطلوب ولكن كان عليك أن تُبيّنَ ذلك لا أن تُجمِل، فالإجمالُ في موضع التفصيل يُخلُّ بالموضوعية كثيراً ..

ثالثاً : وردتْ في مقالك أخي الحبيب عبارة : " فمِن حقهم الاستهزاء بها والسخرية بها كيف ما يشاءون ما دامت متاحة لهم بالقانون.." أتفهّمُ مقصودَك تماماً ولكن عبارتك للأسف لا تخدمه بل تهدمه تماماً !.. ففضلا عن كون هذا الكلام يتضمن الإقرار بقانون مِن هذا القبيل – إنْ وُجِدَ فعلاً – فهو على الأقل يتضمن إقرارَهم على فعلهم من خلال الإقرار بحقهم في الاستهزاء والسخرية!..
ثم أخي الفاضل، بأيِّ قانونٍ استباحوا ذلك ؟
ثم هل لنا (نحنُ المسلمين) أنْ نُقرَّ بأيدينا قانوناً يُقرُّ الاستهزاءَ والسخرية بشخص نبيٍّ من الأنبياء في حال وجوده فعلاً ؟!.. ثم لو كان هناك قانونٌ كهذا أوَليس كان الواجب علينا إذن أن نوجِّه حربنا ومواجهتنا العقلانية الرشيدة المؤثرة والفاعلة إلى ذلك القانون من أساسه وندعو إلى استبداله فننال منهم بعد أن أرادوا النيل منا !.. نحن أساتذتهم أخي الكريم في احترام حقوق الإنسان وتقدير إنسانيته بما نملك من رصيد عظيم ونصوص ربانية قيّمة مهما حاول النيل منها المتغطرسون المحرفين ومهما اعتراها من سوء التطبيق وما دخلها من دخن الأهواء .. ولكننا نملك في جعبة ديننا الكثير الذي نبغي أن يكون نبراساً للبشرية كافةً لتسير الحياة في سلام وأمان وفي احترام ووئام .. هذا حديث آخر له مجاله كذلك ..
هنا أوافقك للمرة الثانية .. حيث يجدر بالذكر أن مِن أهم المآخذ على رد فعل المسلمين أنه لم يكن عقلانيا بالقدر الكافي إذ لم يتجه للبواعث الأصلية للحملة الصليبية هذه التي يغذيها اليهود في الحقيقة .. وثانيا أنها لم تطل القوانين التي يتبجّح بها الزعماء الأوربيون والتي يلوحون بها كمبرر للشتم والاستهزاء وتَجريئ السفهاء منهم على خير البرية صلى الله عليه وسلم وعلى دينه الحنيف .. وثالثا ربما أن سلاح المقاطعة كان يمكن أن يُفعّل منذ وقت وليس الآن فقط ولكان آتى ثمارا يانعةً والله لو علمنا آثارها الاقتصادية المدمرة لحسبنا لها حسابات أخرى تماماً، كما يمكن أن توجّه المقاطعة بحيث لا تعمم على كل الشركات والمنتجات دفعة واحدة وإجمالاً بل يركز على الشركات الحكومية أو شبهها لا تلك الشركات الصغيرة التي لا تجني منها الحكومات إلا حاصلات الضرائب المحدودة فهذه تتضرر في ذاتها – وقد يكون لأصحابها مواقف محايدة نوعا ما - أكثر بكثير من تضرر الحكومات وراعيته – رأس الأمر- نفسها .. إضافة للمقاطعة السياسية التي تعتبر فيها المبادرة الليبية بسحب السفير - مهما كان باعثها أو تفسيرها – نقطةً إيجابيةً في هذا المجال، طالما أن الرأي العام الداخلي يُؤيّدُها ويتعاطف معها وطالما توفر البديل .. هذا نوع توجيهٍ لا رفضا لمبدأ المقاطعة لأنه مقرر ثابت بأدلته الشرعية وآثاره الاقتصادية .. فإبداء الرأي في جدوى المقاطعة أو في طرق زيادة تفعيلها ليس كرفضها من حيث المبدأ .. ورغم كل الملاحظات التي أشرت إليها وغيرها مازالت المقاطعة ضرورة من ضرورات مواجهة الحدث ورد فعل لامناص منه بل ينبغي توسيع دائرتها قدر الإمكان الشرعي والاقتصادي، وذلك وفقاً لقواعد جلب المصالح ودرء المفاسد باعتباراتها المختلفة والمتداخلة والتي نحيل تقديرها لأهل العلم الشرعي والباع الاقتصادي فهم أهل مكة .. ولا مجانبة في هذا لمنطق العقل والرأي والحمكة .. ولله در الشاعر حين قال :
تَودُّ عدوي ثم تزعم أنني       صديقك إن الرأي عنك لعازبُ!

بعد كل هذا أقول : أنَّى لنا أن نُقرَّ بحقّهم القانوني في الاستهزاء بمحمد عليه الصلاة والسلام أو نسلم لهم بذلك (ولاحظ الفرق الجلي بين التسليم والإقرار) فضلا على أن نُقرَّ بقوانين تبيح ذلك الحق أو تسمح به حتى ..!! مع ملاحظة هامة هنا وهي أننا لسنا هنا بصدد تبرير موقفهم وفعلهم .. بل الواقع أن الأمر قد حدث ونحن نتعامل مع حدث بتداعياته وخلفياته كذلك فالحال كما قال الشاعر:
قد قيل ذلك إنْ حقاً وإنْ صدقاً       فما احتيالك في شيءٍ إذا قيلا

الآن ما ينبغي أن يُطرح ويبيّن ما موقفنا نحن؟ .. هذا هو الاختبار الفعلي .. وليس هل نحن على حق أم لسنا كذلك ؟!.. فهذه هم لا ينتظرونها منا أساساً ..
كما لا أخفي موافقتي للأخ كاتب المقال وتأكيده على ازدواجية المعايير لدى الكثير من الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين عامةً .. وإن كان هذا لا يصلح مبرراً لتبريئة ساحة أحد آخر سواء الحكومات الغربية الحاقدة، أم وسائل الإعلام الاستفزازية الموغرة في الحقد وبث السموم يومياً وبوسائل وأساليب متعددة متنوعة ..

الوقفة الأخرى هنا حول مفهوم الحرية الغربي؛ الذي يتسلل إلينا لواذاً من حيث ندري أو لا ندري .. إن الغرب ما كان له أن يكون معلمنا في الحرية، وأيُّ حرية تعني التطاول والعنجهية، أوَليس أبسط معايير الحرية أن لا تكون طاغية على حرية الآخرين، هذا وجه آخر للحرية لا تعرفه قوانينهم ولا مفاهيمهم غير القابلة للتعاطي .. لكن الحديث هنا قد يطول، " وإذا أردنا أن نتحدث عن الحرية فلابد أن نطرح مفهوم " عدل الحرية "، ويُصبح الحديث في الرؤية الإسلامية عن "حدود الحرية" وليس عن "قيود الحرية"؛ لأنَّ الحدود هي مساحة للحركة، أما القيود فهي مانعة من الحرية، وبالتالي فالحرية في المفهوم الإسلامي ترتبط بالمسئولية وليست حرية مطلقة؛ ولذا هناك ارتباط دائم بين فكرة الحرية والمقاصد في الشريعة الإسلامية. ثم يجب علينا أن ننتقل من النظر إلى ما وقع في الحادث الدانماركي من مجرد كونه حادثا إلى مناقشته من خلال منهج، مع التأكيد على أن هناك خللا بنيويا في تعريف قيمة الحرية لدى الغرب يؤدي به إلى حالة من حالات الظلم الفادح للآخر؛ لأنها حرية تفتقد الميزان .." .(1)

رابعاً : عبارة : " ألسنا على حقٍّ فلماذا الضغط على الآخرين ليقتنعوا بما نريد " الواردة في المقال .. ما محلها من الإعراب ؟!..
أوبعبارة أخرى: أين ما نُريدُهم أن يقتنعوا به مِن خلال فعلِهم هم ؟!..
ثم أخي الفاضل وأخواني الكرام .. هل يكفي أن تقتنع أنت بحقك واستحقاقك في وجه مُستلبه؟!.. فهل هو ينتظر منك ذلك.. (إلا على سياسة أبي عمار وجماعته).. أما في ميزان المنطق والتجربة فمتى كانت الحقوق تؤخذ أو تُسترد أو كان الآخر يُقيمُ لها وزنا واعتبارا إنْ لم يكن وراءها مُطالِب يُنافِحُ ويدافع عنها في قوةٍ وحزم!..
ثم إنَّ الضغط هذا لابد منه بل بوسائل متعددة وفي مجالات مختلفة سياسية واقتصادية فكرية وثقافية .. وتوظيف الحدث ليشمل أموراً كثيرة أخرى تحتاج لإعادة إلى نصابها إضافة لاستغلال الحَدَثِ دعويا في التعريف بشخص النبي صلى الله عليه وسلم في أوساط النصارى الذين لا يتحركون عن مكرٍ أو ضغينة بل عن جهل بالحقيقة أو الذين خرجوا منربقة سيطرة السطوة اليهودية الإعلامية اللعينة .. ولذلك ترتفع مبيعات الكتب التي تتحدث عن الإسلام وعن نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في أوربا وأمريكا، كما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر وبالتالي يزداد الوعي بالإسلام وبشخص رسوله صلى الله عليه وسلم لوجود حاجة لدى كثيرين للفهم والمعرفة.. فتكون نعمة من حيث أرادوها نقمة .. والله من ورائهم مُحيط ..
فهذه ثغرات كان يجب أنْ تُسدَّ وأن تُسدّد لها الكتابات والجهود .. لا أن نبحث في تهدئة الجو وترطيبه في محاولات قد تُقرأ على أنها استنعاج أو تخاذل .. وبخاصة أن الكرة في ملعبهم، فهم من أشعلوها فكيف تلحقنا جريرتها ؟!..
فهم سمّنوا كلباً ليأكلَ بعضَهم       ولو عملوا بالحزم ما سمّنوا كلباً!

أخوتي الكرام .. ما كان للمسلمين بأيِّ مبرر وتحت أيَّة حجة أن يتنازلوا أو يتساهلوا في حقّهم ليس في هذه الحادثة بعينها بل فيما قبلها وما بعدها .. وربما كانت هذه فقط قاصمة الظهر لما قبلها ليس إلا ولا ندري ما سيلحقها وأين سيكون موضعه من جسد الأمة المنهك .. وبخاصة إذ أخذنا في الاعتبار نظرية المؤامرة اليهودية التي تقف وراء هذا الحدث كما وقفت كثيرا وراء غيره من قبل، ولا نُجيز لأنفسنا إغفال خلفيات العداء الحاقد الصريح ضد الإسلام في فرنسا وألمانيا وغيرهما مثلاً فسجلها حافل لا يحتاج لمذكِّرْ .. ومِن سفاهة الأوربيين أنهم يجاملون اليهود حبا أو حذراً .. وهذا ما سيأتي على نهايتهم قبل اليهود إذ اتخذوهم قرباناً ..

على كل حال.. إذا جئنا إلى جانب القوانين التي ذكرتها أخي آدم.. لدي بعض التوضيحات والتجليات منها(2) :
1. أين تلك القوانين من مسألة المساس من قريب أوبعيد بخرافة المحرقة اليهودية (الهلوكست) بل لو رسمتَ صورة راهبٍ يهوديٍّ وحاولتَ فقط إطالة أنفه بعض السنتيمترات إلى الأمام فسوف تُجرُّ إلى القضاء وتحاكم بتهمة معادات السامية!.. وهل الساميون هم اليهود فقط !!.. هذا فضلا عن أن تتكلم فى المحرقة نفسها أو أن تشكك فى أرقامها أوعدد ضحاياها حتى، إذ هذه بقرة اليهود الحلوب التي تدر عليهم من ألبان أوربا المشفقة الولهانة !.. فكيف يسمحون لأنفسهم إذن بالاعتداء على معلِّمِ الناس الخير، ولا يسمحون لأحد أن يتناول حتي بالبحث العلمي قضية المحرقة ليعرف هل هي حقيقة أم وهم ؟!.. أوَليست نفس الصحيفة أقَالتْ (في صورة إجازة إجبارية!) نفس الصحفي الذي سعى لتخفيف الضغط عنه بإعلانه أنه سينشر صورا لمسابقة كاريكاتيرية للمحرقة اليهودية دعتْ إليها صحيفة إيرانية، لكنه رجع عن قوله هذا في نفس اليوم بعد سويعات فقط .. ورغم ذلك أُجبر المسكين مِن قِبَل رئيس التحرير وهيئته على إجازة غير معلومة الأجل قد تكون نهائية .. فأين هذا مِن ذاك إخواني الكرام .. لماذا هان الأمر إلى هذا الحدّ ؟.. ثم نطلب التهدئة ونُبرِّرُ بل ربما سنعتذر لاحقاً .. فهل تلك القوانين التي سنقر بها ولها بأنها قوانين تحترم شعور اليهود - أذلهم الله – ولا تسمح لنفسها أن تمنع الاستهزاء بشخص رسول الله !.. وبشخصيَّةٍ اعترف الأعداء قبل الأصدقاء بمكانتها وشرفها وفضلها، وأنها أعظم الشخصيات المائة التي أثرت في مسار التاريخ الإنساني قاطبةً؟!.. حتى الفاتيكان أخي الكريم قد رفض هذا واعتبره مساساً بالمقدّسات !..
2. أين هي حرية التعبير التى يتشدقون بها عندما يُجرمون بموجب قوانينهم العرجاء التعرض للملكة أوالتعريض بها أو الطعن فيها أو سبها أو الاستهزاء بها ...الخ القائمة، طبعا سيقولون لأنها رمز البلاد !.. فلماذا – والحال كذلك من توقير الرموز واحترامهم! – لماذا لا يحترمون رموز الآخرين، أم أنهم يلغون الآخرين من الحسابات؟!.. أوليس رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم رمز الإسلام والمسلمين ؟!.. وأين عجوزكم الشمطاء من قمته السامية وعظمته البشرية المتناهية .. ثم كيف بك أخي القارئ الكريم إذا علمتَ أن هذه الملكة المُوقّرة في أعينهم (وكما قيل: القرد في عين أمه غزال!) هي مَن ربّاهم على الضغينة ومن ملأهم بغضا وعدوانا للمسلمين ونبي الإسلام، حيث قد قامت تلك الملكة بتأليف كتاب تهجمت فيه على الإسلام ونعتت أهله بأوصاف لا تليق تغطرسا وحقداً، لا موضوعية فكر ولا أدب حوار !!..
3. هذه كانت مليكتهم .. أما رئيس وزرائهم فلم يدع قالة سوء لم يلصقها بالمسلمين، فرئيس وزراء الدانماركي هذا نعتَ المسلمين بأنهم " حُثالة " و" أوباش "، ولم يُخصص ولم يفصِّل طائفة أو مجموعة معينة بل كان الحديث عن المسلمين عموما .. فها هي الحُثالة يا دولة الرئيس تذيقك الأمرين .. ثم يكلل مساعيه اللاحميدة تلك بأن يتجرّأ على رفض مقابلة أحد عشر سفيرا مندوبين عن دول عربية ومسلمة حينما طلبوا مقابلته ليتحدثوا له فى القضية وليفضوا النزاع بالطرق السلمية، لكنه أبى واستكبر فما عسانا أن نقول والحالة كذلك إلا " يداكَ أوكتا وفوك نفخ " دولة الرئيس .. وهذه ثمار الغرور والصلف والكبر ..
4. ثم كيف الأمر وما موقف القوانين تلك في حال كان الاستهزاء بشخص عيسى عليه السلام .. وهذا ليس من باب الإعلاميات أوالتوقعات والقراءات الخاصة مني أو من غيري بل من دنيا الحقائق الناصعة الواقعة التي لا تحتاج منا إلا لقراءة وتأمل ليس أكثر .. فخذ مثلاً ما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، والصادرة يوم الإثنين 06/02/06 حيث قالت: أن صحيفة "جيلاندز بوستن" الدانماركية - صاحبة أوّل مُبادرةٍ بنشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم - قد رَفَضَتْ قبل ثلاثِ سنوات – إبريل 2003 تحديداً - نشرَ رسومٍ كاريكاتورية ساخرة للسيد المسيح عليه الصلاة والسلام، مُبرِّرَةً رفضَها آنذاكَ بأنَّ تلك الرسوم يمكن أن تُغضب القرّاء!!.." نعم .. فأولئك لهم ذوق وشعور يُحترم أما حفنة المليار ونصف التي تُسمى مسلمين فلا عباء بها ولا وزن ولا قيمة .. خذوا إذن يا من تراعون المشاعر وتقدرون المصالح وتحسبون للأمور ألف حساب .. ولكن ليس مع المسلمين!!.. فأين – بالله عليكم - سنرمي بهذه الكرة هذه المرة وفي أيِّ ملعب يا تُرى ؟..

أعتذر من القارئ الكريم لألفت الأنظارَ هنا لزاوية أخرى للحدث .. حيث نرى بعداً دعوياً آخر يلوح في الأفق كان جديرا بالأخ آدم ومثله أن يستغله أحسن استغلال، ذلك البعد الدعوي للحدث كان من شأنه أن يُبرز سماحة الإسلام دون تضحيات مجانية ودون تنازلات سياسية رخيصة كما فعل الليبراليون ومَن شايعهم، كما أنَّ هذا البعد يُعطينا مساحةً أكبر بكثير للمناورة واستغلال الحَدَث لترويج الإسلام والدعوة إليه بالحكمة مع من يستحقها، فهو ليس دينَ النبيِّ محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وحسب، بل يُلزم أتباعه بالإيمان واحترام جميع الأنبياء والرسل ولا يُقبل الاستهزاء بواحدٍ منهم متى ثبتت نبوته في شرعنا .. ليس هذا مزايدة ولا مجرد ادّعاءٍ للإنسانيةِ أوالتضامن الديانتين اليهودية والنصرانية – وإنْ كان قد يُصنَّف سياسياً هكذا في ظروف مختلفة – بل هو واجبٌ عَقَدي لا خيار لنا فيه " لا نفرق بين أحد من رسله .." ..

خامساًً : ورد في مقالك ربطٌ عجيب أخي الفاضل بين أمور لا رابط بينها أساساً ولم نفهم وجه العلاقة فيها .. حيث ربطت بين مسالة تكسير الأصنام وتأليف النبي صلى الله عليه وسلم للقلوب بتركه هذا وبين ترك المسلمين اليوم للإنكار على حادثة الاستهزاء بشخصه عليه الصلاة والسلام .. ذاك كان أسلوب الحكيم في الدعوة والتدرج في إنكار المنكر.. أما ما نحن فيه فهو أمر مختلف لسنا الآن في مقام الدعوة بقدر ما نحن – في الدرجة الأولى - في مقام الدفاع عن شخص نبينا الذي يرتبط به الدين كله من أساسه .. وهل أساس قبول الإسلام إلا التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وبأنه معصوم في تبليغه ورسالته .. وبالتالي فإنَّ أيَّ مِساس بشخصه من قريب أو بعيد هو مباشرةً مساسٌ بأساس الدين وأصله وفصله، فاسمح لي أخي الكريم أن أقول هنا: لا علاقة بين الدليل الذي أقمته والمدلول الذي ادعيته، أو لا وجه شبه بين المثال الذي ضربته والمقام الذي نحن فيه ..
ثم من الغريب حقاً ربطُكَ بين هذا الحَدَثِ وردود الفعل الغاضبة المبررة تماماً (مع التسليم بأن فيها نوع تجاوز أحياناً) وبين الموقف المفترض على المسلمين وقوفه تجاه الدين الإسلامي !.. فقد رجعتَ إلى مشكلة أخرى بعيدة العلاقة بصلب الموضوع وأساسه .. فهل كان فهمنا للإسلام – بعد أن وقع ما وقع – سيوقفهم عند حدودٍ؟!!..
أخي الكريم لقد ربطتَ بين المتباعدات وتركت المتقاربات المتلازمات .. فمثلا في بداية مقالك تحدثتَ عن حب النبي صلى الله عليه وسلم وهذا براعة استهلال ولفتة جيدة منك .. ولكنكَ لم تُكْمِلْها بأنْ تربط – مثلاً - بين وجوب الدفاع عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم والوقوف في وجه الحملات (المنظمة وغير المنظمة) التي تنال منه عليه الصلاة والسلام وبين المحبة الصادقة ولوازمها واستحقاقاتها الشرعية .. أوَليس كان هذا أولى وأليق بالمقام والحال .. انظر عزيزي مثلا .. أليس الرجل السفيه إذا أحب امرأةً وتعلّق قلبُه بها كان على أتم الاستعداد أن يُقدم الغالي والنفيس في سبيل خَطْبِ ودِّها ونيل رضاها ؟!.. بل لا يرضى ولا تهدأ نفسُه أنْ يَمسَّها أحدٌ أو يجرح شعورها أو يحاول المساس بسمعتها أو نحو ذلك؟؟.. وشتان بين الحُبين .. ذاك حبٌّ ديني رفيع وهذا حبٌّ دنيويٌّ شهواني مادي مجرّد .. ألا نحتاج لوقفة وتدكين على مثل هذه المعاني؟!..
ثم أخي آدم عندما تقول : "إن وضوح الغاية والرسالة التي بعثنا الله من أجلها لدي المسلمين لأهم من هذا التصرف الأرعن.." بدايةً أحتاج أن تسعفني بتوضيحَك لوجه العلاقة بين هذا وبين ما نحن بصدده (الاستهزاء بشخص رسول الأمة عليه الصلاة والسلام) ؟.. ثم اسمح لي أخي الكريم في عدم موافقتك إطلاقاً على وصفك لردود الفعل جملة وتفصيلاً وكلها دون أي تفريق مُسبق ولا بيان كافٍ بأنها " تصرف أرعن " فهذا إجمال يؤدي إلى إخلال بالفهم بل قد يقود إلى سوء ظن البعض المتربِّص بك أخي الفاضل .. فلو سبق بيان لذلك التصرف الأرعن وتحديد المقصود به وأنه الرد المُبالغ فيه أوالذي طال أشخاصا وهيئات ومؤسسات لا علاقة لها بالموضوع أو بالعكس من الهيئات الإغاثية والإنسانية كما حدث في غزة مثلا أو نحوها أو كل ما كان بوجه غير شرعي وفيه انتهاك للحقوق والممتلكات المحترمة مثلاً .. لو كان الأمر بهذا الوضوح فلا بأس بالتنصيص على ذمِّه بعد التخصيص والتفصيل أما التعميم على هذا النحو فهو بلا شك مُنافٍ تماما للموضوعية ولا يُسلَّم .. وإلا فإنَّ فتوى علماء الأمة وبيانات هيئات العلماء والحركات الإسلامية حول الموضوع نفسها ستدخل في هذه الرعونة .. ولذلك كانت النظرة التفصيلية الاستفصالية هي دائما هي الأقرب إلى الموضوعية وبالتالي للقبول والإقناع ..

سادساً : الدفاع غير المبرر عن الصحف الأوربية والذي يقابله كما سبق هجوم على ردود الفعل الإسلامية للحادث!.. فعندما أضع هذا في كفّة وكلامك السابق في كفّة أجد هناك تبايناً كبيرا أخي الحبيب .. ففي الوقت الذي رأيناك تستنكر وبشدة ردود الفعل الإسلامية إجمالاً وتصفها بالرعونة.. رأيناك في الوقت ذاته تُبرر الفعل ذاته بأنه غير مرفوض قانوناً!.. ثم الآن كأنّك تُبرر - ولو من وجهة نظرهم لا أنت بالتأكيد - إعادة نشره بحجة السبق الصحفي!!.. بل أبعد من ذلك حيث تقول: " فليس لهم أي مغزى من وراء إعادة النشر فلا حقد صليبي ولا صراع حضارات كما يتصور بعض المسلمين" هذه أخي الكريم دعوى عريضة تحتاج منك إلى أدلة كبيرة وإلى وقفة راشدة .. فإذا نحن سلمنا بأن الاستهزاء بشخص أيِّ نبيٍّ من الأنبياء هو مساس بمقدَّس فلا يمكن ن يكون مُبرَّراً على أي حال وفي أية ظروف .. إذ كيف تسمح هذه الصحف لنفسها أن تفعل هذا لأجل سبق صحفي، وأيُّ مصلحة - في كل ميزان وضمن أي اعتبار أو إطار كان - أكبر من شعور الملايين التي خرجت متظاهرة على الصحيفة الدنماركية ..؟؟ فهل هذا نظر عقلاني أو هل هذا فعلا سبق صحفي يمكن الإقرار والتسليم به؟!.. بل هي جرآة صحفية أسفرت عن حقائق صليبية شئنا أم أبينا هي موجودة .. والتاريخ القريب والبعيد يؤكدها أخي العزيز هناك شواهد كثيرة .. ولهذا لابد – للوصول إلى الموضوعية – من جمع أجزاء الصورة وتركيبها قبل الحكم .. وإلا فإنك ستحكم على جزء من الصورة ولم تستجمع أبعادها وتدرك حجمها الحقيقي فيكون حكمك منقوضا عندما يُركِّبْ لك الآخر ذلك الجزء .. فهناك خلفيات للإعلام الأوربي معلومة وسوابق تدل على تعمد الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم وللإسلام إجمالاً .. وأخيرا عبارة " فلا حقد صليبي ولا صراع حضارات كما يتصور بعض المسلمين " هذه تحتاج إلى وقفة أخرى أُرجئُها لضيق الوقت .. ولعلي أعود إليها لاحقاً أو يكفينيها غيري .. لنستكمل بذلك حلقات النقاش ونجمع أجزاء الصورة .. وأنا على استعداد تام لقبول أي اعتراض منك أو نقاش أو ملاحظة بكل رحابة صدر .. بل هذا ما أرجوه وأعتذر إن بدر مني ما قد يجرح شعورك أو يُشعِرُك بخيبة الأمل فلا أسمح لنفسي تعمدَ ذلك ولا أحبه لا لك ولا لغيرك من الغيورين المعتزين بدينهم وبنبيهم ..

إضافة لما سبق .. فإني أحذّر وبشدة من الانجرار وراء الشعارات الإعلامية والحملات الماكرة التي يستغلها اليوم الليبراليون والقوميون القدامى واللادينيون للإساءة إلى الإسلام من خلال ردود الفعل التي حدثت .. ورغم عدم تسليمنا – كما سبق - بكثير مما حدث من تلك التصرفات غير الشرعية والتي لا تستند لفتاوى ولا اجتهادات شرعية مؤصّلة ومدروسة .. إنهم أيها الأخوة يسعون لغَمْرِ جبال شناعةِ ما صنعوا في غديرِ ردِّ فعل بعض عوام المسلمين الصادرة لا عن اجتهاد شرعي مؤصّل ولا عن موقف سياسي مدروس .. وبالتالي نراهم يتكلفون في تقبيح صورةِ ردود الفعل تلك بكل وسيلة وطريق ليتسنى لهم رَدْمَ ذلك الجرم الشنيع وعلى حد التعبير الدارج " امغير ردها في اجواها "، ثم يريودن منا أن نرضى على نمط سياسة "هذه بتلك" !!..
هيهات هيهات العقيق .. أن تصلوا لهكذا مكاسب على حساب دين الله وفي المسلمين عين تَطْرُف .. بل ربما ولا أستبعد – في ظل استمرار هذه الموجة وازدياد زخمها الإعلامي – سيأتي وقت قريب سنُطَالَب فيه نحن المسلمون بالاعتذار من حكومة الدنمارك وشعبها وصحيفتها المغمورة ومن الاتحاد الأوربي الذي لم يُخفِ تعاطفه وتضامنه وتأييده التام العجيب المُريب ..!!

أتصور إخواني الكرام أنه لابد لنا هنا من موقف حازم .. موقف يزيد من شعلة الغضب الإسلامي ثم يقود ذتلك الشعلة ويرشدّها في الاتجاه الصحيح وبعد ذلك سنرى الثمار اليانعة والصحوة الراشدة للمارد الذي طالما نام واستُغفل .. فنحقق بذلك عدّة مصالح، إبراز الجانب الشرعي مؤصّلاً مع توجيه سياسي مدروس ومحبوك، يكسبان الصف الإسلامي المزيد من تقارب الشارع وتعاطفه، يحفظ دين المة وعقيدتها في نبوة خاتم الأنبياء ومنزلته، ويحقق المزيد من المكاسب الدعوية على الساحات الأوربية والأمريكية وغيرها، وبخاصة بعد التضامن الذي أبداه العديد من أتباع الطوائف والأديان الأخرى وبخاصة في البلاد الآسيوية الذين يشاطرون المسلمين مساوئ الكيل بمكيالين وازدواج المعايير التي طفح كيل الجميع من جرائها .. إننا بهذا أيضا نقلب السحر على الساحر وبهذا لا تبقى لنا حاجة أن نحرص على تبريرات أو نسعى لكسب تعاطف من لا يُجدي تعاطفه ولا تَضرُّ عداوته وقد "وقعت الفاس في الراس" كما يُقال ..
لا أعتقد أبداً أن من الحكمة ولوج دوامة التبريرات والتهدئة غير المُبرّرة وغير المُثمرة .. بل الواجب الماثل أمامنا ينتظر تحرك هو : كيف التعامل مع الحدث ومواجهته بما يُحقق أكبر قدر من المكاسب للإسلام والمسلمين وبالطبع ليس هذا بالعنف المبالغ فيه والغضب الخارج عن العقلانية .. وفي نفس الوقت بدفع أكبر قدر من المفاسد .. وليس أحد النظرين بأولى من الآخر بل لابد من وضعهما في الميزان والنظر فيهما معاً لتكتمل الصورة فلا يسوغ لنا إهدار مصلحة راجحة وضرورية مقابل جلب مصلحة مرجوحة أو آنية أو قد تؤول إلي مفسدة أكبر بكثير .. وقد قيل قديما : " إنما الحزم حفظ ما وَليتَ وتَرْكُ ما كُفيتَ ".. فلا ندخل أنفسنا فيما لا حاجة لنا فيه بل سيفتح علينا أبواب نقمة وغضب ونقد لا يُعلم مداه ..

أما أحبولة " صراع الحضارات " فهم نسجوها وهم يسعون لترسيخها وما تبناها مَن تبناها مِن المسلمين إلا تحت ضغط سياطهم .. فهي منهم وإليهم أولاً وآخراً .. فهم من روجّّ لهذه الفرية أساسا لتكثيف حواجز الإعلام الباهتة التي أرادت تشويه الإسلام في عيون الغرب فيعرضوا عنه ليستفرد صهاينة اليهود بالأوربيين السُّذّج ويضمنوا ولاءهم .. وليس في الإسلام ولا في أفكار مفكريه وأقوال علمائه هذه الفرية المستوردة ولكنها فقط فرقعة لإخفاء جرائمهم وقبح فعالهم .. فمَن يا ترى الذي يذكي لهيب تلك الدعوات إلا من ينشر ويعيد ينشر مثل تلك الصور التافهة، وحينئذ لا يسوغ لنا ان نكيل الاتهام لبعض المسلمين الذين أخذتهم الغيرة وغلب عليهم الحماس حين يطلقون عبارات تدل على نحو ذلك إذ هناك من مهّد لهم الطريق .. والحديث في هذا قد يطول وقد ناقشه المفكرون المسلمون المعاصرون وأفاضوا فيه واجادوا .. على كل حال .. هذه كرة أخرى نرميها في ملعبهم .. ومازادنا تعاقب الأيام والليالي إلا جزماً بسوء مقصدهم وخبث نواياهم ..

أخيرا لا يفوتني الإشارة إلى مقال الأستاذ برهان غليون "الانجرار وراء الحرب الحضارية ليس مصلحة إسلامية" على صفحة الجزيرة نت يوم الثلاثاء بتاريخ 7 فبراير 2006م.. وقد أجاد وأفاد في بيان النجاحين الماكرين للخطة الغربية في هذا السياق :
1. إقناع الرأي العام العالمي بصدق الصورة التي رسموها أو أرادوا رسمها للعالم العربي والإسلامي بوصفه عالما لا يعرف المدنية ويعيش على منطق القوة والعنف.
2. جرُّ العالم العربي والإسلامي بالفعل إلى الحرب الحضارية والثقافية التي أراد لها أن تكون بديلا عن الحرب الباردة ومنبع مشروعية لسياسات السيطرة والعدوان الغربية.

هذا البيان ينسجم تماماً مع ما أسلفنا ذكره حيث أشار الكاتب إلى الخطر وركز على الأثر العلمي ونجاحه إلى حدٍ كبير، إلا أن ما كنتُ بصدده هو البحث عن كيفية تفويت الفرصة على تلك الحملات المغرضة دون إهدار لفرصة التهاب مشاعر المسلمين وصحوتهم التي نرجو ألا تكون مؤقتة وعابرة إذا استطاع أصحاب الرأي والفكر والأقلام أن يستثمروها، وهل أقلامهم وإعلامهم أولى من إعلامنا وأقلامنا ؟!.. هذا هو الاختبار الحقيقي أمام الغيورين الجادين في انتمائهم لدينهم لنبيهم عليه أفضل الصلاة والسلام .. فوجب أن تنطلق حملات التوعية وتعقد الندوات والمحاضرات ويتحرك المسلمون في الغرب والشرق ويهبوا لفضح المؤامرة ولديهم المستندات القانونية والمبررات السياسية والمؤيدات الإعلامية .. والله الموفق ..

أما حبنا لرسول الله عليه الصلاة والسلام فهو أعلى وأجل، وأنقى وأصفى من كل محاولة للتشويه أو النيل منه عليه أفضل الصلوات وأتمها وأزكاها .. وماذا سأقول في هذا الحب الذي عبّر عنه الصادق الأمين بلسانٍ عربيٍّ مبين حين قال في حديث الصحيحين: " لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " .. هذه ربما يعزب علمها على كثير من المتحاملين، فلا بأس بمزيد بيان .. يقول الإمام النووي رحمه الله في التعليق على الحديث : لم يرد به حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار، لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه ... وقيل: المحبة ثلاثة أقسام محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس .. فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته .. ثم أجمل قائلاً : ومعنى الحديث : أنَّ من استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، لأن به صلى الله عليه وسلم اُستنقذنا من النار، وهُدينا من الضلال ... ومن محبته صلى الله عليه وسلم :
- نصرة سنته ..
- والذب عن شريعته ..
- وتمني حضور حياته ..
- فيبذل ماله ونفسه دونه ..
وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد، وولد، ومحسن، ومفضل. ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن(3).

أخيراً .. هذه رائعة من روائع البيان أردت إشراك القراء في الاستمتاع بمعانيها الفائقة وعبارتها الرائقة .. وجزى الله خيرا من سطرت يداه أمثالها ..

يا راحلين الى النبى محمد   =   قبل أديم الأرض عند السيد
حي الرياض على جوانب يثرب   =   حي الملائك في رحاب المسجد
واحمل اليه من الذليل تحية   =   وأشكو الحياة لدى مراقد أحمـد
فأنا يا مولاى لولا فاقتي لأتيت   =   زحفا في يدى المقود
صلى عليك الله يا من عُرفه   =   طيب الجنان وعطرها المتورد
صلى عليك الله يامن صمته   =   فاق الكلام من اللبيب الأ رشد
يا من بعثت من الجليل تكرما   =   أنت الجلال على جمال أوحد
صلى عليك الله يا من وجهه   =   بدر مضئ في سماء السـؤدد
يا صاحب الحوض العريض وماؤه   =   يسقى العطاش برحمة من أحمد
فهو الشفيع من الأله مشفع   =   حاز الكرامة في مغيب ومشهد
يا شمس طه بالصياء تلألئ   =   بالنور جودى من سماء الفرقد
صلى عليك الله يا من نوره   =   ضاء الوجود من الظلام الأسود
يا أرض طه للحيارى ملجأ   =   فحصاك مسك في رمال عسجد
رسل ببابك كالعصائب خشعا   =   لله ضرعن لرؤية نور محمد
صلى عليك الله يا من أمره   =   شـق البدور كاية للملحد
مذ أنت خلقت وفي السماء محكم   =   وعلى الديم بأمر منك مؤيد
تأمر تطيعك في السماء ملائك   =   و كذا جبريل عند باب المسجد
صلى عليك الله يا من ذكره   =   فرض على بأ قرار تشهدي
مالى أنا غيرك يا رسول وسيلة   =   قطع الرجاء فكل باب موصد
يا سائلا من فيض نور المصطفى   =   سألت أكرم من يجود لمجتدي
الكرب عندك لن يطول بقاؤه   =   عظم البلاء وليس غيرك منجدي
فامنن بربك للفقير تعطفا   =   فالجود معطى في حياض الأجـود
مازال قلبي مذ حظيت بقربه   =   بالشوق يقفز كالطيور الغرد
يا دمع مالك قد جففت بمقلتي   =   يا عين جودي بالدموع فتسعدي
صلى عليك الله يا أكمل خلقه   =   و كرام الك في بقيع الغرقد
صلى عليك الله يا من أسمه   =   رمز الحقيقة والطريق المرشد
قد تاق روحي للحبيب وطيفه   =   وذاب الفؤاد من الحنين لسيدي
أنا قد أتيتك بالمديح توسلا   =   على المديح يصيب سمع محمد
قسما بالله بمن برام مكمل   =   روحي فداك رفدت أو لم ترفد
شعر : عبد الله الجيار

أسأل العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا رشدنا ويقينا مواطن الزلل ويحفظنا بحفظه في هذا الخضم الهائل وهذا التنافس المحموم وهذه الفتن كقطع الليل المظلم ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
________________________________________________

(1) انظر كلام الأستاذ سيف عبد الفتاح في حواره مع عمرو عبد الكريم على صفحات موقع إسلام أونلاين على هذا الرابط :
http://www.islamonline.net/arabic/arts/2006/02/article11.shtml
(2) اقتبست بعض هذه التوضيحات من مقال للأخ الفاضل فتحي نصر حول الموضوع فجزاه الله خيراً..
(3) انظر شرح الإمام النووي على صحيح مسلم (1/291).


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home