Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi Khalifa Agoub (Ahmad Abdallah)

Wednesday, 14 December, 2005

     

بين "منطق السفينة" و"منهج الخرق"
(3 من 4)

على هامش "المشروع الوطني والحوار أولاً"

د. فتحي خليفة محمد عـقوب

إنَّ "منهج الخرق" المُشار إليه في الحلقة السابقة والذي اتُخِذَ حلاًّ لمشكلةٍ مُتوهَّمَة لم تنل حظَّها الكافي مِن البحث والتحري والنظر والدراسة، إنَّ هذا النهج في التفكير سواء كان استسهالا أو كسلاً، انفصالاً أو اعتزالاً، فإنه يبقى من صنف الحلول التي لا مجال لها ولا اعتبار، لماذا؟ لسبب بسيط شرحه من خلال حديث الاستهام المبارك وفي ظلاله الشريفة :

أولاً: الحال أن السفينة واحدة تجمع الجميع شاء مَن شاء أو أبى (مَن في أعلاها وأدناها). ثانياً: إنَّ قوانين البحر وطبيعته المعهودة تسري على الجميع دون استثناءِ أحدٍ ولا تعرف المحاباة.

إذن .. فالأمر جَلَل لم يَلحظ فيه أولئك المتوهّمون ـ أصحاب "منهج الخرق" ـ أن الخرق هو بداية النهاية، نهاية الجميع في السفينة (سفينة المجتمع والوطن) مَن في الأعلى ومَن في الأدنى سواء، رَغْم أن معرفة تلك الأمور والسنن والقواعد هي في الحقيقة مِن أبجديات الركوب، فما كان ولن يكون مِن حق أحدِ الركاب ألا يفهم هذا ويعيه تمام الوعي، وإلا كان ركوبه وبقاؤه بعد ذلك ظلماً للجميع، لأنه سيكون دائماً مصدر توهّم، ومصدر انتهاك للحقوق، في ظلِّ حالة عدم الوعي التي يعاني منها، أو حالة عدم الممارسة الصحيحة للحقوق (التعسف) التي مبناها على التوهّم، أو في ظل الاستخفاف واللامبالاة الناتجة عن عدم إدراك تلك الأبجديات.

وإنَّ مِن تمام وكمال المثل النبوي الشريف أن جعل التمثيل بركوب البحر؛ إذْ لا يخفى ما يتضمنه ركوب البحر من معاني الاضطراب الذي قد يعصفُ بالسفينة، والذي قد تشتد فيه الرياح وتتلاطم الأمواج من كل صوب، وقد تختلط فيه الأمور وتصعب فيه الرؤية بحيث قد يصعب حتى على الربان الماهر القائد اتخاذ القرار الصحيح والمناسب من تغييرٍ للاتجاه أو اختيارٍ لأفضل أساليب السلامة في قيادة الدفّة، وإنَّ هذا العالَم المضطرب الذي نعيش فيه اليوم وتلك التناقضات والتقلبات التي تملأ حياة الناس ونراها بصورة شبه يوميّة، لا شكَّ أنها تزيد مِن احتمالية التوّهم وترفع من أخطار انتشار المنهج الخرقي وبخاصة مادام الإصرار على معايير السهولة واليسر أو القُرْب والرَّاحة عند اتخاذ القرارت ووضع الحلول.

إنه مادام قد سمح البعض لأنفسهم ولعقولهم أن تتخذ من الخرق حلاً للخروج من حالة الأزمة فإن ذلك لا يعني إلا المزيد من الخَرْقِ واستمرار ذلك المنهج على نحو أوسع، خرقٌ لقواعد التعامل والتعايش المجتمعي بل والحياة الإنسانية برمَّتها، وهو في الوقت ذاته يقود إلى سلسلة خروق قد لا تقف عند حدّ ولا يُتصوّرُ مداها، فهناك خَرْقٌ لأصول التفكير وقواعده بدايةً، وخرق آخر لنظام العلاقات والتعامل، وخرق ثالث للنهج الصحيح الرشيد في التعامل مع التحديات ومواجهة الاضطرابات والتيارات المتعدِّدة الاتجاه، وهذه الخروق وغيرها ضمن نفس السلسلة المشار إليها آنفاً تعني في مجموعها الوصول إلى حالة "الغَرَق"، غرق سفينة المجتمع وضياع الكيان برمته، أو الدخول في حالة مِن التخبط والتيه والضلال على أقل تقدير، وباختصار: "الهلاك" سواء كان حقيقياً أم حكمياً.

إن عدم الاعتراف العملي بقوانين التعايش والاحترام والتبادل للرأي والحوار والتنوع والتسامح في التعامل مع الفئات والأفكار والاتجاهات الأخرى، أو ممارسة حوارات الاستبعاد والتنافي كل ذلك لا يعني سوى "الخَرْق" = "الغَرَق" = "الهلاك".

أمَّا السفينة.. فلها منطقها الخاص، ولها قواعد ركوبٍ تُستَلهَم، كما أن الحركة على السفينة لها ضوابطها، وتحصيل المصالح له هو الآخر له حدوده وأحكامه، وتجاوز أيٍّ من ذلك كله ليس له معنى إلا الفساد والإفساد المُفضيان إلى الهلاك والإهلاك، والسفينة (الوطن) ليس على البر وفي الأمن والأمان بل هي في بحر لجيٍّ، وللبحر قوانينه التي لا تُحابي، ومفاجآته التي لا تنتهي، وعدم وعي القوانين وعدم المبالاة بالمفاجآت أو عدم توقعها لا يعني سوى التمهيد لحالة الغرق أو التأكيد عليها لا محالة.

هكذا تُعلمنا السنة من خلال حديث الاستهام، وهكذا ينبغي أن نستلهم من كلام معلم البشرية الأول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، نتعلم من سنته عن السنن، فربُّ السنتين واحدٌ، وضع سنن الكون وقوانينه وأهدانا سنن الوحي وتعاليمه، ومن هديهما نقتبس، وعلى نورهما نسير سيرا رويداً، لكنه صحيح، ونعالج معالجات صعبة، لكنها واثقة، لا تصادم سنن الكون ولكنها توجِّهُها وتستثمرها، ورحم الله القائل : "لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحوِّلوا تيّارها، واستعينوا ببعضها على بعضٍ وترقبوا ساعة النصر.."(*) بل إنَّ تاريخ الأنبياء والمصلحين من أتباعهم قبل ذلك يُشير إلى أن طريقهم دائماًوغالباً كان هو الأصعب والأطول والأشق في أنظار الآخرين، ولكنه ـ في ذات الوقت ـ كان دائما يُحقق الثمار الأنضج والأعظم نفعاً للبشرية، لتستحق جهودهم تلك أن تُوصَف حقّاً بالعظمة، وهي غنيةٌ عن ذلك الوصف لأنها تستضيء بإرشادات ربِّ العالمين من خلال الوحي، ومؤيدة بما يراه الإنسان ويتعلمه من كتاب الكون المفتوح لمَن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد.

*   *   *

إنَّ وضوح فشل منهج الخرق، والتأكيد على أهمية وسلامة منطق السفينة والتعامل مع قواعد البحر وقوانينه ومفاجآته كل ذلك يؤكِّدُ أن مناط النجاح في العملية الحوارية يكمن في تفعيل والتفاعل مع تلك السنن الكونية واخذها بعين الاعتبار أساسا لتلك العملية الخطيرة، بشرط أن يكون ذلك التفعيل والتفاعل بوعيٍ وبحقٍّ، ذلك هو مناط التفعيل في عالم البشر، وأقل سوء لتقدير لمنطق "توهُّم الحل" الذي يُثمر ثمارا مرةً كـ"منهج الخرق"، وبالتالي يؤدي إلى نهاية "الغرق" إن سوء التقدير لكل ذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة وإلى هلاك لا يمكن استدراكه بحال، فما هو الحل إذن للخروج من هذه الدوامة، دوامة "توهم الحل" وما تؤدي إليه ؟

لذلك وجب الخروج عن تصورات الانفصال أو الإقصاء، والاعتزال أو العزل، لدى مَن هم بالأعلى أو من هم بالأدنى، فالجميع كما هم شركاء في دائرة السؤال والمسؤولية ابتداءً، كذلك هم معاً في دائرة الهلاك انتهاءً، هذا إنْ سكتوا ورضوا بهكذا مناهج في التعامل مع القضايا المصيرية الحسّاسة، أوْ لم يُولوها حقَّها مِن الاهتمام، أو لم يراعوها حق رعايتها.

بعد كلِّ ذلك لابدَّ أن نشير إلى أن معرفة ذلك النهج الخرقي والظهور على تلك المعايب والمثالب لمناهج التوهّم والتغطية، أو ممارسة سياسات التستر والتورية كل ذلك لن يأتِ بثمرةٍ ولا خيرَ فيه لقضية الوطن (السفينة) ومشروعه (النجاة للجميع) وبالتالي فإنَّ محاولةً من ذلك النوع تُعتبر تفجيرا للوضع على متن السفينة، إذ هو إجهاض للحوار الذي يُمهّد طريقَ المشروع ويضعُ أُسسَه ويصوغُ الاتجاهات العامة له ليُوفِّر بالتالي فرصةَ العمل للجميع، في تكافلٍ وتكامل، أما تناسي الأدوار أو الغفلة عن طبيعة الأعمال الوطنية الحسّاسة، أو محاولة احتكارها تحت أي نوع من الذرائع المادية أو الثقافية أو الفكرية أوالنظرات الدونية أو العلوية للآخرين أو منطق التخوين والاتهام بالالتفاف وغيره مما قد يطول وصفه ولا يجدي حصره كلُّه يُعتبَر خيانةً للوطن وأهله، ويُرتِّبُ على مَن تولى كِبرَه آثاماً لا حدَّ لها إنْ هم لم يستدركوا للخروج من هذه الدوّامات واجتناب تلك التفجيرات الفكرية والثقافية التي تُشتِّتُ لا تجمع، وتهدم لا تبني، ولذا كان السّكوتُ عن منهج الخرق والقائمين عليه ـ إن وجدوا ـ لا يعني إلا الرضا بأوهام الحلول وبالتالي يعني النهايات السوداء والتخلف والتيه في أنفاق الوهم وسراديبه التي لا نهاية لها.

ومِن هنا وَجَبَ على العُقلاء من أبناء الوطن وأهله من ركاب السفينة المباركة أن يجلسوا مع أنفسهم جلسات مصارحة، يختارون طريق الحوار والتصالح فيما بينهم طريقا للنجاة وسلامة السفينة وبالتالي سلامتهم جميعاً.

ولهذا فإن عدم مراعاة أساليب الحوار وآدابه وعدم مراعاة قواعده وأصوله لا تعني إلا تبني منهج التفجير وتأييده، إذ إن أولئك المفجِّرينَ لا يعرفون للحوار آداباً، ولا للتعددية والتنوع قيمةً، ولذا فهم لا يعرفون إلا التفلت ومتابعة الأهواء والأوهام، وإنهم بذلك يحولون الدواء إلى داء، بل ويوفرون بيئة استفحال ذلك الداء، من خلال ممارسة عدم الصدق، والبعد عن منطق الحوار الهادف البناء، والانجرار وراء الأوهام والتأويلات التي غالبا ما تُثيرها وتحركها ردود الأفعال البعيدة عن العقلانية والموضوعية، وكل ذلك يُعزِّزُ مِن فُرَصِ انتشار المرض واستفحاله.

إننا ما لم نحدِّد قواعد الحوار وآدابه ونلتزم بها فستتحول حلولنا إلى أمراض وأدويتنا إلى أدواء. وليست مراعاة سنن الكون ومغالبتها واعتبار قواعد النجاة والهلاك المُشار إليها والتي يجيد الحديث عنها وتأصيلها وتفصيلها أكثرُنا!.. ليست هذه كلها مِن معالم مدينة الفلاسفة الفاضلة لكنها مجموعة قواعد ومنهج رباني يجب أن نتعلمه ونتعوّد السير عليه للوصل إلى النتائج الحقيقية والحلول الصحيحة، أما أولئك الشاردون الذين يفكرون في ركوب السفينة كأداة لإنقاذ أنفسهم مُتوهّمين أن حالة الاضطراب حين تعصف بالسفينة لن تطولهم، وإن طالتهم فإنهم ـ كما يتوهمون ـ سيأوون إلى جبلٍ يعصمُهم من الماء، وهم بهذا قد حكموا على أنفسهم بالغرق فعلاً حينما سمحوا لها ألا تعتبر قواعد الركوب وآدابه، وألا تبالي بحقوق الشركاء مِن الركاب، وألا تراعي حقوق الارتفاق، وبالتالي لم يساهموا في حفظ حركة السفينة ولا في تفعيل دورهم ووجودهم على متنها، وبالتالي كانوا سببا لهلاكها مع توهم أنهم على سبب نجاةٍ!!..

ومازال للحديث بقية..

والسلام عليكم

د. فتحي خليفة محمد عـقوب
_________________________________________

(*) مجموع الرسائل، رسالة المؤتمر الخامس، حسن البنا يرحمه الله.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home