Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi Khalifa Agoub (Ahmad Abdallah)

Monday, 5 December, 2005

     

بين "منطق السفينة" و"منهج الخرق"
(2 من 4)

على هامش "المشروع الوطني والحوار أولاً"

د. فتحي خليفة محمد عـقوب

" فكان لهذا الحديث ـ حديث الاستهام ـ في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر ويسمُّون انفسهم بالمجددين وينتحلون ضروباً من الأوصاف.. ولا يزال أحدهم ينقر موضعَه نم سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه أي بقلمه.. موجها لحماقته وجوها من المعاذير والحجج من المدنية والفلسفةجاهلاً أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يُحكم على الأعمال الأخرى، بل قبل وقوعه؛ والعقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يُعاقب اللص والقاتل وغيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجُّهِ النيَّةِ إليه؛ فلا حريّة هنا في عمل يُفسد خشَبَ السفينةِ أو يمسّه من قرب أو بعد ما دامت ملجِّجةً ف بحرها، سائرةً إلى غايتها؛ إذ كلمة (الخرْق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، وهناكَ لفظةُ (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد وهو (أوسع قبر)!!.. "

وحي القلم 3/7-8
الأستاذ / مصطفى صادق الرافعي يرحمه الله (1881-1937م)

* * *

من خلال ما سبق في الحلقة الأولى من المقال وبعد أن اتضحتْ لنا أطرافَ التمثيل النبوي الشريف في حديث الاستهام، وعلاقتها بموضوعنا "المشروع الوطني والحوار أولاً"، يتبادر سؤالٌ : ما محل المضمون التحذيري الشديد الوارد في الحديث والذي جاء في التعبير النبوي "هلكوا جميعا "أو في بعض الروايات" هلكوا وهلكوا جميعاً"؟

إنّ فئات المجتمع المختلفة الأعمال والوظائف – أعلى السفينة وأدناها – أثناء قيامها بإنجاز وتلبية احتياجاتها الضرورية والأساسية التي قد يتوقف عليها وجودها بل أساسه قد يظهر لها أو يخطر على بالها خاطر أو فكرة لم تأخذ حقها من التفحُّصِ والنظر برويّةٍ وتأنٍ، أو لم يُتحرَّ فيها عناصر النظرة الشاملة لمجموعة المصالح والمفاسد الكلية التي تشتمل عليها وتتضمنها في داخلها، بل والتي قد تحمل في طياتها تناقضات واختلافات، إلا أن كل ذلك يجب ألا يُخرجها عن دائرة الاحتكام إلى الحوار والاختبار، كما ينبغي ملاحظة مبنى تلك الفكرة أو ذلك الخاطر، وإنْ كان هو متبنى الغالبية الذي تصورته حلاً لمشكلاتها، والتي لم تتبين وجه الإشكال فيه، إذ قد يكون من أصله مبنياً على مشكلة متوهَّمة لاوجود حقيقي لها، وفي ضوء قواعد الارتفاق المادي المُشار إليها آنفاً يجب أن تؤسَّس كذلك قواعد للارتفاق الاجتماعي والثقافي والفكري، وهذا بالتالي – في حالة وجوده فعلا - يضع التَّوهُّمُ والافتعال في خانة عدم الاعتبار، وعلى عناصر المجتمع وفئاته المختلفة أن تحاول معاً الكشف عنه في مراحل مبكرة، قبل أن يستفحل خطره وينتشر دون أن يكون له أساس أو حقيقة أصلاً، فالأمر هنا يتعلق بمصير كل المجتمع ويهدد وجوده، وهو أمر جد ليس بالهزل، وكثيرة تلك المشاكل التي نراها في الواقع مبناها في الحقيقة وعند التحقيق على التوهم والافتعال، لكن هذا – بطبيعة الحال - لا يمنع وجود مشاكل حقيقية كتعسُّفِ مَن هم في أعلى السفينة ومنعهم أو مضايقتهم لمَن في أداناها من الحصول على حقِّهم وحاجتهم وما يعينهم على البقاء أوالارتقاء.

إلا أنه أيّا كانت المشكلات ومهما كان نوعها فإنَّ معنى الخطورة باقٍ في ذلك الحل الذي تصورته إحدى طوائف المجتمع حلاً وليس في الحقيقة كذلك، والذي اعتبرته إنقاذا وخلاصاً وهو ليس بذاك، إذ الخرقُ وإنْ كانَ يوفِّرُ الماءَ بأسهل طريقٍ وأقلِّ جُهْدٍ لكنه حلٌّ لا يتناسبُ مع حجمِ المشكلة ويُحاول التعامل معها في غير الطريق الصحيح، إذ إنَّ الطريق الأقرب والجهد الأقل لا يتطابقان دائماً مع الحل الصحيح المُفضي إلى الإدراك الصحيح للمشكلة والرشد في التعامل معها، وهذا ما قد يخفى على كثير من الناس.

إنَّه لا مناص من التفكير الشامل الذي يصل إلى تعيين المصالح الكلية الحقيقية، ويُحدد سبل الوصول إليها وتحصيلها، مع مراعاة أولويات الوجود والبقاء، ويبقى دائما هو الطريق الصحيح للوصول إلى الحل الأمثل الرشيد، وإنَّ الحل الذي قد يخطر بالبال أو يُتوهَّمُ في العقل إيثاراً للرّاحة أوتوفيرا للجهد أو تفضيلا لثمرة عاجلةٍ قريبة أو رغبة في الاستقلال والانفصال، أو غير ذلك من الاحتمالات الممكنة التأثير لا قبول له لا عقلا ولا شرعاً. إذ للتفكير الصائب مناهجه وقواعده، أما الأوهام فليست بحلول، والطرق الأقصر والأيسر ليست حلا بذاتها، كما أن الطرق الأطول والأشق ربما حملت في طياتها حلولا صحيحة أو كانت مُقدِّمات لها تعين عليها وترشد إليها، إن الحل الصحيح يجب أن يتأسَّس على الالتقاء والترابط التام بين جملة الحقوق وجملة الواجبات من جانب، كما ينبغي أن ترتبط فيه الممارسة الحقوقية بأداء الواجبات، إذ كلُّ حقٍ يتبعه ثلاث واجبات في الحقيقة هي :
1. واجب معرفته والوعي به.
2. واجب ممارسته والقيام به وعليه.
3. واجب حمايته والدفاع عنه وعن حق ممارسته.

ولا مكان للجهل والتجاهل، أو اللامبالاة والسكوت والاستخفاف عند بحث الوصول إلى الحلول الحقيقية الصحيحة .. وغالباً ما يكون طريقُ هذا النوع من الحلول هو الأطول والأشق لا الأقصر والأيسر، إنّ هذا الحل – كما يُرشد إليه سياق الحديث النبوي الشريف – لم يخطر على بال تلك الفئة في أسفل السفينة، حيث لم تُوازن تلك الفئةُ بين الخاطر الذي ورد على تفكيرها بخرقِ خَرْقٍ في نصيبها مِن السفينة للحصول على احتياجاتها منه - كما يدعون - ويحققون هدفهم في عدم مرورهم على مَن في أعلاها وعدم إزعاجهم كما يتوهمون أو يزعمون.

وبين المنهجين أو المنطقين لنا عودةٌ للحديث إن شاء الله تعالى ..

أستودعكم الله ..

والسلام عليكم ..

د. فتحي خليفة محمد عـقوب


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home